Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الصحابة

الكاتب

أ.د منى أحمد أبو اليزيد

الصحابة

حفظ الإسلام في طيات صفحاته المشرقة سيرة الصحابة والصحابيات إلى جانب حفظه لسيرة النبي – صلى الله عليه وسلم -، فلم تمسها عوامل الدهر كما حدث لكثير من عظماء التاريخ القديم؛ وكان لهؤلاء الصحابة فضل في خدمة الإسلام، كما كان للإسلام فضله عليهم، فقد أوقفوا حياتهم لنصرة الإسلام، ونشر دعوته والجهاد في سبيله، كما كانوا حفظة كلام الله تعالى المنزل على رسوله  – صلى الله عليه وسلم -، وحفظة أقواله – صلى الله عليه وسلم -وأفعاله وجميع تصرفاته، فلم يدعو شيئًا من ذلك إلا حفظوه ووصفوه وأدوه بكل صدق وأمانة لا مثيل لها في التاريخ.

المفهوم العام للصحابة

المعنى اللغوي:

بالفتح منسوب إلى الصحابة، وهي مصدر بمعنى الصحبة، وقد جاءت الصحابة بمعنى الأصحاب، والأصحاب جمع صاحب، فإن الفاعل يجمع على أفعال كما صرح به سيبويه، وارتضاه الزمخشري والرضى.

فالقول بأن جمع صَحْب بالسكون اسم جمع، أو الكسر المخفف صاحب إنما نشأ من عدم تصفح كتاب سيبويه،

ويُعرِّف الراغب الأصفهاني: الصاحب؛ بأنه الملازم إنسانًا كان أو حيوانًا، أو مكانًا، أو زمانًا، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن -وهو الأصل والأكثر- أو بالعناية والهمة [الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم - دمشق، الدار الشامية - بيروت، ط ا، ١٤٢٦هـ، مادة (صحب)].

وفي لسان العرب: الصاحب وجمعه: صحب وأصحاب، وصحاب وصحابة، والصاحب المعاشر والملازم، ولا يقال إلا لمن كثرت ملازمته، وأن المصاحبة تقتضي طول لبثه. [لسان العرب: مادة (صحب)].

 المعنى الاصطلاحي:

اختلف العلماء في تحديد المقصود بالصحابي، وذلك عند البحث في عدالة الصحابة - رضوان الله عليهم - في مباحث الأخبار من كتب الأصول، أما في مبحث حجية قول الصحابي، وفي مباحث الأدلة الشرعية، فقد خص بعض المؤلفين في الأصول الصحابة بالمجتهدين.

واتفقوا بشكل عام على أن الصحابي من لقى النبي –صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له، ومن لم يره لعارض كالأعمى، ويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافرًا ولو أسلم بعد وفاة الرسول، إذا لم يجتمع به مرة أخرى، ويخرج من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، أما من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث، ولم يدخل الإسلام فهو محل احتمال.

وعلى هذه الشروط رتب ابن حجر العسقلاني مفهوم الصحابي، ومنها:

١ - يُعد صحابيًّا من سمع ذكره – صلى الله عليه وسلم - من الجن، وآمنوا به.

٢ - يُعد صحابيًّا من آمن به ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، ومات عليه، سواء اجتمع بالنبي – صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك أو لم يجتمع.

٣ - من رآه النبي – صلى الله عليه وسلم - من أبناء الصحابة ولم يبلغ سن التمييز، لا تصح نسبة رؤيته للنبي، ولأن النبي – صلى الله عليه وسلم - قد رآه فيكون صحابيًا من هذه الحيثية، ولكن من حيث الرواية يكون تابعيًا. [ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: د. طه الزيني، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٩٦٨ م، جـ ١، صـ ٧ وما بعدها].

الصحابي عند أهل السنة:

ذهب علماء أهل السنة إلى عدة تحديدات لمعرفة الصحابي وتحديده، واختلفوا في ذلك إلى ثلاثة اتجاهات:

 الاتجاه الأول: ذهب أكثر الشافعية، وأحمد بن حنبل إلى أن الصحابي من رأى النبي – صلى الله عليه وسلم - وهو مؤمن به، وهو مذهب جمهور المحدثين [الآمدي: الإحكام في الأحكام، جـ٢، ص٨٢].

 ولم يتشرطوا طول الصحبة ولا الملازمة ولا الرواية عن النبي – صلى الله عليه وسلم -.

وأدلة هذا الاتجاه تقوم على:

· أن الصاحب مشتق من الصحبة، وهي تعم القليل والكثير، لذلك يُقال: صحبته ساعة، وصحبته سنة، ونحو ذلك.

· لو حلف إنسان أنه لا يصحب فلانًا في السفر، فإنه يحنث بصحبة ساعة، وكذا لو حلف لصحبته بَرَّ بصحبته ساعة.

· لو قال إنسان صحبت فلانًا، جاز أن يُسأل، ويقال له: كم صحبته ساعة أو أكثر أو أقل؟ وجاز أن يُسأل: هل أخذت عنه العلم؟ فلو اختصت الصحبة بطول مدة أو بأخذ علم لما احتيج إلى هذا الاستفهام.

الاتجاه الثاني: ذهب الأصوليون إلى أن الصحابي إنما يُطلق على من رأى النبي – صلى الله عليه وسلم -، واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، ولم يتشرطوا الرواية [الآمدي: المصدر السابق، جـ٢، نفس الصفحة].

وأدلة هذا الاتجاه معتمدة في الأساس على دليلين هما:

·        الدليل الأول: عندما يُقال: أصحاب القرية فإنه يقصد الساكنين الملازمين لها، ولا يطلق على الزائر، وكذا عندما يقال: أصحاب الحديث، فإنه يعني الملازمون لدراسته دون غيرهم.

