Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

العلوم البيئية

الكاتب

أ. د. أحمد فؤاد باشا

العلوم البيئية

تُعرف العلوم البيئية في الإسلام بعلاقة توازن وانسجام بين الإنسان والبيئة، حيث تُبرز الآيات القرآنية والسنة النبوية تسخير الكون لخدمة الإنسان، مع التأكيد على أهمية حفظ البيئة من الفساد والإسراف، يضع الإسلام تشريعات للحماية البيئية تقوم على درء المفاسد وجلب المصالح، ويدعو إلى الوسطية والاعتدال في التعامل مع الموارد، معتبرًا التلوث فسادًا يتنافى مع أمانة الاستخلاف.

مفهوم العلوم البيئية

شاءت إرادة الخالق العليم أن تبيَّن لنا من خلال التوازن البيئي ووحدة النظام الكوني استمرارية المواد كأشياء وتكرر الحوادث والظاهرات كعلاقات سببية لنراقبها وندركها وننتفع بها في حياتنا الواقعية، بعد أن نقف على حقيقة سلوكها ونستدل بها على جلال الله وقدرته ووحدانيته.

وإذا كان علم البيئة أو (الأيكولوجيا Acology) يعني - حسب تعريفه العلمي - بدراسة العلاقة المتبادلة بين الكائن وبيئته المحيطة به، فإن أهم ما يميز علاقة الإنسان بالبيئة في عُرف الإسلام هو أنها علاقة توازن وأُلفة وانسجام لصالح الحياة والأحياء، بما فيهم البشر الذين هم قمة الأحياء، وليست أبدًا علاقة حرب وغلق وتنافر وعداء وصراع كما يقول بعض الماديين من الطبيعيين Naturals الذين يزعمون أن العالم الطبيعي أوجد نفسه دون علة خارجة عنه، ويتعاملون مع بعض الظواهر الكونية على أنها كوارث طبيعية خالية من أي خير، ويعدون كل كشف لقانون من قوانين الكون، وكل تسخير لطاقة من طاقاته، وكل اختراع لتقنية متقدمة جديدة، انتصارًا على الطبيعة، أو قهرًا لها وهيمنة عليها.

أهمية البيئة في القرآن والسنة

ولقد صوَّر القرآن الكريم في كثير من آياته الكريمة حقيقة هذه العلاقة الحميمة بين الإنسان باعتباره أحد مكونات البيئة وعناصرها، بل هو المؤهل للإفادة من بقية المكونات والعناصر بما منحه الله من خصائص وملكات ومميزات تجعله الكائن الحضاري الوحيد، وبين البيئة باعتبارها الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ولا يستغني عنه لاستمرار حياته.

وأخبرت هذه الآيات الكريمة بأن كل مكوِّنات البيئة في هذا الكون الفسيح قد أعدَّها الخالق اللطيف؛ لتكون على أعلى درجة من الاستعداد والصلاحية لاستقبال الحياة ولكفالة الأحياء، فأقوات الأرض مقدَّرة في تربتها وجوفها وأجوائها منذ خلقها الله سبحانه وتعالى، وأعمل فيها حكمته حتى أصبحت مهيأة لحضانة الأحياء وإقاتتهم، وما يزال البشر عيالًا على هذه المُدخرَات يكتشفون منها كل يوم جديدًا بإذن الله. وطاقة الشمس والقمر والنجوم تمد هذه الحياة بالقدر المطلوب من الحرارة والنور والجاذبية بلا زيادة وبلا نقصان، بل إن كل من في السماء والأرض من نعم ظاهرة وباطنة مسخر لتغذية الحياة وإعانة الأحياء.

قال تعالى: {أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ} [لقمان: ٢٠].  

كما أن السنة المطهرة تزخر بما يؤكد هذا التصور الإسلامي لعلاقة المودة الصافية بين الإنسان وما تحتويه بيئته من موجودات حية وغير حية. فقد كان الرسول - يرى الهلال فيستقبله بفرح وهو يقول: «رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ»، وكان يستقبل قطرات المطر بفرح ويقول: «إنَّهَا قَرِيبَةُ عَهْدٍ بِاللهِ».

