الكنية هي ما يُطلق على الشخص بصيغة "أبو فلان" أو "أم فلان" لتعظيمه، وقد أولى علماء الحديث اهتمامًا كبيرًا بالكنى لضرورتها العلمية في تمييز الرواة ومنع الخلط بينهم.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الكنية هي ما يُطلق على الشخص بصيغة "أبو فلان" أو "أم فلان" لتعظيمه، وقد أولى علماء الحديث اهتمامًا كبيرًا بالكنى لضرورتها العلمية في تمييز الرواة ومنع الخلط بينهم.
تعريف الكنية:
الكنية: ما جُعِلَ عَلمًا على الشخص غير الاسم واللقب نحو (أبو الحسن وأم الخير).
وتكون مصدرة بلفظ أب أو أم أو ابن أو بنت، وهي تستعمل مع الاسم واللقب أو بدونهما تفخيمًا لشأن صاحبها أن يذكر اسمه مجردًا وتكون لأشراف الناس.
ورُبَّمَا كُنِّيَ الوَلِيدُ تَفَاؤُلًا، وَقَدْ كُنِّيَ بَعْض أَجْنَاسٍ مِن الحَيَوَانِ، فَلِلأَسَدِ أَبُو الحارِثِ، وللضبع أُمُّ عامِرٍ. [المعجم الوسيط ٢/٨٠٢]
وقد يسمى الشخص بلفظ الكنية أو يلقب أيضًا، كما سيأتي.
اهتمام المحدثين بالكنى:
لقد اعتنى المحدثون بهذا النوع من علوم الحديث عنايةً فائقةً فبذلوا جهدًا يشكرون عليه في تحرير كنى الرواة لما لها من أهميةٍ علميةٍ حيثُ تمس إليها الحاجة خاصةً عند المحدثين وطلابِ العلمِ، ولذلك بذلوا ما في وسعهم لتمحيصها وتعيين أصحابها ودققوا النظر فيها كثيرًا فأحاطوا بجميع جزئياتها.
وهذا الاهتمام الشديد من العلماء بمعرفة الكنى يدل على أهمية هذا العلم وما يترتب عليه، ومن المعلوم أن السند الصحيح المتصل في هذه الأمة يعتبر من خصائصها لا تشاركها فيه أمةٌ أخرى، فقد حفظت شريعتها وأحكام دينها وتناقلتها الأجيال الأولى بالسند المتصل إلى المشرع دون انقطاع ذلك، فقد اهتم علماء الحديث بدراسة السند والعناية بكل ما يتعلق به.
وعنايةُ المحدثين بالكنى ترجع إلى الأخطاء الجسيمة التي تترتب على الجهل بها؛ حيث إن الراوي يذكر مرة باسمه ومرة بكنيته فيظنهما من لا معرفة له رجلين وربما ذكر بهما معًا فيتوهم أنهما رجلين.
ومثال ذلك: الحديث الذي رواه الحاكم في (المعرفة) من رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله ابن شداد عن أبي الوليد عن جابر - رضي الله عنه - مرفوعًا: «من صلّى خلف الإمامِ فإنَّ قراءتَهُ لهُ قراءةٌ». [سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا] وقال: الحاكم: عبد الله بن شداد هو: أبو الوليد، بينه ابن المديني.
قال الحاكم: ومن تهاون بمعرفة الأسماء أورثه مثل هذا الوهم.
قال العراقي: وربما وقع عكس ذلك كما في قول النسائي عن أبي أسامة حماد بن السائب فوهم في ذلك، وإنما هو عن حماد بن السائب، وأبو أسامة إنما اسمه حماد بن أسامة، وحماد بن السائب هو محمد بن السائب الكلبي، وكنيته أبو أسامة.
ولقد بلغني عن بعض من درس في الحديث أنه أراد أن يكشف عن ترجمة أبي الزناد فلم يهتد إلى موضعها من كتب الأسماء لعدم معرفته باسمه مع كون اسمه معروفًا عند المبتدئين من طلبة الحديث وهو عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد لقب له وكنيته أبو عبد الرحمن.
أقسام الكنى:
لقد قسم العلماء كابن الصلاح وغيره الكنى إلى عشرة أقسام، وهي على النحو التالي:
١- من سمي بالكنية لا اسم له غيرها.
وهم ضربان:
(أ) من له كنية كأبي بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة، اسمه أبوبكر وكنيته أبو عبد الرحمن، ومثله أبو بكر بن عمرو بن حزم كنيته أبو محمد قال الخطيب: لا نظير لهما.
(ب) من لا كنية له كأبي بلال عن شريك، وكأبي حَصين - بفتح الحاء - عن أبي حاتم الرازي.
٢- من عرف بكنيته ولم يعرف أله اسم أم لا؟ كأبي أناس - بالنون - صحابي، وأبي مُوَيهية مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي شيبة الخدري، وأبي الأبيض عن أنس، وأبي بكر بن نافع مولى ابن عمر، وأبي النجيب - بالنون المفتوحة وقيل بالتاء المضمومة وأبي حريز - بالحاء والزاي - الموقفي والموقف محلة بمصر.