· الدليل الثاني: يصح أن يقال فلان لم يصحب فلانًا، ولكن زاره، أو رآه مثلًا، فلو كان معنى الصُحبة مجرد الزيارة أو الرؤية لما صح هذا الكلام لتناقضه.

الاتجاه الثالث: وهو اتجاه بعض الحنفية، الذاهب إلى أن هذا الاسم إنما يُسمى به من طالت صحبته للنبي – صلى الله عليه وسلم -، وأخذ عنه العلم [الآمدي: المصدر السابق، ج٢، نفس الصفحة].

 واستدل هذا الاتجاه بأن إطلاق الصُّحبة على المعنى العرفي، أما في أصل الموضع تعم القليل والكثير بدون شرط الملازمة والتلقي، وإطلاق اللفظ على المعنى العرفي صحيح، ولكنه لا يمنع من إطلاقه على المعنى الوضعي.

ويجمل الجرجاني (ت ٨١٦هـ) تعريف الصحابي في قوله "هو في العُرف من رأى النبي – صلى الله عليه وسلم - وطالت صُحبته معه، وإن لم يَرْوَ عنه – صلى الله عليه وسلم -، وقيل: وإن لم تطل". [الجرجاني: التعريفات، مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر، ١٩٣٨/٠٥١٣٥٧م، ص١١٦].

وقد أضاف المتأخرون قيدًا آخر إلى التعريف، وهو الموت على الإسلام، لأن من ارتد ومات مثل عبد الله بن خطل، لا يُسمى صحابيًا، ومن نفى هذا القيد نظر إلى أنه كان يسمى صاحبيًا قبل الردة، ويكفي ذلك في صحة التعريف [انظر: شرح المحلى على جمع الجوامع، مع حاشية العطار، جـ٢، ص٩٨ ١، ٩٩ ١. نقلًا عن: محمود عبد العزيز محمد: منهج الصحابة في الترجيح، دار المعرفة - بيروت، ط١، ٤٢٥ ١هـ/٤ ٠ ٢٠م، صـ١٧].

واختُلِف فيمن تخلل إسلامَه ردةٌ، وكان إسلامه بعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم -كالأشعث بن قيس، فقيل: هو صحابي بدليل أن الذين تكلموا عن الصحابة ذكروا الأشعث في الصحابة، وقيل: يبطل وصف الصُحبة، لأن الردة تُحْبط العمل، ومن العمل شرف الصحبة.

الصحابي عند الإباضية:  

الصحابي عند الإباضية - من الخوارج - هو كل من عاصر النبي – صلى الله عليه وسلم -وشاهده، وآمن برسالته ومات على الإيمان، وعرَّفه السالمي بأنه "من اجتمع بالنبي – صلى الله عليه وسلم - بعد البعثة مؤمنًا به، مميزًا على وجه يتعارف، ولا يدخل في الصحابي من ارتد عن الإسلام، أو نافق وفسق من بعد إيمانه؛ لأنه لم يمت على الإيمان".

واشترط بعضهم أن يغزو مع النبي – صلى الله عليه وسلم -، وبعضهم يشترط أن يروي سنته، والبعض قيده بطول الصحبة سنة أو سنتين، والصحيح - عند الإباضية - عدم اشتراط ذلك.  

ومن رأى النبي – صلى الله عليه وسلم - قبل مبعثه ولم يؤمن به إلا بعد موته فهو تابعي، ومن آمن به ولم يره لبعد المسافة، ففيه خلاف مثل النجاشي، أما الأعمى الذي سمع صوته، أو الأطرش الذي رآه ولم يسمعه فكلهم صحابة ما داموا آمنوا به، واتصلوا به في حياته، وشاهدوا هديه حسبما أمكنهم [معجم مصطلحات الإباضية، سلطنة عمان، وزارة الأوقاف والشئون الدينية، ٢٠٠٨/٥١٤٢٦م، جـ٢، صـ٥٨٩].

 الصحابي عند الشيعة:

 إن مدرسة الشيعة ترى أن تعريف الصحابي: هو ما ورد في قواميس اللغة العربية، وترى أن هذه التسمية من ابتكار مدرسة أهل السنة، وإنه لم يكن لفظ الصاحب والأصحاب يوم ذاك أسماء لأصحاب الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ولكن المسلمين من أهل السنة تدرجوا بعد ذلك في تسمية أصحاب رسول الله بالصحابي والأصحاب، وعلى هذا فإن هذه التسمية من نوع (تسمية المسلمين) و (مصطلح المتشرعة) [السيد مرتضى العسكري: معالم المدرستين، مج (١)، بحوث المدرستين في الصحابة والإمامة، المجمع العلمي الإسلامي - مؤسسة البعثة، طهران، ١٩٩٣م، ط٠٤ ١٤٢٣هـ/١٩٩٣م، صـ١١٨].

وهذا الكلام غير صحيح لأن الرسول – صلى الله عليه وسلم - دعاهم بأصحابه، وأصحابي، في كثير من الأحاديث.

ثانيًا: المفاضلة بين الصحابة:

لا شك أن الصحابة هم أفضل هذه الأمة، فهم الحجة التامة، وقد جعل الله تعالى شهادتهم على الناس كشهادة الرسول – صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ} [البقرة: ١٤٣] فلا يجوز وقوع الخطأ في شهادتهم إذا كانت شهادتهم كشهادة الرسول – صلى الله عليه وسلم -عليهم.