وكذلك كان يستقبل كل وليد يولد ويقول عنه: «قَريبُ عَهْدٍ بِاللهِ». وكان يقول عن جبل أحد: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»، فيخلع عليه الحياة ويشعر بالحب منه كما يشعر بالحب له.

وقال أيضًا في النخل: "أَكْرِمُوا عَمَّاتِكُمُ النَّخْلَ"، فذلك منه تعبير عن وشائج الألفة بين الإنسان وعناصر البيئة ألفة نبتت جذورها من الوحدة المتعددة المظاهر بين الإنسان والكون باعتبارهما معلولين للوجود الإلهي الأزلي الأبدي، وأثرًا من آثاره، ومن البيِّن أن هذا الشعور بالقربى يلقى في النفس بعدًا إيمانيًّا يزيد من انفساحها للكون والإقبال على التعامل معه بكل الطاقات الإبداعية.

إن افتقاد البشرية لهذا البعد الإيماني والشعور النفسي القائم على المعرفة الصحيحة لطبيعة العلاقة بين الإنسان والبيئة كما يعرضها المنهج الإسلامي المتفرد، هو الذي يدلنا على طبيعة الحرب التي شنَّها الإنسان على نفسه في  غمرة انشغاله بثورة العلم والتقنية، فهي حرب ضد الحياة والتنمية على كوكب الأرض، والإنسان المتورط فيها هو ذاته الذي يسمى جاهدًا لأن يكسبها، يقول تعالي: {إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا} [الأحزاب: ٧٢].

وفي القرآن الكريم دعوة إلى تأمل كتاب الكون الجميل الصفات العجيب التكوين والتلوين، لكي يتدبره العلماء الموصولون بخالقهم الواحد، وإن دعوة العلماء إلى تأمل الجمال الكوني هي في حقيقتها دعوة إلى التفوق في مجال العلوم الكونية المعنية بدراسة ظواهر الكون والحياة؛ للإفادة منها في تطوير حياة البشر وفهم أسرار الوجود قال تعالى: {َلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: ٢٧-٢٨].

ومن المنطقي أن يقابل هذا الجمال الكوني المقصور قصدًا في خلق الكائنات بُعد جمالي في العلاقة بين الإنسان والبيئة، فالتأمل في السماء وما يدور فيها من كواكب وما يُنشر فيها من أفلاك يجب ألا يغفل عن زينتها التي نبَّه إليها الحقُّ في قوله تعالى: {وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ} [الحجر: ١٦].

وعند النظر إلى الأنعام من زاوية فوائدها المادية وقيمتها كثروة حيوانية، يجب أن نحافظ على الصورة الجمالية التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله: {وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ * وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ} [النحل: ٥-٦].

وعند استقصاء حكمة الخالق في خلق الكون وإنبات النبات يجب أن نستشعر معنى البهجة التي تشيع في أرجاء النفس عندما ترى منظر الخضرة، مصداقًا لقوله تعالى: {أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ} [النمل: ٦٠].

بل إن الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - يؤكد أهمية البعد الجمالي في علاقة الإنسان بالبيئة إلى الحد الذي يجد فيه أن النظر البليد إلى الأرض والسماء دون إحساس بالجمال هو نوع من المعصية ينبغي أن نتوب عنه.

ولما كان الجمال مقصودًا قصدًا في خلق الكون، وكان البعد الجمالي ضروريًا في علاقة الإنسان بالبيئة، فإن ما يحدث في عصرنا من أشكال التلوث البيئي المختلفة يجب النظر إليه على أنه اعتداء أثيم على توازن البيئة المُحكَم وتشويه مُتعمَد لشكلها الجمالي، ومن ثَمَّ يكون العمل على حماية البيئة من مختلف أشكال التلوث، والإبقاء على الجمال في صفحات الكون، مطلبًا إسلاميًا عزيزًا تستثار لأجله الهمم.

ومن البيِّن بنفسه أن حفظ الوجود الإنساني متوقِف على استمرار وجود العناصر البيئية من ماء وهواء وغذاء وغير ذلك. وعلى مستوى الترابط الوجودي بين الإنسان والبيئة (الكون) يؤكد القرآن الكريم أن كل الموجودات متساوقة مع بعضها البعض حتى إنه لا يوجد شيء واحد من الموجودات هو في وجوده مستقل عن المنظومة الوجودية العامة، فكل عنصر كوني مترابط معها في كينونتها وسيرورتها.