٣- من لُقِّبَ بِكُنْيَةٍ، وَلَهُ غَيْرُهَا اسْمٌ وَكُنْيَةٌ. (كأبي تراب علي بن أبي طالب) اسمًا (أبي الحسن) كنية. لقبه بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال له: «قم أبا تراب». وكان نائمًا عليه.
- وأبي الزناد: عبد الله بن ذكوان أبي عبد الرحمن.
- وأبي الرجال: محمد بن عبد الرحمن أبي عبد الرحمن لقب بذلك لأنه كان له عشرة أولاد رجال.
- وأبي نُميلة: بضم الفوقية مصغر يحيى بن واضح أبي محمد، وأبي الآذان جمع أذن لقب به لأنه كان كبير الأذنين.
٤- من له كنيتان أو أكثر: كابن جريج أبي الوليد وأبي خالد، ومنصورالغراوي شيخ ابن الصلاح أبي بكر وأبي الفتح وأبي القاسم وكان يقال له: ذو الكنى.
٥- من اختلف في كنيته دون اسمه كأسامة بن زيد بن حارثة الحب بن الحب مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا خلاف في اسمه وفي كنيته قيل: أبو خارجة أو أبو زيد أو أبو عبد الله أو أبو محمد.
٦- من عُرفت كُنيته واختُلف في اسمه كأبي بصرة الغفاري - حُميل بضم الحاء المهملة على الأصح وقيل بجيم مفتوحة - وأبي جحيفة وهب وقيل: وهب الله، وأبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولًا وهو أول من كُنِّي به، وأبي بردة بن أبي موسى قال الجمهور: عامر، وقال ابن معين: الحارث.
٧- من اختلف في اسمه وكنيته معا (كسفينة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فقد اختلف في اسمه على اثنين وعشرين قولًا، ذكرها ابن حجر في الإصابة منها عمير وقيل صالح وقيل مهران وقيل قيس وقيل مروان وقيل كيسان، أما كنيته فقيل أبو عبد الرحمن وقيل أبو البحتري.
٨- من عرف باسمه وكنيته ولم يختلف في واحد منهما كآباء عبد الله أصحاب المذاهب الأربعة: سفيان الثوري، ومالك، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، وكأبي حنيفة النعمان بن ثابت وغيرهم ممن لا يحصى، ومن الصحابة الخلفاء الأربعة: أبو بكر عبد الله، وأبو حفص عمر، وأبو عمرو عثمان، وأبو الحسن علي.
٩- من اشتهر بكنيته مع العلم باسمه كأبي إدريس الخولاني عائذ الله بن عبد الله، وكأبي إسحاق السبيعي عمرو، وأبي الضحى مسلم.
قال ابن الصلاح - رحمه الله -: (ولابن عبد البر فيه تأليف مليح فيمن بعد الصحابة منهم).
١٠- من عرف باسمه دون كنيته وإن كانت له كنية معينة كطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، والحسن بن علي بن أبي طالب كنية كل منهم أبو محمد، وكالزبير ابن العوام، والحسين بن علي، وحذيفة وسلمان، وجابر كنوا بأبي عبد الله.
قال السخاوي - رحمه الله - ومما يلتحق بالكنى نوعان أجملهما ابن الصلاح وأتباعه: من وافقت كنيته اسم أبيه كأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق المدني أحد أتباع التابعين. قال شيخنا: وفائدة معرفته ن في الغلط عمن نسبه إلى أبيه فقال أخبرنا ابن إسحاق لظنه أنه تصحيف وأن الصواب أبو إسحاق. أو كنيته كنية زوجته كأبي أيوب الأنصاري وأم أيوب صحابيان مشهوران. وفائدته دفع توهم تصحيف أداة الكنية.
أشهر المصنفات في معرفة الكنى:
لقد ظهر هذا النوع من علوم الحديث منذ التصنيف في علم الرجال، مما يدل على بروز مشكلة تحديد الأسماء وتمييزها ومعرفة الكنى من أول هذه الفترة المبكرة.
ومنذ ذلك الوقت ظهرت المصنفات في معرفة الكنى والأسماء وقد سار فيها مؤلفوها على منهجين:
المنهج الأول: إيراد كنى الرواة وأسمائهم وأنسابهم وشيوخهم وتلامذتهم وما يتعلق بهم من جرح وتعديل كما فعل الإمام مسلم والنسائي.
المنهج الثاني: أضافوا إلى ما تقدم ذكره في المنهج الأول نماذج من الأحاديث التي رواها أصحاب الكنى، وعلقوا على تلك الأحاديث، بما بان لهم من تصحيح وتضعيف، كما فعل الإمام أبو أحمد الحاكم والدولابي وغيرهما، ويمكن اعتبار أصحاب هذا المنهج ممن خدموا الرواة والمتون وسهلوا على الباحثين عناء البحث عن أحوال مروياتهم.
