Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

استخراج المياه الجوفية

الكاتب

أ. د. أحمد فؤاد باشا

استخراج المياه الجوفية

استخراج المياه الجوفية مجال علمي متداخل يعتمد على الجيولوجيا والهندسة والهيدرولوجيا، لما له من أهمية في تأمين مصادر المياه، وقد طوّرت الحضارة الإسلامية هذا المجال، فحوّلت المعرفة الفطرية إلى علم مدوَّن قائم على التجربة والمنهج.

أهمية استخراج المياه الجوفية

يُعد استخراج المياه الجوفية من التقنيات التي تتجاذبها تخصصات علمية عدة لتوفير معلومات كافية عن تكوين القشرة الأرضية وطبيعة الصخور المكونة لها، وفيزياء الترب وأنواعها، والتأثيرات المناخية على معدلات هطول الأمطار ودورة المياه الهيدرولوجية، بالإضافة إلى تصميم وتنفيذ الإنشاءات الهندسية واختيار أنسب المواد والأجهزة المستخدمة فيها.

التقنيات التقليدية والمعرفة الفطرية عند العرب

وقد تفوق علماء الحضارة الإسلامية في تطوير تقنية استنباط الماء من باطن الأرض بعد أن كان يتم التعرف عليه بواسطة بعض الأمارات الدالة على وجوده، فيعرف بعده وقربه بشم التراب، أو برائحة النباتات فيه، أو بحركة حيوان مخصوص، وسمي هذا عندهم "بعلم الريافة"، وهو من فروع الفراسة من جهة التعرف على مكامن في بطن الأرض، ومن فروع الهندسة من جهة الحفر وإخراجه إلى وجه الأرض، ويقال لمن يقوم بالحفر واستخراج الماء "القنَّاء".

تطور التقنية في الحضارة الإسلامية

وتطورت هذه المعرفة الفطرية عند العرب، إبان عصر النهضة العلمية الإسلامية، وأصبحت تقنية مدونة بأساسيها النظري والتطبيقي، وما يتطلبه ذلك من اختراع موازين وأجهزة لقياس ارتفاعات الأرض وتحديد مناسيب المياه، وعرض لهذا كثير من علماء الحضارة الإسلامية في مؤلفاتهم، لكن "كتاب إنباط المياه الخفية"، الذي صنفه ابو بكر محمد بن الحسن الحاسب الكرجي بين سنتي ٤٠٦هـ و٤٢٠هـ، يعكس الحالة المتقدمة التي وصلت إليها هذه التقنية على أيدي المسلمين في مجال استخراج المياه الجوفية والإفادة منها.

 تضمن كتاب الكرجي تسعة وعشرين بابًا بحثت مختلف المسائل المتعلقة بالمياه الجوفية وهندستها، وعرضت بالتفصيل الدقيق للإجراءات الهندسية والإنشائية قبل تنفيذ النظام المائي المعروف آنذاك باسم "القناة".

الجانب الهندسي والتقني في استخراج المياه

ويظهر الوصف الدقيق الذي قدمه المؤلف خبرته الفنية التي اكتسبها والمعارف النظرية التي حصلها؛ فهو - على سبيل المثال - يصف شكل البربخ وصناعته وعملية إجراء الماء فيه بقوله: "شكل البربخ أن يكون أحد رأسيه أوسع من الآخر ليدخل الرأس الأضيق في جوف الأوسع عند نصبها قدر إصبعين (حوالي أربعة سنتميترات)، ويكون طول البربخ أربعة أمثال قطر دائرة رأسه الأوسع، وكلما كان أطول كان أجود أن يتماسك طينه ولم يفسد، ويكون رأسه الأضيق أرق خزفًا من الأوسع، وتكون مستقيمة الطول، متخذة من طين حر عذب، مطبوخة طبخًا تامًا، والطين الحر المخلص من الرمل والحصى يخالط بالماء، كان أبقى..