وهو ما يفهم من قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ} [القمر: ٤٩] أي: بحكمة وترتيب يسهمان في حفظ الوجود وتحقيق المسيرة الكونية كما أرادها الله تعالى لتبلغ غايتها، ويترتب على هذا المنطلق العقدي، من ناحية أخرى أن الكون بدوره رهين الوجود الإنساني، فهو قد أعدَّ لاستقباله واستمرار وجوده، وهذا عكس ما يبدو في الظاهر من أن الموجودات مستقلة في وجودها عن الوجود الإنساني، وليست متوقفة عليه لا ابتداءًا ولا استمرارًا، وإلا فما المقصود من كلمة التسخير التي وردت في آيات كثيرة امتن الله بها على عباده، في مثل قوله تعالى: {أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ} [لقمان: ٢٠]

وقوله سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: ١٣]، وقوله جل وعلا: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} وقوله جل شأنه: {وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ} [الرحمن: ١٠]  فكل ما حول الإنسان من هذا الكون الكبير إنما هو مسخر له، والأرض أمامه ممتدة وغنية بموارد الرزق: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ} [الملك: ١٥] إن العلم والفكر الذينِ لا يعُمر بهما الكون، ولا تصلُح بهما البيئة، ولا ترقى بهما الحياة في جانبيها الروحي والمادي معًا، هما علم وفكر قاصران وضررهما أكثر من نفعهما، ولعل الواقع يؤكد هذه النظرة، بعد أن رأينا تخلي الحضارة المعاصرة عن الجانب الروحي وانغماسها في سباق التقدم العلمي والتقني، بمعزل عن القيم الهادية، وتمسكها بالمذاهب النفعية لتحقيق مصالح خاصة.

وها نحن نرى المتقدم الذي يمتاز بصناعة الأفكار، وهو في صناعتها لديه المادة الخام، ولديه الآليات، ولديه السوق المفتوحة لنشر بضاعته من الفكر والحضارة، قد فشل فشلًا ذريعًا في إدارة حضارته إلى الحد الذي أصبحت فيه هذه الحضارة نفسها مصدر تهديد لحياته، فد يفضي إلى فنائه.

كما لم تحقق دراساته المستقبلية النجاح المطلوب في تقدير التحديات التي يملي مواجهتها ذلك الفكر المادي ويشترطها ازدهار حضارته المزعومة.

وقد تجلى هذا الفشل أثناء وبعد مؤتمر قمة الأرض في "ريو" عام ١٩٩٢م وجوهانسبرج عام ٢٠٠٢م.

دور البيئة الإسلامية في بناء الحضارة

أما البيئة الإسلامية السليمة، التي يتصالح فيها الفكر مع الواقع في ظل المنهج الإسلامي الرشيد فهي القادرة على بناء صرح الحضارة المتوازنة وفق تشريعات حكيمة تنظم الحياة في كل جوانبها ومرافقها. ففي إطار التصور الإسلامي لقضايا الوجود الكبرى نجد أن العقيدة الإسلامية توفر لأتباعها أهم مقومات النظر السليم في التعامل مع البيئة (الكون) المسخرة لهم من قبل الله دون أدنى تناقض بين الفكر والواقع، ومن ثَمَّ يجد الباحث المسلم دافعًا أقوى مما لدى سواه في الإقبال على قراءة أسرار الخالق المنبثة في كتاب الخلق.

وهذا لا يتوفر- مثلًا - لمن ينطلقون في تفكيرهم وعملهم من مبدأ الحتمية الذي يفترض أن صدق أحداث الكون مستقل عن الزمان والمكان. وعندما يدحض البحث العلمي نفسه ذلك المبدأ المادي ويسقطه، نجدهم يجدون في البحث عن مبدأ جديد.

 أما التصور الإسلامي للتوازن البيئي والاتزان الكوني على أساس التوحيد الخالص فإنه ينقذ أصحابه من التخبط في التيه بلا دليل، كالإحالة على الطبيعة، أو العقل، أو المصادقة، أو ما إلى ذلك.

