على الرغم من اجتهاد كثير من العلماء،
واتفاق جمهور أهل السنة والجماعة على عدم الخوض في الأحداث التي وقعت بين الصحابة -
رضوان الله عليهم -، سدًا لذريعة انفلات الألسن من عقلها، فتسئ التحليل والاستنتاج
مما يترتب على ذلك من أفكار تؤدي إلى التعصب، وبالتالي إلى التنازع والخلاف
المذموم، الذي ما زالت تعاني منه أمتنا الإسلامية، والتزموا بقوله تعالى: {تِلۡكَ
أُمَّةٌ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا
تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [البقرة:
١٣٤]،
إلا أن هناك من يطعن على الصحابة - رضوان الله عليهم.
موقف أهل السنة:
يذهب أهل السنة إلى أنه واجب على كل مسلم أن
يتذكر مكانة أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – منه، ويعلم أنهم هم الذين
اختارهم الله لصحبة نبيه، وفضلهم على جميع الأمة، وزكاهم - صلوات الله عليه -
وأثنى عليهم، فحق على كل مسلم أن يعرف لهم ذلك الفضل، ويستصحب فيهم تلك العدالة،
وإن نُقلت هنات فليلتمس لها أحسن التأويل، لأن عدالتهم نقلت نقلًا متواترًا، فلا
يقدح فيها ما نُقل نقل آحاد، وكل واحد منهم اجتهد مريدًا للخير وقاصدًا للسداد،
فمنهم من أصاب ذلك، ومنهم من أخطأ.
وينسب الإمام الجويني سبّ الصحابة إلى الروافض
من الشيعة قائلًا: "قد كثرت المطاعن على أئمة الصحابة، وعم افتراء الروافض" [ابن ميمون: شرح كتاب الإرشاد للجويني،
ص١ ٦٧].
وقد ألهم الله عز وجل نبيه معرفة حال
شراذم من الناس ممن سوف يتطاولون على صحابته الكرام، فلذا حذر من الطعن فيهم أو سبهم،
أو تقصى مثالبهم وعيوبهم؛ كما بين حق أصحابه من التوقير والتبجيل والتقدير، ونص
على أنهم خير قرون الإسلام، وحذر – صلى الله عليه وسلم - من النيل منهم أو اتخاذهم
غرضًا، فقال: «اللهَ اللهَ في أصحابِي، لا تتّخذوهُم غرضًا بعدِي فمن أحبهُم
فبِحُبي أحبهُم، ومن أبغضهُم فببغضِي أبغضهُم، ومن آذاهُم فقد آذانِي، ومن آذانِي
فيوشِكُ أن يأخذهُ» [أخرجه الترمذي في
السنن، كتاب المناقب، باب من سب أصحاب النبي، وقال هذا حديث حسن غريب].
وقد فصلت كُتب الصحاح والسنن في فضائل كل واحد
من الصحابة - رضوان الله عليهم - ممن شهد لهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - بالجنة،
وبرضى الله عنهم؛ كأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وشهداء أُحد وجمع من الصحابة الكرام.
وقد بين الإمام مالك أن الرسول – صلى
الله عليه وسلم - قد أمرنا بمحبة صحابته، ووجب الاستغفار لهم، كما أمرهم مولاهم.
وقد صنف علماء المسلمين عشرات المصنفات
بينوا فيها حكم من يتعرض للصحابة بطعن أو سبّ بقول أو غير ذلك.
فصنف المقدسي محمد ابن عبد الواحد كتاب (النهي
عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب)، وصنف ابن تيمية الحراني كتابه: (الصارم
المسلول على ساب الرسول) وحوى الكتاب في آخره حكم من يتعرض للصحابة -رضوان الله
عليهم -، وصنف الألوسي أبو المعالي محمود شكري كتابه: (صب العذاب على من سب
الأصحاب).
ونظم عثمان بن سند البصري ديوان: (الصارم
القرضاب في نحر من سب أكارم الأصحاب) ردًا على افتراء الشاعر دعبل الخزاعي في
قصائده التي تناول فيها الصحب الكرام، وغير ذلك من مصنفات كثيرة عامة في نقد تلك
العقائد الدامة، وخاصة في موقف الشيعة الإمامية الاثنى عشرية من الصحابة رضوان
الله عليهم.