جاء في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة الإشادة بفضل الصحابة - رضوان الله عليهم - كما روت كتب التاريخ والسير بعضًا من مآثرهم التي لا تجارى، وبطولاتهم التي وقف أمامها التاريخ متخشعًا، كما أفرد الكتاب والمؤلفون الكثير من مؤلفاتهم في سيرة أفراد منهم، وما زالت حياتهم - بعد مضى خمسة عشر قرنًا - مادة زاخرة بما حوت من جوانب سامية في كل فضيلة إنسانية.

الصحابة في القرآن والسنة

وقد قسم الكتاب العزيز الصحابة إلى طبقات:

 الأولى: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وهم يشكلون المسلمين في العهد المكي وفي العهد المدني إلى معركة بدر الكبرى، وهم الذين زكاهم الله تعالى بقوله: {وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [التوبة: ١٠٠]، ومن هؤلاء أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير.

الثانية: أهل بيعة الرضوان، وهذه الطبقة تضم السابقين الأولين وغيرهم ممن أسلم لاحقًا، وهم الذين امتدحهم الله تعالى بقوله: {لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا} [الفتح: ١٨]. 

 الثالثة: الذين أسلموا بعد بيعة الرضوان، وقاتلوا وأنفقوا في سبيل الله، ومن هؤلاء سيف الله المسلول خالد بن الوليد، [ابن حجر العسقلاني: الإصابة، ج١، ص٥ ١ ٢]، وعمرو بن العاص. [ابن حجر العسقلاني: المصدر السابق، ج٤، ص٥٣٧ – ٥٤١].

 الرابعة: الصحابة الذين أسلموا بعد الفتح، وهم أقل الجميع درجة، حيث ذكرهم الله تعالى بقوله: {وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ} [الحديد: ١٠]، ومن هؤلاء معاوية بن أبي سفيان. [ابن حجر العسقلاني: المصدر السابق، ج٦، ص١٢٠ -١٢٢].

وقد ورد في فضل الصحابة كثير من الأحاديث الشريفة، بعضها تكلم في فضلهم على الإجمال، وأحاديث أخرى أشادت بفضل جماعة منهم، وأحاديث ذكرت بعضًا من فضائلهم على الانفراد، ومن هذه المناقب على الإجمال: عن عمران بن حصين - رضي الله عنه -، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ أُمَّتي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، قالَ عِمْرانُ بن حصين: "فلا أدْرِي أذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أوْ ثَلاثًا» [رواه الخمسة (الشيخان، والترمذي، والنسائي، وأبو داود) واللفظ للبخاري: باب فضائل الصحابة].

 عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: «صَلَّيْنَا المَغْرِبَ مع رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ -، ثُمَّ قُلْنَا: لو جَلَسْنَا حتَّى نُصَلِّيَ معهُ العِشَاءَ، قالَ: فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقالَ: ما زِلْتُمْ هَاهُنَا؟ قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، صَلَّيْنَا معكَ المَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حتَّى نُصَلِّيَ معكَ العِشَاءَ، قالَ: أَحْسَنْتُمْ -أَوْ أَصَبْتُمْ- قالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّمَاءِ، وَكانَ كَثِيرًا ممَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلى السَّمَاءِ، فَقالَ: النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ ما تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي ما يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتي ما يُوعَدُونَ». [روى الحديث مسلم في الصحابة: ٥١، ورواه أحمد في الصحيح].

عن أنس – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - «دعُوا لِي أصحابِي، فوالذِي نفسِي بيدِهِ لوْ أنفقتُمْ مِثلَ أُحُدٍ ذهَبًا ما بلغتُمْ أعمالَهُمْ» [رواه أحمد في مسنده ٣/٢٦٦، حديث صحيح].

عن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «أكرِموا أصحابي فإنهم خيارُكم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونَهم ثم يظهرُ الكذبُ حتى إن الرجلَ ليحلِفُ ولا يُستَحلَفُ ويشهدُ ولا يُستَشهَدُ ألا فمَن سرَّه بُحبوحةُ الجنةِ فليلزَمِ الجماعةَ فإن الشيطانَ مع الفذِّ وهو من الاثنينِ أبعدُ» [رواه النسائي، وأحمد والحاكم في الإيمان، حديث صحيح].

 

المفاضلة بين الصحابة

وقد وضعت مؤلفات في المفاضلة بين الصحابة، ولهذه القضية أهميتها في الفكر السياسي الإسلامي، إذا هي في نتيجتها ستنتهي إلى تحديد مَنْ مِن الصحابة كان أَوْلى بالتقديم بعد وفاة الرسول – صلى الله عليه وسلم.

 وقد وضع ابن حزم الأندلسي (ت ٤٥٦هـ) رسالة (في المفاضلة بين الصحابة)، استعرض فيها أقوال الفِرق المختلفة والعلماء فيمن هو أفضل الناس بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فمن قائل عليّ بن أبي طالب، ومن قائل عمر بن الخطاب، ومن قائل جعفر بن أبى طالب، ومن قائل أبوبكر، وهم كثيرون.

 ويرى ابن حزم أن الفضل ينقسم إلى قسمين لا ثالث لهم: فضل اختصاص من الله تعالى بلا عمل، وفضل مجازاة من الله تعالى بعمل.

 فأما فضل الاختصاص دون عمل: كفضل الملائكة في ابتداء خلقهم على سائر الخلق، وكفضل الأنبياء في ابتداء خلقهم على سائر الجن والإنس، وكفضل (المدينة) بعد (مكة) على غيرها من البلاد، وكفضل المساجد على سائر البقاع، وغيرها من صور الفضل.