ولنا في تاريخ الإسلام خير مثال، عندما أنتج علماء المسلمين فكرًا يتلاءم مع واقعهم، وقدموا للعالم واحدة من أزهى الحضارات التي عرفها التاريخ البشري، كما قدموا حلولًا شافية للمشكلات البيئية التي واجهتهم على المستويين الفكري والعملي.

وهنا نرى أهمية الدور الحيوي الذي يمكن أن يؤديه الفكر الإسلامي الرشيد في مواجهة التحديات المعاصرة إذا ما نجح في إعادة صياغة المعادلة النفسية والاجتماعية للأمة، بحيث تصبح قابلة للتطور مع منجزات العلم والتقنية.

 ذلك أن العلم والتقنية يأتيان ثمرة لفلسفة وعقيدة وفكر متجدد، ومن ثَمَّ فإنهما يتجمدان في مجتمع تغاير عقيدته واقعه، كما سبق الدين الإسلامي الحنيف إلى وضع تشريعات محكمة لرعاية البيئة وحمايتها من آفات التلوث والفساد، ورسم المنهج الإسلامي حدود هذه التشريعات على أساس الالتزام بمبدأين أساسيين يحددان مسئولية الإنسان حيال البيئة التي يعيش فيها: أما المبدأ الأول فهو درء المفاسد، حتى لا تقع بالبلاد والعباد وتسبب الأذى للفرد والمجتمع والبيئة، حيث لا ضرر بالنفس، ولا ضرار بالغير، وأما المبدأ الثاني فهو "جلب المصالح" وبذل كل الجهود التي من شأنها أن تُحقق الخير والمنفعة للجماعة البشرية.

منهج الإسلام في الحفاظ على البيئة

وأهم ما يُميز المنهج الإسلامي في الحفاظ على البيئة هو الأمر بالتوسط والاعتدال في كل تصرفات الإنسان، باعتباره من أهم عوامل الخلل والاضطراب في منظومة التوازن البيئي المُحكَم الذي وهبه الله سبحانه وتعالى للحياة والأحياء في هذا الكون.

وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن يقف الإنسان مكتوف الأيدي إزاء النظم البيئية المحيطة به، أو أن يعطل أداء واجب التعمير (التنمية)، الذي تقتضيه أمانة الاستخلاف في الأرض، ولكنه يعني أن يتعامل الإنسان مع هذه النظم البيئية بما يمكنه من تطوير حياته دون إسراف في استخدام الموارد الطبيعية أو جور على حقوق الآخرين.

ولقد أقام الإسلام بناءه كله على الوسطية والتوازن والاعتدال والقصد، وذلك في مثل قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ} [البقرة: ١٤٣].

كما نهي عن الإسراف في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، فقال تعالى: {يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ} [الأعراف: ٣١].

وقال عز من قائل: {وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ} [الأنعام: ١٤١]

بل إنه دعا إلى الاعتدال حتى في الإنفاق، فقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا} [الفرقان: ٦٧].

وفي السنة النبوية المطهرة أيضًا ينهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسراف في استعمال الماء حتى ولو كان من أجل الوضوء، فقد روى عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السَّرَفُ يا سَعدُ؟ قالَ: أفي الوضوءِ سَرفٌ قالَ: نعَم، وإن كنتَ على نَهْرٍ جارٍ»

فالوسطية الرشيدة إذن هي مسلك المسلمين ودعوة الإسلام لأتباعه في كل الأحوال وعموم الأوقات، ومن ثم فإنها خير ضمان لحماية التوازن البيئي الذي سنه الخالق جل وعلا لاحتضان الحياة واستمرار الوجود على كوكب الأرض، ولقد أجمعت الدراسات التي أجريت حول مشكلات التلوث البيئي على وجود علاقة وثيقة بين إسراف الإنسان في تعامله مع مكونات البيئة المختلفة وبين التلوث البيئي بجميع أشكاله.

كما أن الإسراف يفضي إلى مشكلات بيئية أخرى لا يقتصر تأثيرها على الإنسان وحده بل يمتد ليشمل باقي الأحياء التي تشاركه الحياة على كوكب الأرض.

