تعددت وتنوعت ألفاظ الصحابة -رضي
الله عنهم- في نقل الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
أولًا: التصريح بالسماع
وأقوى هذه الألفاظ أن يقول الصحابي:
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا، أو أخبرني، أو حدثني، أو شافهني،
فهذه الألفاظ المذكورة هي الأصل في الرواية والتبليغ قال - صلى الله عليه وسلم - : «نضَّر
اللهُ امرًا سمِعَ مقالَتي فوَعاها فأدّاها كما سمِعَها ....» الحديث
[أحمد في المسند ٤/٨٠]
ثانيًا: قول الصحابي بصيغة
"كنا نفعل" ونحوه إن لم يُضف لزمن النبي - صلى الله عليه وسلم -
أما قول الصحابي: كنا نقول كذا، أو نفعل كذا،
أو نرى كذا، أو يقولون، أو يفعلون كذا، إن لم يضفه إلى زمن النبي - صلى
الله عليه وسلم - فهو موقوف.
كذا قاله الجمهور من المحدثين وأصحابُ
الفقه والأصولِ وأطلق الحاكمُ والرازي والآمدي أنه مرفوع، ورجحه ابن
الصباغ ومثل له بقول عائشة - رضى الله عنها: "كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه".
ومن أمثلته أيضًا ما رواه البخاري
وغيره عن جابر بن عبد الله قال: «كُنّا إذا صَعِدْنا كَبَّرْنا،
وإذا نَزَلْنا سَبَّحْنا» [البخاري كتاب الجهاد. باب التسبيح إذ اهبط
واديًا- وأحمد في المسند٣/٣٣٣].
ثالثًا: قول الصحابي بصيغة
"كنا نفعل" مضافًا لزمن النبي - صلى الله عليه وسلم -
وإن أضافه الصحابي إلى زمن النبي
- صلى الله عليه وسلم - كأن يقول: كنا نفعل في حياة النبي
- صلى الله عليه وسلم - أو في زمنه أو وهو فينا أو بين أظهرنا أو نحو
ذلك.
فالصحيح الذي قطع به الجمهور من أهل
الحديث والأصول أنه مرفوع قال ابن الصلاح رحمه الله: "لأن ظاهر ذلك
مشعر بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اطلع على ذلك وقررهم عليه
لتوفر دواعيهم على سؤاله عن أمور دينهم، وتقريره أحد وجوه السنن المرفوعة".
مثاله: ما رواه الشيخان عن جابر
بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: «كُنّا نَعْزِلُ على عَهْدِ رَسولِ
اللهِ - صلى الله عليه وسلم - » [البخاري كتاب النكاح باب
العزل - مسلم كتاب الطلاق باب حكم العزل].
ومن أمثلته أيضًا: ما رواه النسائي
وغيره عن جابر - رضي الله عنه - قال: «كنّا نَأكُلُ لُحومَ الخيْلِ على عَهدِ
النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - » [النسائي كتاب الصيد
والذبائح باب تحريم أكل لحوم الخيل - الترمذي أبواب الأطعمة باب ما جاء في أكل
لحوم الخيل].
- ومن أمثلته كذلك: ما رواه مسلم
وغيره عن أبي سعيد الخدري - رضي
الله عنه - قال: «كنّا نخرجُ في عَهدِ رسولِ
اللَّهِ صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من شعيرٍ أو صاعًا من أقِطٍ لا نخرجُ غيرَهُ». [مسلم كتاب الزكاة. باب
زكاة الفطر - أحمد في المسند ٣/٣٣].
- قال النووي - رحمه الله: "وقال
آخرون: إن كان ذلك الفعل مما لا يخفى العادة كان كما لو رآه النبي -صلى
الله عليه وسلم -ولم ينكره، فيكون مرفوعا، وإن جاز خفاؤه عليه -صلى الله
عليه وسلم -لم يكن مرفوعًا كقول بعض الأنصار: "كنا نجامع فنكسل ولا نغتسل".
فهذا لا يدل على عدم وجوب الغسل من الإكسال لأنه يفعل سرا فيخفى.
رابعًا: قول الصحابي: "من
السنة"، "أُمرنا"، "نُهينا"
وأما قول الصحابي: من السنة كذا،
أو أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، وما أشبهه فكله مرفوع على الصحيح الذي قاله
الجمهور لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهى ومن يجب اتباع سنته وهو
رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - ،
واحتمال أن يكون الأمر غيره وأن يريد سنة غيره بعيد.
ومما
يؤيد أن ذلك في حكم الرفع ما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن شهاب عن سالم بن
عبد الله بن عمر عن أبيه - رضي الله عنه -
في قصته مع الحجاج حين قال له؟ فَقالَ:
وَهَلْ يعنون بذلك إلا سنته -صلى
الله عليه وسلم - . فنقل سالم - وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل
المدينة وأحد الحفاظ من التابعين - عن الصحابة أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون
بذلك إلا سنة النبي - صلى الله عليه
وسلم - ، ومما يؤيد الرفع في «كُنا نؤمر» ما رواه الشيخان عن أبي موسى في
قصة استئذانه على عمر، ولفظ البخاري: عن أبي مُوسى قال «اسْتَأْذَنْتُ
على عمرَ فلمْ يُؤْذَنْ لي ثَلاثًا وكأنه كان مشغولا فرجعت ففزع عمر فقال: ألم
أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ ايذنوا له قيل: قد رجع، فدعاني فقلت: كنا نؤمر
بذلك........» الحديث [البخاري كتاب الاستئذان باب
التسليم والاستئذان ثلاثًا - ومسلم كتاب الأدب باب الاستئذان].