 أما فضل المجازاة بالعمل، فهذا ما تنازع فيه الناس، وله سبعة أوجه: الماهية، الكيفية، والكمية، والزمان، فمن عمل في صدر الإسلام، أو في عام المجاعة أو في وقت نازلة المسلمين، لا يساوي عمل غيره بعد قوة المسلمين، والعرض في العمل، والمكان، والإضافة. [ابن حزم: رسالة المفاضلة بين الصحابة، تحقيق: سعيد الأفغاني، المطبعة الياشينية - دمشق، ١٣٥٩هـ/١٩٤٠م، ص١٧٣ –١٧٤].

ثم يطبق ابن حزم هذه الشروط السبعة على الصحابة، ويرى أن أفضلية الخلفاء الراشدين تتسلسل بحسب ولايتهم، فأبو بكر أفضل من عمر، وعمر أفضل من عثمان، وعثمان أفضل من عليّ، وكل منهم يفضل ما يليه جهادًا وعلمًا، وقد فضل أبو بكر الجميع بأن الرسول استعمله، واستخلفه حين غزا، كما استخلفه على الصدقات والحج والبعوث، وكان مسامره ومجالسه، كما أن له فضل الفتيا والقراءة والزهد والعدل والكرم والسياسة، وغيرها. [ابن حزم: المصدر السابق، ص٢٤٠].

بل إن ابن حزم يرى أن أبا بكر وَلِى الخلافة بعهد صريح من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ونص منه عليه، بينما تولاها عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - على مغالبة وقوة.

 وتبع ابن حزم المنهج نفسه في تفضيل عثمان على عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وإن كان لا يجزم بهذه الأفضلية على نحو رأيه الحاسم في أفضلية أبي بكر.  

لكن ابن حزم لم يُفَصِّل في تفضيل عمر؛ لأنه جعله يندرج تحت أبواب التفضيل التي تحدث فيها عن أبي بكر، كما أن مقام المقارنة كان التفضيل بين أبي بكر وعليّ؛ لأن هذه حجة الشيعة التي يعتمدون عليها، فإذا أبطل ابن حزم تفضيل (عليّ) على (أبي بكر) بطل بالتالي استحقاقه، لأن يكون الخليفة الراشدي الأول [د. عبد الحليم عويس: ابن حزم وجهوده في البحث التاريخي والحضاري، دار الاعتصام - القاهرة، ١٩٧٩م، صـ٢٧٣].

كذلك حاول ابن عبد البر الأندلسي عرض هذه المسألة، وتحديد موقفه من قضية المفاضلة بين الصحابة، وكانت هذه القضية ثمرة آرائه من خلال استقرائه نصوص الأحاديث النبوية، وحدد هذه الأفضلية على النحو التالي:

 ١ - الصحابة أفضل القرون بالنسبة للمجموع لا للأفراد: فقد ذهب ابن عبد البر إلى أن الأفضلية بالنسبة للقرون الأولى هي أفضلية مجموعة وليست أفضلية أفراد، واحتج على ذلك بحديثين:

 الأول: «أُمتى كالمَطر لا تَدرِى أولُه خَير أم آخِرَه».

 والثاني: «خيرُ الناسِ من طال عمرُه وحسُن عملُه»، وهما يعارضا حديث «خَيْرُالنّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»

 ٢ - من مات من الصحابة في حياته – صلى الله عليه وسلم - أفضل ممن بقي بعده، واستدل على ذلك بقوله – صلى الله عليه وسلم - في شهداء أُحد: «هؤلاءِ أشهدُ عليهم».

 ٣ - أفضل الصحابة: الأولون من المهاجرين ثم الأولون من الأنصار ثم من بعدهم، مع عدم القطع على إنسان منهم بعينه أنه أفضل من الآخرين في طبقته.

وقد صرح ابن عبد البر بذلك في مقدمة الاستيعاب بقوله: ”ولم يأت عنه – صلى الله عليه وسلم -  أنه فَضل منهم واحدًا على صاحبه بعينه من وجه يصح، ولكنه ذكر من فضائلهم ما يستدل به على مواضعهم، ومنازلهم من الفضل والدين والعلم، وكان – صلى الله عليه وسلم -أحلم وأكرم معاشرة، وأعلم بمحاسن الأخلاق من أن يواجه فاضلًا منهم بأن غيره أفضل منه، فيحز ذلك في نفسه، بل فضل السابقين منهم، وأُولُوا الاختصاص به، على من لم ينل منازلهم"  [ابن عبد البر الأندلسي: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، على ذيل كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة)، لابن حجر، تحقيق: د. طه الزيني، مكتبة الكليات الأزهرية - مصر، ١٩٦٨م، ج٣، ص١١٦، وأيضًا ليث سعود جاسم: ابن عبد البر الأندلسي وجهوده في التاريخ، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة - مصر، ط ١، ١٤٠٧هـ/١٩٨٦م، صـ٤٢٢ وما بعدها].

ونختم هذا الموضوع بقول للإمام الجويني عندما سُئل في تفضيل بعض الصحابة على بعض: إن قيل: هل تُفضلون بعض الصحابة على بعض، أم تضربون عن التفضيل؟ يُجيب الإمام الجويني قائلًا: "الغرض من ذلك ينبني على منع إمامة المفضول"، ويشرح أبو بكر بن ميمون - أحد مفسري كتاب الإرشاد -:إذا قلنا بمنع إمامة المفضول فإن الخلفاء يترتبون في الفضل ترتيبهم في الإمامة؛ فأفضلهم أبو بكر؛ لأنه أسبق الأئمة ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ؛ وإن كان اتجاه من قال بجواز إمامة المفضول - وهو المذهب الذي ذهب إليه الزيدية من الشيعة - فيشير ابن ميمون إلى أنه لا يوجد عليه دليل عقلي، ولا نص سمعي قاطع، وإنما تشير إليه بعض الأحاديث الآحاد، وينتهي إلى أن المسألة خلافية واجتهادية وليست بقطعية، والأغلب على الظن أن أبا بكر أفضل الخلائق بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ثم عمر، وتعارض الظنون في عثمان وعليّ.