وإن ما تعانيه البيئة اليوم من تدهور شمل ثرواتها الطبيعية التي أوشك بعضها على النفاذ، وغاباتها الشاسعة التي أزيل منها الكثير. بالإضافة إلى بعض أنواع الطيور والحيوانات والكائنات البحرية التي انقرضت، أو في طريقها إلى الانقراض. ليس إلا نتيجة طبيعية لتدخل الإنسان الزائد عن الحد بما يفسد على البيئة نظامها المحكم الدقيق.

ولا شك أن خير وسيلة لإنقاذ البشرية أو البيئة، من آثار الإسراف واستنزاف الموارد الطبيعية دون جدوى، أو دون اكتراث بالأخطار، إنما يكون بالعودة إلى منهج الدين الإسلامي في الوسطية والاعتدال، حيث «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».

وهناك أيضًا العديد من التعاليم الإسلامية التي تحث على حماية البيئة والاهتمام بالنظافة العامة، فالإسلام بكماله وشموله لم يدع شيئًا فيه سعادة البشرية، ورقيها إلا ووضع له الضوابط الدقيقة والمعايير الواضحة. ولقد اقترنت النظافة والطهارة في الإسلام بالإيمان، واعتبر التلوث نجاسة كريهة يجب على المسلمين التطهر منها، لأن «الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ»، وفي القرآن الكريم {لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: ٧٩]، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: ٢٢٢]، والماء الذي جعله الله أصل الحياة ووسيلة التطهر يصفه القرآن الكريم بقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا} [الفرقان: ٤٨]، وقد ورد لفظ "طهر" ومشتقاته في  القران الكريم أكثر من ثلاثين مرة لإيجاب طهارة النفس المؤمنة والبيئة الإنسانية في الظاهر والباطن.

كما جاء في الحديث الشريف «اتَّقوا الملاعنَ الثلاثَ: البَرازُ في الموارِدِ ، و قارِعَةِ الطَّريقِ ، و الظِّلِّ». ولقد أطلق الحديث على هذه السلوكيات "ملاعن"؛ لأنها تسبب لعن الناس لمن يفعلها.

كذلك نهى الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن البول في الماء، فقال: «لا يبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدَّائمِ ثمَّ يتوضَّأُ منهُ»، وقد ثبت أن هذه الأعمال والتصرفات تسبب الأمراض الوبائية والمتوطنة وتساعد على انتشارها. والنهي عنها ينسحب على جميع الملوثات الأخرى التي تضر بصحة الإنسان والحيوان وبقية المخلوقات.

وفي مجال العناية بالبيئة وعناصرها نجد الإسلام ينهى عن تبوير الأرض وتركها بغير زراعة، ويدعو إلى الاهتمام بالزراعة وبيان الغاية منها بالنفع للإنسان والحيوان، ففي الحديث: «ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ منه طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ؛ إِلَّا كانَ له به صَدَقَةٌ».

كذلك أمر الإسلام بالرحمة والإشفاق على الحيوانات باعتبارها أحد العناصر الحية في البيئة، وقد رويت أحاديث عديدة في هذا الأمر، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها حتَّى ماتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ قالَ: فقالَ: واللَّهُ أعْلَمُ: لا أنْتِ أطْعَمْتِها ولا سَقَيْتِها حِينَ حَبَسْتِيها، ولا أنْتِ أرْسَلْتِها، فأكَلَتْ مِن خَشاشِ الأرْضِ».

نماذج رائعة من حياة الأمة

ويُحدد الخليفة عمر بن العزيز ثقل الأحمال التي تحملها الإبل على شاطئ النيل.. يفعل هذا وهو في الشام فيقول: "بلغني أن بمصر إبلًا نقالات يُحمل على البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل".

وانعكست هذه الرحمة على الحيوان في أرض الإسلام فكانت هناك أوقاف مخصصة لإطعام الحيوانات الضالة وعلاجها وشراء الحبوب الغذائية للطيور، ومازال هذا التقليد متبعًا حتى الآن في الحرم المكي، يشتري الناس القمح ويلقونه على أرض المسجد ليلتقطه الحمام الذي يعيش بأعداد كبيرة هناك آمنا على نفسه قريبا من الإنسان يعيش معه في سلام.