وقد انقسم علماء المسلمين - من أهل السنة - في
حكم ساب الصحابة إلى فريقين:
فريق يرى أن من سبهم أو طعن في عدالتهم يكفر
ويقتل بسبب ذلك، وممن ذهب لعذا الرأي: الإمام مالك، ومحمد بن يوسف الفريابي،
والإمام أحمد في رواية، وعبد العزيز بن جعفر غلام الخلال، وأبو زرعة الرازي، والسرخسي،
والطحاوي، والحميدي، والقرطبي، وأحمد بن يونس، وأبو بكر بن هاني، وعبد الله ابن
إدريس، وغيرهم، ولهم على ذلك أدلة كثيرة من القرآن والسنة [د. عبد القادر محمد عطا صوفي: موقف الشيعة الاثنى
عشرية من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ج١، ص١٣٨].
وفريق يرى أن من سب الصحابة يفسق ويعزر
ولم يقل بتكفيره، ولا قتله، ومن هؤلاء عمر بن عبد العزيز، والإمام مالك في رواية،
والإمام أحمد في رواية، وعاصم الأحول، وإسحاق بن راهويه، وعبد الملك بن حبيب، وابن
المنذر، وإبراهيم النخعي، وعبد الله بن محمود الموصلي، وابن عابدين، والتفتازانى،
وأبو الشكور السالمي، وملا علي القاري، والقسطلانى، والرملي، والنووي، والباقلاني [أبو معاذ السيد بن أحمد بن إبراهيم: أوجز خطاب في نسب عمر بن
الخطاب، و رد افتراءات الشيعة الإمامية حول نسبه هو وبعض الصحابة- رضوان الله
عليهم -، مكتبة الإمام البخاري، ٢٠٠٢م، ص٢٨]، ولهم على ذلك أدلة.
وقد عقد ابن تيمية في نهاية كتابه (الصارم
المسلول على ساب الرسول – صلى الله عليه وسلم -) فصلًا يبين فيه المسألة ويفصلها.
موقف الشيعة من الصحابة:
الشيعة ليسوا على موقف واحد من الصحابة، بل يمكن
أن نلاحظ تيارين داخل نسيج التشيع، وهما:
التيار الأول: يمثل هذا التيار الامتداد الطبيعي
لنواة التشيع الأولى التي التفَّت حول عليّ بن أبي طالب الذي مثل لها البطل الملهم
ذا الشخصية ذات الجاذبية الساحرة الناطقة باسم الإسلام الحقيقي.
هذا التيار هو التيار العلوي الحقيقي الذي
يتجلى موقفه من الصحابة في القول المنسوب إلى عليّ بن أبي طالب في (نهج البلاغة)
حيث قال: "لقد رأيت أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم - فما أرى أحدًا
يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثًا غبرًا، وقد باتوا سجدًا وقيامًا، يراحون بين
جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم.. إذا ذُكر الله هملت أعينهم
حتى تُبَل جيوبُهم ".
وعلى خُطى هذا الموقف سار تيار التشيع العلوي
وأصحابه، أخذ بها محسن الموسوي مؤكدًا صحة البيعة للخلفاء قبل (عليّ)، وعلى
هذه القاعدة سار الصحابة - رضوان الله عليهم- [محسن الموسوي: الخلافة أم الإمامة في القرآن الكريم].
وحكم أحمد حسين يعقوب بحسن
خاتمة كل من طلحة والزبير [أحمد حسين يعقوب: نظرية
عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام، ص٦٤ -٦٥]، وكذلك ذهب محمد الباقر البهبودي بكذب
روايات تكفير عموم الصحابة الواردة في كتاب (الكافي) حين أعرض صفحًا عن
ذكرها في كتابه (صحيح الكافي) الذي اعتمده بعد السبر والتحقيق، وبعد
المباحث العميقة أن الصحيح إنما يكون من حيث السند والمتن معًا [محمد الباقر البهبودي: صحيح الكافي - المقدمة]، ونقد الغلاة الذين تسببوا في توسيع هوة
الخلاف بين الشيعة وغيرهم من المدارس الإسلامية.
أما الزيدية فإنهم يعتبرون أبا بكر
أفضل الناس بعد عليّ بن أبى طالب، إذ يقول زيد بن عليّ - إمام الزيدية-: "واجتمعت
الأمة على أن خيرة الله من السابقين إلى الجهاد البدريون، وإن خيرة البدريين
المجاهدين هذان الرجلان اللذان اختلفت فيهما الأمة: أمير المؤمنين عليّ بن أبي
طالب، وأبوبكر بن أبي قحافة [إبراهيم يحيى الدرسي:
مجموع كتب ورسائل زيد بن علي، ص ١٨٥].، وأن أبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا أهل تقى وورع
وصلاح.
وقد استدل الصاحب ابن عباد لذلك بقوله:
"لقد دل إجماع أهل البيت - عليهم السلام - أن الصلاة خلف الفاسق لا تجوز، فلو
كان - عليه السلام - يرى تفسيقهم لما كان يصلى خلفهم" [الصاحب بن عباد: الزيدية، ص٦٦].