 وقد توقف مالك بن أنس - رضي الله عنه - في تفضيل أحدهما على الآخر، وقد روى عن عليّ ابن أبي طالب أنه قال: "خير الناس بعد نبيهم أبو بكر - رضي الله عنه -، ثم عمر، ثم الله أعلم بخيرهم بعدهما" [أبو بكر بن ميمون: شرح الإرشاد للجويني، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا، مكتبة الأنجلو المصرية - مصر، ١٤٠٧هـ/١٩٨٧م، ص٦٧٠].

 فالجويني - من الأشاعرة - من أصحاب الاتجاه القائل بأن أفضلية الصحابة بحسب ترتيبهم في الخلافة، فأفضلهم أبو بكر لأنه أسبق الخلفاء، ثم بعده عمر، ثم عثمان، ثم على، ويرفض الجويني مقالة إمامة المفضول التي نادى بها الزيدية من الشيعة، حيث لا يوجد دليل قطعي أو نقلى يدل عليها.

 أما الشيعة فتذهب إلى أفضلية الإمام عليّ بن أبي طالب، على بقية البشر بعد النبي – صلى الله عليه وسلم - وليس على الصحابة وحدهم، بل إننا رأينا كيف أنهم ينكرون لفظ الصحابة ولا يعترفون به، وأفضلية الإمام (عليّ) عندهم راجعة إلى عدة مسائل منها أنه الإمام المنصوص عليه، وأنه الإمام المعصوم، إلى غيرها من أدلة اعتمدتها الشيعة لإثبات إمامة عليّ، وتفضيله على بقية المسلمين لتولي منصب خلافة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

عدالة الصحابة

من المواضيع المهمة في معرفة الصحابة، موضوع عدالة الصحابة، إذ ترتب عليها آثار مهمة في التشريع والسلوك والمفاهيم الإسلامية.

وعدالة عموم الصحابة ضرورة شرعية، ذلك أن نقل الشريعة يستلزم عدالة الناقل، والله تعالى أوجب استشهاد العدول في مسائل الدّين والزنا فكيف يعقل أن يبيح قبول شهادة غير العدول في نقل الشريعة بأسرها؟! واختلف المسلمون في ذلك إلى اتجاهات:

 أهل السنة:

 ذهب أهل الحديث إلى أن جميع الصحابة عُدُول، يقول ابن الصلاح (ت ٦٤٢هـ): للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي ألا يُسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة، ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة ومن لابس الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع [ابن الصلاح: المقدمة، صـ١٨٢. وايضًا: زكريا بن خليفة المحرمي: الصراع الأبدي - قراءة في جدليات الصراع السياسي بين الصحابة وانقسام المواقف حولها، مكتبة الغبيراء - سلطنة عمان، ط١، ٤٢٧ ١هـ/٠٦ ٠ ٢م، صـ٣٥]، واستدلوا لذلك بأدلة عقلية ونقلية.

وترى مدرسة أهل السنة أن الصحابة كلهم عُدُول، وترجع إلى جميعهم أخذ معالم دينها، فيذهب أبو حاتم الرازي (ت ٢٧ ٣هـ) إمام أهل الجرح والتعديل إلى أن الله قد اختار الصحابة، لنصرة نبيه – صلى الله عليه وسلم - وإقامة دينه، وإظهار حقه، وجعلهم لنا أعلامًا قدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والفخر واللمز [أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل، حيدر آباد ١٣٧١هـ، ص٧ -٩]، وسماهم عدول الأمة.

ويذكر ابن عبد البر هذا الأمر قائلًا: ثبت عد الة جميعهم [ابن عبد البر: الاستيعاب، المقدمة]، ثم أخذ في إيراد آيات وأحاديث وردت في حق المؤمنين منهم.

أما ابن الأثير (ت ٤٣٠هـ) فيشير إلى أن السنن التي عليها مدار تفصيل الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام إلى غير ذلك من أمور الدين، إنما ثبتت بعد معرفة رجال أسانيدها ورواتها، وأولهم المقدم عليهم أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، والصحابة كلهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح [ابن الأثير: أسد الغابة. جـ١، صـ٣].

 ويُجمل الحافظ ابن حجر موقف أهل السنة من عدالة الصحابة بقوله: اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة [ابن حجر: الإصابة، ج١، ص١٧]، وكان هذا هو رأى أهل السنة في عدالة الصحابة.

الشيعة:

ترى الشيعة - تبعًا للقرآن الكريم - أن في الصحابة مؤمنين أثنى عليهم الله في القرآن الكريم، وقال في بيعة الشجرة مثلًا: {لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا} [الفتح: ١٨]؛ فقد خص الله الثناء بالمؤمنين ممن حضروا بيعة الشجرة، ولم يشمل المنافقين الذين حضروها مثل عبد الله ابن أبيّ، وأوس بن خولي.

وكذلك تبعًا للقرآن يشير الشيعة إلى أن من الصحابة من كان من المنافقين، وقد ذمهم الله في آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: {ومِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ} [التوبة: ١٠١]، وفيهم من أخبر الله عنهم بالإفك، أي من رموا فراش رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وفيهم من أخبر الله عنهم بقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ} [الجمعة:  ١١]، وكان ذلك عندما كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قائمًا في مسجده يخطب خطبة الجمعة.

ومنهم من أخبر عنهم الرسول – صلى الله عليه وسلم - في قوله عن يوم القيامة «وإنَّه سَيُجاءُ برِجالٍ مِن أُمَّتي فيُؤْخَذُ بهِمْ ذاتَ الشِّمالِ، فأقُولُ: يا رَبِّ أصْحابِي، فيَقولُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ» [الترمذي: أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحشر].