والمؤلفات في معرفة الكنى كثيرة وسنكتفي هنا بذكر طائفة من أهم هذه المصنفات:
(أ) كتاب الكُنى لعلي بن المديني ت ٢٣٤هـ.
(ب) كتاب الكُنى للإمام أحمد بن حنبل ت ٢٤١هـ، وقد طبع بتحقيق عبد الله الجديع.
(ج) كتاب الكُنى والأسماء للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفي سنة ٢٦١هـ.
ومعظمه فيمن عرفت كنيته واسمه، ولم يرتبه مصنفه حسب حروف المعجم في كل حرف فهو يقول مثلًا: حرف الألف ثم يذكر من كنيته أبو إسحاق ثم أبو إبراهيم وهكذا حتى نهاية الكتاب، وإذا كان للراوي كنيتان أحدهما أشهر من الأخرى قدم الأشهر واستفاض في المعلومات وعند ورود كنيته الأخرى يشير إلى كنيته الأولى للدلالة على أنه قد تقدم ذكره. والكتاب مطبوع في مجلدين كبيرين بتحقيق عبد الرحيم محمد القشقري.
(د) كتاب الكُنى للإمام النسائي المتوفي سنة ٣٠٣هـ، نهج في ترتيبه منهجًا مخالفًا لمن سبقه من العلماء الذين ألفوا في هذا الموضوع حيث أنه لم يتبع منهج المشارقة أو المغاربة.
قال الإمام العراقي - رحمه الله: "والذين صنفوا في ذلك - يعني الكنى - بوبوا الأبواب على الكنى وبينوا أسماء أصحابها، إلا أن النسائي رتب حروف كتابه على ترتيب غريب ليس على ترتيب حروف المعجم المشهورة عند المشارقة ولا على اصطلاح المغاربة ولا على ترتيب حروف أبجد، وهذا ترتيبها (ال ب ت ث ى ن س ش ر ز ود ك ط ظ ص ض ف ق وه م ع غ ج ح خ).
(هـ) كتاب الكنى والأسماء لأبي بشر الدولابي المتوفي سنة ٣١٠هـ، وقد رتبه على حروف المعجم، وبدأ أولًا بكنية النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم شرع بذكر الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وفصلهم عن غيرهم، ثم ذكر التابعين ومن بعدهم، ثم بعد ذلك يأتي ببعض الأسانيد والأحاديث لبعض من ذكرهم في هذا الحرف ويكرر العمل نفسه في الحرف التالي وهكذا. والكتاب مطبوع في جزأين في مجلد واحد سنة ١٣٢٢هـ.
(و) كتاب الكنى لأبي أحمد الحاكم المتوفي سنة ٣٧٨هـ. قال الكتاني: (وكتابه هذا في أربعة عشر سفرًا ويجي بالخط الرفيع في خمسة أسفار أو نحوها، حرر فيه وأجاد وزاد على غيره وأفاد، ولم يرتبه على حروف المعجم فرتبه الذهبي واختصره وزاد عليه وسماه (المقتنى في سرد الكنى) قلت: وكتاب الذهبي المذكور مطبوع في جزأين كبيرين بتحقيق محمد صالح عبد العزيز المراد.
(ز) كتاب الاستغناء في معرفة الكنى لابن عبد البر القرطبي المتوفي سنة ٤٦٣هـ وهو مطبوع في ثلاثة أجزاء محققًا.
الكنية اسم يُسبق بـ "أب" أو "أم" ويُطلق على الشخص تفخيمًا أو تشريفًا، وقد تُستخدم للتفاؤل أو التعويض عن الاسم. اعتنى المحدثون بها عناية كبيرة لما لها من أثر في ضبط الأسانيد وتجنّب الخلط بين الرواة. فالراوي قد يُذكر مرّةً باسمه ومرّةً بكنيته، مما قد يسبب التباسًا عند من لا يعرف، قسّم العلماء الكنى إلى عشرة أقسام بحسب شهرة الاسم والكنية أو وجود اختلاف فيهما. كما أُلحقت بها أنواع كـ "كنية توافق اسم الأب" أو "كنية الزوجة"، وقد ظهرت مصنفات كثيرة تهتم بالكنى، من أبرزها كتب علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ومسلم، والنسائي، والدولابي، والحاكم، وابن عبد البر، وهذه الجهود تبرز دقّة علم الحديث وحرص العلماء على التوثيق والرواية الدقيقة.
تظهر أهمية هذا العلم في ضبط الأسانيد ومنع الاشتباه بين الرواة.
اهتم علماء الحديث بتمييز أسماء الرواة وألقابهم وكناهم التي لم يشاركهم فيها أحد، لمنع الالتباس والتصحيف.
في عالم غني بالدلالات والرموز، تبرز الألقاب، كوسيلة فريدة؛ للتعريف بالأشخاص.