بل إن الإسلام ينهى عن الإفساد في البيئة حتى في أوقات المعارك والجهاد ضد الأعداء، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم آمرًا جنده: «لَا تَقْتُلُوا ٱمْرَأَةً وَلَا وَلِيدًا وَلَا شَيْخًا، وَلَا تُحَرِّقُوا نَخِيلًا وَلَا زَرْعًا»، حتى بالنسبة لتلوث الضوضاء الذي أحسَّت به البشرية حديثًا نجد أن الإسلام قد سبق إلى النهي عن الضجيج بأسلوب بليغ ينهى عن رفع الصوت ويقبحه في صورة منفرة محتقرة، وذلك في قوله تعالى على لسان لقمان وهو يوصي ابنه {وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ} [لقمان: ١٩]، وإذا كانت المؤتمرات والمعاهدات الدولية لم تفلح حتى الآن في استعادة التوازن البيئي المطلوب، وذلك إلى الحد الذي جعل بعض الدول والهيئات تنادي بضرورة إنشاء محاكم دولية لحماية البيئة وإنقاذها من التدهور الخطير الذي وصلت إليه، فإن التشريع الإسلامي قد سبق منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان إلى وضع الضمانات الكفيلة بحماية البيئة، ولو طبقت هذه التشريعات على الوجه الأكمل لما وصل الإنسان ببيئته إلى هذا الحد الذي يهدد حياته.

فقد جاء في كتب السنة عن عبد الملك بن قرير عن محمد بن سيرين: أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب – رضى الله عنه - قال: إني أجريت انا وصاحب لي فرسين إلى ثغرة ثنية (أي: ثغرة في الطريق) فأصبنا ظبيًا ونحن مُحرمان، فما ترى؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه: تعال حتى أحكم أنا وأنت، قال: فحكما عليه بعنز، فولَّى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي، حتى دعا رجلًا يحكم معه، فسمع عمر قول الرجل، فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ قال: لا، قال: فهل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ قال لا، فقال عمر: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا ثم قال: إن الله تبارك وتعالى يقول في  كتابه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ} [المائدة: ٩٥].

وهذا "عبد الرحمن ابن عوف"، وتُبيِّن هذه القصة بوضوح قاطع وجود محكمة إسلامية على أعلى مستوى للنظر في التعدي على الحياة البرية من قبل رجلين محرمين قتلا ظبيًا بمكة، وأن هذه المحكمة حكمت على المخالفين بغرامة يشترى أحدهما بثمنها عنزًا ويذبحها ويتصدق بلحمها على الفقراء والمساكين بالكعبة.

وقد قضى السلف في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش، وبقر الوحش، والأيل (ذكر الوعول)، والأروى (أنثى الوعل)، في كل واحد من ذلك ببقرة، وفي الوبر والحمامة والقمري والحجل (الدجاج الوحشي) والدبسي (نوع من الطيور)، في كل واحدة من هذه بشاة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الثعلب بجدى، وفي الأرنب بعناق (الأنثى من أولاد المعز والغنم من حين الولادة إلى تمام حول)، وفي اليربوع (حيوان على شكل الفار) بجفرة (العنز التي بلغت أربعة أشهر).

ويزخر التراث الإسلامي بمؤلفات عديدة حول البيئة وسلامتها من جوانب مختلفة. فعلى سبيل المثال، ألف الكندي رسالة في الأبخرة المصلحة للجو من الأوباء"، ورسالة في "الأدوية المشفية من الروائح المؤذية"، ووضع ابن المبرد كتابا أسماه "فنون المنون في الوباء والطاعون"، وتكلم ابن سينا بالتفصيل في كتابه "القانون" عن تلوث المياه بشكل عام وكيفية معالجة هذا التلوث لتصبح المياه صالحة للاستعمال، كما أنه وضع شروطا تتعلق بطبيعة الماء والهواء المؤثرين في المكان عند اختيار موقع ما للسكنى.

أما الرازي فقد نشد سلامة البيئة عندما استشاره عضد الدولة في اختيار موقع لمستشفى ببغداد، فاختار الناحية التي لم يفسد فيها اللحم بسرعة، وكانت المستشفيات بصورة عامة تتمنع بموقع تتوافر فيه كل شروط الصحة والجمال، فعندما أراد السلطان صلاح الدين أن ينشئ مستشفى في القاهرة أختار له أحد قصوره الفخمة البعيدة عن الضوضاء وحوله إلى مستشفي ضخم كبير هو المستشفي الناصري.