وفي رواية «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ ناسٌ مِن أصْحابِي الحَوْضَ، حتّى عَرَفْتُهُمُ، اخْتُلِجُوا دُونِي، فأقُولُ: أصْحابِي! فيَقولُ: لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ» [البخاري: كتاب الرقاق، باب في الحوض ٠٩٥/٣].

ولما كانت للشيعة موقفها هذا من عدالة الصحابة، ورأت أن فيهم المنافقين الذين لا يعلمهم إلا الله، وقد أخبر نبيه بأن عليًا لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، كما رواه الإمام عليّ وأم المؤمنين أم سلمة (ت ٦١هـ)، وعبد الله بن عباس (ت ٦٨هـ)، وأبو ذر الغفاري (ت ٣٢هـ)، وأنس بن مالك (ت ٠ ٩هـ)، وكان ذلك شائعًا ومشهورًا في عصر رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

 قال أبو ذر الغفاري: ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله، والتخلف عن الصلوات، والبغض لعليّ بن أبي طالب، وعَلى هذا يحتاط الشيعةُ في أخذ معالم دينهم من صحابي عادى عليًّا ولم يواله، حذرًا من أن يكون الصحابي من المنافقين الذين لا يعلمهم إلا الله [السيد مرتضى العسكري: معالم المدرستين، مج ١، ص ١٣٠ وما بعدها، وأيضًا: عدنان فرحون: حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، ط١، ١٤٢٥هـ/٢٠٠٤م، ص١٢٥ وما بعدها].

 وخلاصة رأى الشيعة في عدالة الصحابة هي:

 ١ - أن تعريف الصحابي بأنه كل من رأى النبي – صلى الله عليه وسلم - وهو مسلم يتعارض مع القول بعدالة جميع الصحابة.

 ٢ - ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن هناك مجموعة من المسلمين الذين رأوا النبي – صلى الله عليه وسلم - وقد وصفهم الله تعالى بأنهم منافقون.

 ٣ - أن الأدلة التي سيقت في الحكم بعدالة جميع الصحابة هي أدلة عامة ثبت بالكتاب والسنة ما يخصصها.

 ٤ - أن دواعي العقل تقطع بجواز وجود صحابة ساقطي العدالة دون أن يؤثر ذلك على الشريعة، ونقل القرآن الكريم.

الطعن على الصحابة

على الرغم من اجتهاد كثير من العلماء، واتفاق جمهور أهل السنة والجماعة على عدم الخوض في الأحداث التي وقعت بين الصحابة - رضوان الله عليهم -، سدًا لذريعة انفلات الألسن من عقلها، فتسئ التحليل والاستنتاج مما يترتب على ذلك من أفكار تؤدي إلى التعصب، وبالتالي إلى التنازع والخلاف المذموم، الذي ما زالت تعاني منه أمتنا الإسلامية، والتزموا بقوله تعالى: {تِلۡكَ أُمَّةٌ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [البقرة: ١٣٤]، إلا أن هناك من يطعن على الصحابة - رضوان الله عليهم.

موقف أهل السنة:

 يذهب أهل السنة إلى أنه واجب على كل مسلم أن يتذكر مكانة أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – منه، ويعلم أنهم هم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه، وفضلهم على جميع الأمة، وزكاهم - صلوات الله عليه - وأثنى عليهم، فحق على كل مسلم أن يعرف لهم ذلك الفضل، ويستصحب فيهم تلك العدالة، وإن نُقلت هنات فليلتمس لها أحسن التأويل، لأن عدالتهم نقلت نقلًا متواترًا، فلا يقدح فيها ما نُقل نقل آحاد، وكل واحد منهم اجتهد مريدًا للخير وقاصدًا للسداد، فمنهم من أصاب ذلك، ومنهم من أخطأ.

 وينسب الإمام الجويني سبّ الصحابة إلى الروافض من الشيعة قائلًا: "قد كثرت المطاعن على أئمة الصحابة، وعم افتراء الروافض" [ابن ميمون: شرح كتاب الإرشاد للجويني، ص١ ٦٧].

وقد ألهم الله عز وجل نبيه معرفة حال شراذم من الناس ممن سوف يتطاولون على صحابته الكرام، فلذا حذر من الطعن فيهم أو سبهم، أو تقصى مثالبهم وعيوبهم؛ كما بين حق أصحابه من التوقير والتبجيل والتقدير، ونص على أنهم خير قرون الإسلام، وحذر – صلى الله عليه وسلم - من النيل منهم أو اتخاذهم غرضًا، فقال: «اللهَ اللهَ في أصحابِي، لا تتّخذوهُم غرضًا بعدِي فمن أحبهُم فبِحُبي أحبهُم، ومن أبغضهُم فببغضِي أبغضهُم، ومن آذاهُم فقد آذانِي، ومن آذانِي فيوشِكُ أن يأخذهُ» [أخرجه الترمذي في السنن، كتاب المناقب، باب من سب أصحاب النبي، وقال هذا حديث حسن غريب].

 وقد فصلت كُتب الصحاح والسنن في فضائل كل واحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - ممن شهد لهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - بالجنة، وبرضى الله عنهم؛ كأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وشهداء أُحد وجمع من الصحابة الكرام.

 وقد بين الإمام مالك أن الرسول – صلى الله عليه وسلم - قد أمرنا بمحبة صحابته، ووجب الاستغفار لهم، كما أمرهم مولاهم.

وقد صنف علماء المسلمين عشرات المصنفات بينوا فيها حكم من يتعرض للصحابة بطعن أو سبّ بقول أو غير ذلك.

