للحديث المرفوع صيغ نرتبها فيما يلي:
أ - أن يقول الصحابي: سمعت
رسول الله -صلى الله عليه وسلم– يقول: كذا، أو حدثني، أو أنبأني
بكذا، أو سمعناه يقول: كذا، فهذا كله سواء، وهو الأصل في الرواية لعدم احتمال الواسطة.
ومن أمثلة تلك الصيغ: ما ورد في صحيح البخاري عن سفيان
بن أبي زهير الشنائي - رضي الله عنه -، أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، لاَ يُغْنِي عَنْهُ
زَرْعًا وَلاَ ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» فقال له السائب بن يزيد: هل أنت سمعت هذا من رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-؟
قال: إي ورب هذه القبلة.
[أخرجه البخاري في كتاب الحرث والمزارعة، باب اقتناء
الكلب للحرث ٦/٥، حديث رقم ٢٣٢٣].
ومن هذا القبيل قول أبي شريح الخزاعي: «...أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ
بِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ
أُذُنَاي، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَاي حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ..» [أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب ليبلغ العلم
الشاهد الغائب ١/٢٦٣، حديث رقم ١٠٤]
ويدخل في تلك الصيغة أن يَنْسب الصحابي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
فعلًا، مثل ما رواه مسلم بسنده إلى عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما - قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم
- إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ جْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ». [صحيح
مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، حديث رقم ٧٠٣].
أو «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقْبَلُ
الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» [صحيح
البخاري، كتاب
الهبة وفضلها،
باب المكافأة
في الهبة، حديث
رقم٢٥٨٥].
ب - من صيغ الرفع قول الصحابي: قال رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -: كذا، أوعن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - هذه الصيغة في حكم قوله: سمعت رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-
وذلك لأمرين:
١ - أن تلك الصيغة (قال، وعن) تشعر بأن الصحابي سمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في
ظاهر الحال.
٢- ولعدم تدليس الصحابة، فإذا قال الصحابي: قال رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - التي تشعر ظاهرًا بالسماع المباشر، فإن كان قد
سمع بواسطة
لاعتبر ذلك تلبيسًا على الناس وتدليسًا، والصحابة لا يفعلون ذلك.
نعم هذه الصيغة أقلَّ في القوة من صيغة سمعت أو حدثنا، لاحتمال الواسطة؛ لأن
كلمة (قال...) مجرد إسناد القول إلى قائله، وهذا أعم من أن يكون بواسطته أو بدونها. ومن هنا ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى
أن قول
الصحابي العدل قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: لا يدل على سماعه، بل مجرد احتمال، وقد وجدت بعض الأحاديث التي رواها بعض الصحابة بصيغة قال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-، ولم يسمعوها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - لحديث: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» [مسند
أحمد ٢٤٨/٢، وموطأ مالك. كتاب الصيام. حديث ٦٤٣].
ورواية ابن عباس - رضي الله عنهما - الحديث: «لَا رِبَا إلَّا
فِي النَّسِيئَةِ» [صحيح
كتاب المساقاة حديث ١٥٩٦، وسنن الترمذي، كتاب البيوع حديث
١٢٤١] ولما سُئلا عن حديثيهما: بينا ممن سمعاه.
والذي عليه جمهور العلماء أن تلك الصيغة تشعر بالسماع ظاهرًا، وغاية ما يمكن أن يكون الصحابي قد سمع الحديث من صحابي آخر، وهم جميعا عدول.
ج - ومن صيغ الرفع أن يقول الصحابي: أمر رسول الله بكذا، ونهى عن كذا.
مثل قول عائشة - رضي الله عنها -: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم
- بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ، وَتُطَيَّبَ». [سنن
الترمذى. كتاب الجمعة. حديث : ٥٩٤، وسنن أبى داود. كتاب الصلاة. حديث: ٤٥٥]، ومثل: «نَهْيِ النَّبِيِّ ً- صلى الله عليه وسلم - عَنِ
كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» [صحيح البخاري.
كتاب الذبائح والصيد. حديث: ٥٥٢٧]
د – المرتبة الرابعة من صيغ الرفع أن يقول الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن
كذا بالبناء للمجهول.
مثل قول أم عطية - رضي الله عنها -: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ إِلَى
الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ». [صحيح
البخاري كتاب الصلاة. حديث ٣٥١، وصحيح
مسلم. كتاب صلاة العيدين. حديث: ٨٩٠].
وقولها: «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ
الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» [صحيح
البخاري. كتاب الجنائز حديث : ١٢٧٨، وصحيح مسلم. كتاب الجنائز. حديث ٩٣٨]
.
وحديث: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ» [صحيح
البخاري. كتاب الأذان. حديث : ٦٠٣، ه٦٠، ٦٠٦، ٦٠٧، وصحيح مسلم. كتاب الصلاة. حديث:
٣٧٨].
هـ -المرتبة الخامسة من صيغ الرفع قول الصحابي: من السنة كذا، أو مضت السنة بكذا، أو جرت السنة بكذا.
مثل قول علي - رضي الله عنه -: «مِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الْكَفِّ
عَلَى الْكَفِّ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ» [سنن أبي
داود كتاب
الصلاة. حديث: ٧٥٦].
وللعلماء خلاف حول تلك الصيغة، فأكثرهم يرى أنها تأخذ حكم الرفع، وذهب أبو بكر الرازي وابن حزم إلى أنها تفيد الوقف، ولكلٍ وجهته.
و – من صيغ الرفع قول الصحابي: كنا نفعل كذا، أو كانوا يفعلون كذا، أو كنا
نقول كذا.
فإن أضيفت إلى زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم-
فلها حكم الرفع، وإلا فقد اختلف فيما سواه مثل: قول جابر-رضي الله عنه-: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ» [صحيح
البخاري كتاب
النكاح. حديث
: ٥٢٠٩،
وصحيح مسلم. كتاب
النكاح. حديث:١٤٤٠].
وقول عائشة - رضي الله عنها-: «كَانُوا لَا يَقْطَعُونَ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ».
[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الحدود، باب من قال: لا تقطع في أقل من عشرة دراهم
٥/٤٧٣، حديث رقم ٢٨١٠٥].
ز - ومن صيغ الرفع: تفسير الصحابي لآية من القرآن، وفيها خلاف بين
العلماء.
ح - ومن صيغ الرفع: أن يقول التابعي بعد ذكر الصحابي: يرفعه، أو ينميه، أو
يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو مرفوعًا، أو بسنده.
مثل: قول الأعرج عن أبي هريرة - رضي الله عنه - يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم-: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا
الشَّأْنِ..» [صحيح البخاري. كتاب المناقب. حديث : ٣٤٩٦،
وصحيح مسلم. كتاب الإمارة. حديث ١٨١٨].