وأما نصب البرابخ: أن يحفر في الأرض موضعه مثل ساقية، يكون قرارها إذا مد عليه خيط لم يوجد في قرارها إعوجاج من صعود ونزول، ويكون مخرج الماء منها أسفل من مكان مدخل الماء فيها بأي قدر أمكن أن ينزل عنه، ويبتدأ بموضعها من مكان مخرج الماء منها، على أن يدخل الماء فيها من أوسع بابيِّه ويخرج من أضيقها، ويطلى الرأس الأضيق قدر إصبعين بالنَّوْرة (مادة بناء كلسية) التي تم عجنها من بعد، ويدخل في جوف الذي يليه، ويطلى بعد ذلك الوصل خارجًا بالنَّوْرة المذكورة، ولم يفت رائد التقنية الإسلامية في مجال استخراج المياه الجوفية أن يبين الأخطاء المحتملة في الجيل الأول من تقنية مدّ الأنابيب، ويوضح كيفية التخلص منها، أو تحاشيها من الأساس؛ فهذه البرابخ صُمِّمَت ليكون جريان الماء فيها حرًا؛ لذلك ينبغي أن تثقب بطريقة معينة ليسود الضغط الجوي داخل الأنابيب كيلا يصبح الجريان فيها مضغوطًا ويؤدي إلى تلفها، وينبغي ألا يرسل الماء في هذه البرابخ دفعة واحدة، بل بالتدريج، وهذه الطريقة تتبع حاليًا في أنابيب المياه، إذ إن إطلاق الماء فجأة ودفعة واحدة يسبب حدوث صدمة قد تؤدي إلى انكسار الأنابيب أو انفجارها، يوضح الكرجي كل هذا وغيره بقوله: "ويترك في كل مائة ذراع (حوالي ٥٥ مترًا) إلى أجوافها متنفس لئلا تختنق الريح فيها فتشقها، فإذا فرغ من ذلك تركت ثلاثة أيام أو أكثر، ثم يرسل الماء فيها على رفق، وإن طلي داخلها قبل نصبها بالشحم المذاب أو الدهن (كمواد واقية) كانت أحفظ للماء، فإذا انطبقت في موضعها على ما وصفت، طُمَّ حواليها وظهورها بطين حرّ لا يبقى في أسافلها موضع خال منه".

الأثر العلمي والتقني للكرجي في مجال المياه الجوفية

وكان الكرجي قد أفاد من معرفته الرياضية في اختراع موازين وأجهزة مساحية دقيقة، فحول هذه الأعمال المساحية من مجرد حرفة يقوم بها المسَّاح إلى عمل تقني هندسي له أصوله النظرية وتطبيقاته العملية، وقد كانت هذه المنهجية واضحة تمامًا في فكر الكرجي، فهو يذكر في مقدمة كتابه أنه بدأ يتصفَّح كتابات القدماء في الموضوع فوجدها "قاصرة عن الكفاية، واقفة دون الغاية"، وهو يدرك قيمة الموضوع وفائدته الحيوية، فيعبر عن ذلك بقوله: "وبعد، فلست أعرف صناعة أعظم فائدة وأكثر منفعة من إنباط المياه الخفية، التي بها عمارة الأرض وحياة أهلها، والفائدة العظيمة فيها، كما أنه يحرص على تأكيد سلامة الأساس العلمي النظري الذي يقوم عليه التطبيق، فيقول: "ومن تصوُّر ما ذكرته وحققته، فقد عرف قطعة كبيرة من صناعة إنباط المياه؛ لأن تصور طبع الأرض والماء فيها، وكيفية وضعها وخلقتها، وصفة حال الماء في خُللها، يدلُّ على معرفة قوية في هذه الصناعة".

تساؤلات تحفيزية

وهكذا فإن مشكلة المياه الجوفية التي تعاني منها مناطق مختلفة من العالم اليوم، تجد لها أصولًا في التراث الإسلامي، لكن التقنيين الأوائل استطاعوا أن يواجهوا المشكلة بحلول مبتكرة، فهل يستطيع الأحفاد أن ينجحوا في التغلب على ندرة المياه في هذا العصر الذي يشهد صراعًا محمومًا من أجل السيطرة على الموارد المائية التي يتوقع لها أن تكون من أهم أسباب الحروب على الأرض في المستقبل القريب؟!...

الخلاصة

يُعد استخراج المياه الجوفية علمًا مشتركًا بين الجيولوجيا والفيزياء والهندسة، وقد شهد هذا المجال تطورًا ملحوظًا في الحضارة الإسلامية، التي حولت المعرفة الفطرية إلى منهج علمي. ويبرز كتاب "إنباط المياه الخفية" للكرجي كنموذج متقدم في تصميم أنظمة رفع المياه ومعالجة مشكلات الجريان والضغط. هذا الإرث العلمي يؤكد قدرة المسلمين على الابتكار، ويقدم حلولًا عملية لأزمة المياه اليوم

موضوعات ذات صلة

تُعرف العلوم البيئية في الإسلام بعلاقة توازن وانسجام بين الإنسان والبيئة، حيث تُبرز الآيات القرآنية والسنة النبوية تسخير الكون لخدمة الإنسان.

تطورت العلوم الزراعية بشكل كبير في الحضارة الإسلامية، وبرزت مؤلفات مثل "الفلاحة النبطية" و"الفلاحة الأندلسية".

المزارعة عقدٌ زراعيٌّ يُحقق التعاون بين صاحب الأرض والزارع، حيث يتم تقسيم المحصول وفقًا لنسب متفق عليها.

موضوعات مختارة