 فصنف المقدسي محمد ابن عبد الواحد كتاب (النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب)، وصنف ابن تيمية الحراني كتابه: (الصارم المسلول على ساب الرسول) وحوى الكتاب في آخره حكم من يتعرض للصحابة -رضوان الله عليهم -، وصنف الألوسي أبو المعالي محمود شكري كتابه: (صب العذاب على من سب الأصحاب).

 ونظم عثمان بن سند البصري ديوان: (الصارم القرضاب في نحر من سب أكارم الأصحاب) ردًا على افتراء الشاعر دعبل الخزاعي في قصائده التي تناول فيها الصحب الكرام، وغير ذلك من مصنفات كثيرة عامة في نقد تلك العقائد الدامة، وخاصة في موقف الشيعة الإمامية الاثنى عشرية من الصحابة رضوان الله عليهم.

 وقد انقسم علماء المسلمين - من أهل السنة - في حكم ساب الصحابة إلى فريقين:

 فريق يرى أن من سبهم أو طعن في عدالتهم يكفر ويقتل بسبب ذلك، وممن ذهب لعذا الرأي: الإمام مالك، ومحمد بن يوسف الفريابي، والإمام أحمد في رواية، وعبد العزيز بن جعفر غلام الخلال، وأبو زرعة الرازي، والسرخسي، والطحاوي، والحميدي، والقرطبي، وأحمد بن يونس، وأبو بكر بن هاني، وعبد الله ابن إدريس، وغيرهم، ولهم على ذلك أدلة كثيرة من القرآن والسنة [د. عبد القادر محمد عطا صوفي: موقف الشيعة الاثنى عشرية من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ج١، ص١٣٨].

 وفريق يرى أن من سب الصحابة يفسق ويعزر ولم يقل بتكفيره، ولا قتله، ومن هؤلاء عمر بن عبد العزيز، والإمام مالك في رواية، والإمام أحمد في رواية، وعاصم الأحول، وإسحاق بن راهويه، وعبد الملك بن حبيب، وابن المنذر، وإبراهيم النخعي، وعبد الله بن محمود الموصلي، وابن عابدين، والتفتازانى، وأبو الشكور السالمي، وملا علي القاري، والقسطلانى، والرملي، والنووي، والباقلاني [أبو معاذ السيد بن أحمد بن إبراهيم: أوجز خطاب في نسب عمر بن الخطاب، و رد افتراءات الشيعة الإمامية حول نسبه هو وبعض الصحابة- رضوان الله عليهم -، مكتبة الإمام البخاري، ٢٠٠٢م، ص٢٨]، ولهم على ذلك أدلة.

وقد عقد ابن تيمية في نهاية كتابه (الصارم المسلول على ساب الرسول – صلى الله عليه وسلم -) فصلًا يبين فيه المسألة ويفصلها.

 موقف الشيعة من الصحابة:

الشيعة ليسوا على موقف واحد من الصحابة، بل يمكن أن نلاحظ تيارين داخل نسيج التشيع، وهما:

 التيار الأول: يمثل هذا التيار الامتداد الطبيعي لنواة التشيع الأولى التي التفَّت حول عليّ بن أبي طالب الذي مثل لها البطل الملهم ذا الشخصية ذات الجاذبية الساحرة الناطقة باسم الإسلام الحقيقي.

هذا التيار هو التيار العلوي الحقيقي الذي يتجلى موقفه من الصحابة في القول المنسوب إلى عليّ بن أبي طالب في (نهج البلاغة) حيث قال: "لقد رأيت أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم - فما أرى أحدًا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثًا غبرًا، وقد باتوا سجدًا وقيامًا، يراحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم.. إذا ذُكر الله هملت أعينهم حتى تُبَل جيوبُهم ".

وعلى خُطى هذا الموقف سار تيار التشيع العلوي وأصحابه، أخذ بها محسن الموسوي مؤكدًا صحة البيعة للخلفاء قبل (عليّ)، وعلى هذه القاعدة سار الصحابة - رضوان الله عليهم- [محسن الموسوي: الخلافة أم الإمامة في القرآن الكريم].

وحكم أحمد حسين يعقوب بحسن خاتمة كل من طلحة والزبير [أحمد حسين يعقوب: نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام، ص٦٤ -٦٥]، وكذلك ذهب محمد الباقر البهبودي بكذب روايات تكفير عموم الصحابة الواردة في كتاب (الكافي) حين أعرض صفحًا عن ذكرها في كتابه (صحيح الكافي) الذي اعتمده بعد السبر والتحقيق، وبعد المباحث العميقة أن الصحيح إنما يكون من حيث السند والمتن معًا [محمد الباقر البهبودي: صحيح الكافي - المقدمة]، ونقد الغلاة الذين تسببوا في توسيع هوة الخلاف بين الشيعة وغيرهم من المدارس الإسلامية.

أما الزيدية فإنهم يعتبرون أبا بكر أفضل الناس بعد عليّ بن أبى طالب، إذ يقول زيد بن عليّ - إمام الزيدية-: "واجتمعت الأمة على أن خيرة الله من السابقين إلى الجهاد البدريون، وإن خيرة البدريين المجاهدين هذان الرجلان اللذان اختلفت فيهما الأمة: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وأبوبكر بن أبي قحافة [إبراهيم يحيى الدرسي: مجموع كتب ورسائل زيد بن علي، ص ١٨٥].، وأن أبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا أهل تقى وورع وصلاح.

وقد استدل الصاحب ابن عباد لذلك بقوله: "لقد دل إجماع أهل البيت - عليهم السلام - أن الصلاة خلف الفاسق لا تجوز، فلو كان - عليه السلام - يرى تفسيقهم لما كان يصلى خلفهم" [الصاحب بن عباد: الزيدية، ص٦٦].