وقد ألَّف الرازي رسالة في "تأثير فضل الربيع وتغير الهواء تبعًا لذلك"، بينما تحدث أبو مروان الأندلسي في كتابه "التيسير في المداواة والتدبير" عن فساد الهواء الذي يهب من المستنقعات والبرك ذات الماء الراكد.

وجاء في كتاب "بستان الأطباء وروضة الألباء" لابن المطران الدمشقي ما يؤكد ضرورة مراعاة تأثير البيئة عند تشخيص المرض، فقال: "ينبغي للطبيب إذا قدم على مداواة قوم في بلد، أن ينظر في وضع المدينة، ومزاج الهواء المحيط بها، والمياه الجارية فيها: والتدبير الخاص الذي يستعمله قوم دون قوم، فإن هذه هي الأصول، ثم بعدها النظر في سائر الشرائط".

وهذه رؤية متقدمة في "علم الطب البيئي".

وكتب ابن قيم الجوزية في كتابه "الطب النبوي" فصلًا عن الأوبئة التي تنتشر بسبب التلوث الهوائي، والاحتراز منها، وقد لخص ذلك الفصل بقوله والمقصود: أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام والعلة الفاعلة للطاعون، وأن فساد جوهر الهواء هو الموجب لحدوث الوباء، وفساده يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة؛ لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه، كالعفونة والنتن والسمية، في أي وقت كان من أوقات السنة، وإن كان أكثر حدوثه في  أواخر فصل الصيف، وفي الخريف غالبًا، لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة وغيرها في فصل الصيف، وعدم تحللها في أخره، وفي الخريف لبرد الجو وردعة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلل في فصل الصيف، فتنحصر فتسخن وتتعفن: فتحدث الأمراض العفنة، ولاسيما إذا صادفت البدن مستعدًا قابلًا، رهلًا، قليل الحركة، كثير المواد، فهذا لا يكاد يفلت من العطب".

ويتضح من هذه الأمثلة التي ذكرناها أن علماء الحضارة الإسلامية تناولوا المشكلات البيئية في أجزاء أو فصول من مؤلفاتهم.. ولم يقف الأمر عن هذا الحد، حيث نجد من بين علماء المسلمين من رأي ضرورة معالجة الموضوع في كتاب مستقل ليؤكد أهميته في حياة الناس على مر العصور.

فقد صنف محمد بن أحمد التميمي في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كتابًا كاملًا عن التلوث البيئي وأسبابه وآثاره وطرق مكافحته والوقاية منه، وفصل الحديث فيه عن ثلاثية الهواء والماء والتربة، وتبادل التلوث بين عناصرها، وجعل عنوانه: "مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء" وأوضح في مقدمته الغرض من تأليفه بقوله: "وكان الباعث لي على تأليف هذا الكتاب والعناية بهذا الأمر، أنى نظرت حال علماء الأطباء، الساكنين بالأمصار الفاسدة الأهوية والبلدان المشهورة بالأوبئة، الكثيرة الأمراض، التي يحدث بها عند انقلابات فصول السنة الأمراض القاتلة والطواعين المهلكة لأجل فساد أهويتها بمجاورة الأنهار الكثيرة المدود، والمدائن التي تحدق بها الغدران، ومنافع المياه الآجنة، والمشارب الكدرة، التي تتصاعد أبخرتها إلى الجو فتفسده وتغلظه، مع ما يعضد ذلك ويقويه من أبخرة الزبول ومجاري مياه الحمامات بها، وأبخرة الجيف من الحيوانات الميتة الملقاة في أفنيتها وظواهرها وعلى ممر سالك طرقاتها، كأرض مصر ودمشق، والمدن التي تلي سواحل البحار ويعظم بها مدود الأنهار، مثل بغداد، والبصرة، والأهواز، وفارس، وسواحل بحر الهند، كعمان، وسيراف، وعدن، وما جرى مجرى هذه الأمصار العظام التي تجاور البحار، وتخترقها الأنهار، وتحدق بها مناقع المياه الراكدة والجارية، وبخاصة ما كان منها منكشفا لمهب ريح الجنوب مكتفلًا بالجبال وبأقوار الرمال عن مهب ريح الشمال، فكان الأولى بالذين يتولون منهم علاج ملوك، وخاصة رؤسائها، وعامة أهلها، وأن تكون عنايتهم بمداواة - الهواء الفاسد، المحدث لوقوع الأوبئة بها، الجالب الطواعين على سكانها، أولى وأوجب من عنايتهم بمداواة ما يتحصل بذلك من الأمراض المخوفة في أجساد أهلها. وأن يصرفوا همهم إلى ذلك ويفرغوا له نفوسهم".