التيار الثاني: بدأ هذا التيار مع ظهور فرقة
الكيسانية التي كانت ترى كفر أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة،
ومعاوية، وعمرو بن العاص، ومن انضم تحت لوائهم من الصحابة، وانضم إليهم الشيعة
الإمامية من الاثنى عشرية، وقد بنت هذه الفرقة موقفها من الصحابة بناء على عدة
مقدمات، وهذه المقدمات هي: [زكريا بن خليفة المحرمي:
الصراع الأبدي، ص٢٩٤ وما بعدها].
المقدمة الأولى: الإمامة من أصول الدين.
المقدمة الثانية: الإمامة تثبت بالنص.
المقدمة الثالثة: إمامة عليّ بن أبي طالب
ثبتت بالنص الجلي الواضح.
المقدمة الرابعة: معطل النص الشرعي كافر.
المقدمة الخامسة: الإمامة لا تصلح في غير عليّ وآله،
ومن ادعى هذا الحق فهو هالك.
ووفق هذه المقدمات يكون الصحابة قد
عطلوا النص الشرعي بإمامة عليّ، وسلبوه حقه الإلهي، وقد أخذوا حقًا ليس لهم ولا
يجوز فيهم، فهم وفق كل هذه المخالفات قد أوقعوا أنفسهم في الكفر.
ومع هذا الموقف المتشدد من الصحابة أجاز بعض
أتباع هذا التيار الطعن سبًا وشتمًا في الصحابة.
موقف الإباضية (الخوارج):
استطاع أئمة الإباضية الأوائل من خلال
اعتمادهم سياسة السكوت عن أحداث الصحابة تحصين أتباعهم من الوقوع في فخ معاداة بعض
الصحابة، مما أعطى أتباعهم الكثير من الحرية للبحث والتحري.
وقد ضبط أئمة الإباضية موقفهم وفق مجموعة من
القواعد الكلية التي توجه أتباع المذهب الإباضي للتعامل المنضبط مع الصحابة،
واعتبارهم أنهم أهل السبق والجهاد، وهو ما دفع بالكثير من المتأخرين من الإباضية
بالتصريح بولاية عليّ، وعثمان.
وقال أحد شيوخهم، مهدي بن عيسى بن
إسماعيل (ت ا٩٧هـ): "كيف نبغض الصحابة مع ورود النصوص في فضائلهم، والثناء
عليهم كتابًا وسُنّة، يأبى الله ذلك والمسلمون، بل هم عندنا بالحالة التي ذكرها
الله عليهم من العدالة والنزاهة والطهارة". [علي يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص٣٠٢ -٣٠٣س].
وقال آخر، وهو الربيع سليمان الحيلاني
(ت١٠٩٩هـ): "وأما الإنكار على بعض الصحابة فكذب وفرية علينا" [المرجع السابق، ص٣٠٤].
ويذهب علي يحيى معمر (ت ١٤٠٠هـ) إلى أن
أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -هم
أولياء كل مؤمن صادق، وهم أعداء كل منافق، وكما لا يحل لمؤمن أن يحمل لهم ذرة من
البغضاء لا يحل له كذلك أن يحارب المسلمين بهم، ويزرع الفتنة بين صفوف المؤمنين
بدعوى محبتهم والغيرة عليهم، وإذا كان في المسلمين من أي مذهب كان من يحمل لأصحاب
رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أو لأحدهم أي معنى لا يليق بجلال مركزهم وشرف
صحبتهم، فإن عليه أن يطهر قلبه بالتوبة والاستغفار [المرجع السابق، ص ٣١١-٣١٢].
هكذا كان موضوع الصحابة مادة حية
للدراسة بين علماء المسلمين مدة أربعة عشر قرنًا، وستظل مادة حية للدراسة، ومعينًا
زاخرًا ينهل منه المؤمنون، ومصدرًا لا ينضب بما حوت من جوانب سامية في كل فضيلة
إنسانية، ولا غرو فقد رباهم من كان خُلقه القرآن على منهج القرآن – صلى الله عليه
وسلم -، هذا غير قيامهم على أمور الدين؛ تعلمًا وتعليمًا، مدارسة وممارسة؛ فهم
صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، هم نجوم الهدى ومصابيح الظلام، قدوتنا
بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، أخذوا عنه وأخذنا عنهم، أكرم خلق الله بعد
أنبيائه ورسله – صلى الله عليه وسلم -، اجتمعت قلوبهم على حب الله وحب رسوله،
فرسان بالنهار ورهبان بالليل، قدموا أرواحهم قبل أموالهم لنصرة دين الله وإعلاء
شأنه.