التيار الثاني: بدأ هذا التيار مع ظهور فرقة الكيسانية التي كانت ترى كفر أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، ومن انضم تحت لوائهم من الصحابة، وانضم إليهم الشيعة الإمامية من الاثنى عشرية، وقد بنت هذه الفرقة موقفها من الصحابة بناء على عدة مقدمات، وهذه المقدمات هي: [زكريا بن خليفة المحرمي: الصراع الأبدي، ص٢٩٤ وما بعدها].

 المقدمة الأولى: الإمامة من أصول الدين.

 المقدمة الثانية: الإمامة تثبت بالنص.

 المقدمة الثالثة: إمامة عليّ بن أبي طالب ثبتت بالنص الجلي الواضح.

 المقدمة الرابعة: معطل النص الشرعي كافر.

المقدمة الخامسة: الإمامة لا تصلح في غير عليّ وآله، ومن ادعى هذا الحق فهو هالك.

ووفق هذه المقدمات يكون الصحابة قد عطلوا النص الشرعي بإمامة عليّ، وسلبوه حقه الإلهي، وقد أخذوا حقًا ليس لهم ولا يجوز فيهم، فهم وفق كل هذه المخالفات قد أوقعوا أنفسهم في الكفر.

 ومع هذا الموقف المتشدد من الصحابة أجاز بعض أتباع هذا التيار الطعن سبًا وشتمًا في الصحابة.

موقف الإباضية (الخوارج):

استطاع أئمة الإباضية الأوائل من خلال اعتمادهم سياسة السكوت عن أحداث الصحابة تحصين أتباعهم من الوقوع في فخ معاداة بعض الصحابة، مما أعطى أتباعهم الكثير من الحرية للبحث والتحري.

 وقد ضبط أئمة الإباضية موقفهم وفق مجموعة من القواعد الكلية التي توجه أتباع المذهب الإباضي للتعامل المنضبط مع الصحابة، واعتبارهم أنهم أهل السبق والجهاد، وهو ما دفع بالكثير من المتأخرين من الإباضية بالتصريح بولاية عليّ، وعثمان.

وقال أحد شيوخهم، مهدي بن عيسى بن إسماعيل (ت ا٩٧هـ): "كيف نبغض الصحابة مع ورود النصوص في فضائلهم، والثناء عليهم كتابًا وسُنّة، يأبى الله ذلك والمسلمون، بل هم عندنا بالحالة التي ذكرها الله عليهم من العدالة والنزاهة والطهارة". [علي يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص٣٠٢ -٣٠٣س].

وقال آخر، وهو الربيع سليمان الحيلاني (ت١٠٩٩هـ): "وأما الإنكار على بعض الصحابة فكذب وفرية علينا" [المرجع السابق، ص٣٠٤].

 ويذهب علي يحيى معمر (ت ١٤٠٠هـ) إلى أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -هم أولياء كل مؤمن صادق، وهم أعداء كل منافق، وكما لا يحل لمؤمن أن يحمل لهم ذرة من البغضاء لا يحل له كذلك أن يحارب المسلمين بهم، ويزرع الفتنة بين صفوف المؤمنين بدعوى محبتهم والغيرة عليهم، وإذا كان في المسلمين من أي مذهب كان من يحمل لأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أو لأحدهم أي معنى لا يليق بجلال مركزهم وشرف صحبتهم، فإن عليه أن يطهر قلبه بالتوبة والاستغفار [المرجع السابق، ص ٣١١-٣١٢].

هكذا كان موضوع الصحابة مادة حية للدراسة بين علماء المسلمين مدة أربعة عشر قرنًا، وستظل مادة حية للدراسة، ومعينًا زاخرًا ينهل منه المؤمنون، ومصدرًا لا ينضب بما حوت من جوانب سامية في كل فضيلة إنسانية، ولا غرو فقد رباهم من كان خُلقه القرآن على منهج القرآن – صلى الله عليه وسلم -، هذا غير قيامهم على أمور الدين؛ تعلمًا وتعليمًا، مدارسة وممارسة؛ فهم صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، هم نجوم الهدى ومصابيح الظلام، قدوتنا بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، أخذوا عنه وأخذنا عنهم، أكرم خلق الله بعد أنبيائه ورسله – صلى الله عليه وسلم -، اجتمعت قلوبهم على حب الله وحب رسوله، فرسان بالنهار ورهبان بالليل، قدموا أرواحهم قبل أموالهم لنصرة دين الله وإعلاء شأنه.

الخلاصة

مكانة الصحابة الكرام في الإسلام عظيمة، فقد كانوا خير جيل حمل رسالة الدين ونقلها إلى الأمة؛ وهم مَن صاحبوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وآمنوا به، وشهدوا الوحي، وضحوا بأنفسهم وأموالهم لنصرة الإسلام، ويُعد جميع الصحابة عُدولًا، وهو ما اتفق عليه جمهور أهل السنة، إذ لا يجوز الخوض في خلافاتهم التي كانت مبنية على اجتهاد خالص، فلهم فضل عظيم في حفظ القرآن والسنة.

لمزيد من المقالات اضغط هنا 

موضوعات ذات صلة

الإمامة تعني التقدم أو القيادة نحو هدف معين، وتعني الهداية والإرشاد والقدرة على أن يكون الشخص قدوة

مفهوم الرجعة من عقائد الشيعة المعروفة عند الاثنى عشرية الأساسية والرجعة مرتبطة بقضية الإمامة 

النبوة تعني: الارتفاع والإعلام، وهي الإخبار عن الغيب بالوحي من الله تعالى

موضوعات مختارة