وهكذا، كلما أجلنا النظر في نصوص الشريعة الإسلامية وصفحات التراث الإسلامي وجدنا منهجًا إسلاميًّا حكيًما ينهى عن التلوث والفساد بكل صورة وأشكاله، ويعول قبل كل شيء، على رقابة الضمير الذي يحترم القانون الإلهي لخير الناس أجمعين. وليس التلوث الذي تعاني منه البشرية اليوم في مختلف النظم البيئية سوى مظهر من مظاهر الفساد في الأرض الذي جلبه الإنسان لنفسه ولو طبقت تشريعات الإسلام على الوجه الأكمل لما وصل الإنسان بيئته إلى هذه الدرجة الخطيرة من التدهور، وصدق الله العظيم حيث يقول: {ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} [الروم: ٤١].

فالبيئة - من المنظور الإسلامي - مرتبطة بتحمل الإنسان - دون غيره من المخلوقات - لأمانة الخلافة في الأرض وترقية الحياة عليها حتى يستكمل حكمة الله من خلقه وخلقها، بعد أن سخر له كل ما في الكون من نعم ظاهرة وباطنة لينتفع بها ويمجد بانتفاعها رب العالمين.

ولا يكون الإنسان جديرًا بحمل أمانة الخلافة إذا أساء استعمال هذه النعم التي تتكون منها عناصر البيئة، أو تصرف فيها على نحو غير مشروع جريًا وراء منفعة خاصة، أو استسلامًا لأنانية مقيتة.

فالخلافة تعني أول ما تعني تعمير الأرض بإشاعة الخير والسلام فيها، وبالعمل على إظهار عظمة الخالق وقدرته عن طريق الانتفاع الإيجابي بكل المخلوقات التي سخرها الله لخدمة الإنسان.

ويتجلى ذلك في قوله تعالى: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ} [هود: ٦١] ومعنى " وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا " - كما جاء في كتب التفسير – أي: جعلكم عُمَّارًا تعمرونها وتسكنون بها، وهذا لا يتأتى إلا بأمرين:

أولهما: أن تبقي الصالح على صلاحه ولا تفسده.

والثاني: أن تصلح ما يفسد وتزيد إصلاحه. ولا شك أن في الأمرين خير ضمان لحماية البيئة وسلامتها، وتحقيق التنمية واستدامتها.

الخلاصة

علم البيئة يدور حول دراسة العلاقة المتبادلة بين الكائن وبيئته المحيطة به علاقة توازن وألفة وانسجام لصالح الحياة والأحياء،والبيئة الإسلامية السليمة هي القادرة على بناء صرح الحضارة المتوازنة وفق تشريعات حكيمة تنظم الحياة في كل جوانبها ومرافقها.وإن الفكر الإسلامي الرشيد يؤدي دورًا هامًّا في مواجهة التحديات المعاصرة. رسم المنهج الإسلامي حدود التشريعات على مبدأين أساسيين، هما: (درء المفاسد، وجلب المصالح)، فأهم ما يميز المنهج الإسلامي في الحفاظ على البيئة هو الأمر بالتوسط والاعتدال في كل تصرفات الإنسان. البيئة - من منظور إسلامي - مرتبطة بتحمل الإنسان لأمانة الخلافة في الأرض.

موضوعات ذات صلة

لقد أسهمت الحضارة الإسلامية إسهامًا عظيمًا في تطوير العلوم الطبية والصيدلية.

تطورت العلوم الزراعية بشكل كبير في الحضارة الإسلامية، وبرزت مؤلفات مثل "الفلاحة النبطية" .

يُعد علم التربة من ركائز البناء الحضاري لصلته المباشرة بالزراعة والعمران.

موضوعات مختارة