منذ بدء الخليقة
والإنسان يصنع احتياجاته من المواد المختلفة، ويبتكر في أساليب صنعها، ويجتهد في
تجميلها وتزويقها معبرًا عن أحاسيسه ومشاعره بذلك التجميل والتزويق.
وبطبيعة الحال اختلف الإنتاج باختلاف الإنسان
تبعًا لموقع موطنه الجغرافي، ولكلٍّ تقاليده وطبائعه، ومعتقداته الدنيوية
والأخروية، وثقافته وأخلاقه، وما إلى ذلك.
انتهى كل ذلك قديمًا إلى توفر محصول لا حصر له
من الإنتاج، كان نتيجة لجهد الإنسان خلال القرون العديدة الماضية، واعتبرناه نحن في
القرن العشرين آثارًا وتحفًا، وعرفنا منه تاريخ الشعوب التي عاشت قبلنا في بقاع
الأرض المختلفة خلال العصور السالفة، وأخذنا نحن طريقنا في الحياة على نفس المنوال
لنحقق لأنفسنا ما نحتاجه، ولا اختلاف بيننا وبين ما سبق إلا بقدر ما تواجد من
أساليب لحياتنا المتطورة، وما استجد فيها من مستكشفات العلوم والفنون؛ لما بين
الشعوب في هذا العصر من تسابق في كل الميادين.
ولقد كان للفن الأثر الفعال في تهيئة كل ما ذكر
من أنشطة إنسانية، وظل الأمر كذلك حتى وقتنا هذا، وأصبحنا نرى أن قوام الحياة في
هذه الحقبة التي نعيشها هو الإنسان والفن بمفاهيمه العريضة.
والأمة الإسلامية قديمًا عاشت تؤمن بالجمال
والفن، وعاشت بأحاسيس مرهفة، فكان الشعر والموسيقى، وكانت الفلسفة والعلوم، وكذلك
كانت الصناعات المختلفة كالمنسوجات، والبسط، والزجاج، والأثاث، والخزف، والمعادن،
وكانت الممارسة لاستخدام كل أنواع الخامات في الصناعات العديدة.
على أن ممارسة المسلمين لهذه الصناعات وتجميلها
بالأساليب التكنيكية المختلفة لم يكن لمجرد صنع احتياجات الناس، او تهيئة تحف
فنية، وإنما نرى فيما وصل إلينا من آثارهم جوانب أخرى ربما لا نجد مثيل لها فيما
تخلف عن شعوب أخرى، وكانت فنون الإسلام تفننًا في إتقان وإجادة وتجميل حاجات أفراد
الشعب، ولم تكن تلك الاهتمامات موجهة فقط لحاجات الخاصة والأثرياء، ولم يكن هناك
استعلاء من الفنانين ولم يعيشوا في أبراج عاجية بل صنعوا وصوروا وزركشوا للشعب،
كما صنعوا للخاصة وللولاة والحكام، وأعطوا من روحهم ومن أحاسيسهم ومواهبهم كل شيء للشعب،
وحققوا في ميدانهم نسقًا شعوريًا صادقًا وحقيقيًا.
ومما لا شك فيه
أن هؤلاء الفنانين كانوا يعتزون بعملهم ويرتاحون إلى تأديته وقد رفع بعضهم على
إنتاجه الفني، ومن طبائع الفنان أنه لا يوقع باسمه على شيء من عمله إلا إذا كان
مقتنعًا به كعمل فني ناجح.
وهكذا بدأنا نرى توقيعات الفنانين المسلمين على
القطع الخزفية، ابتداءً من القرن التاسع الميلادي حتى نهاية عصر المماليك، وكان آخر
هؤلاء الموقعين الفنان الخزاف أبو العز، وقد سبقه كثرة أخرى، منهم: ابن الخباز والشامي
والشيخ وغيبي والعجيل وغزال، وتقدمهم في العصر الفاطمي فنانون مرموقون لهم مكانتهم
وعلى رأسهم سعد ومسلم.
ولا شك أن أعمالهم المتفاوتة الطابع والقيم
والأسلوب كلها جوانب جديرة بالدراسة التحليلية وبالتعريف عما تتضمنه من فن رفيع
وأصيل.