ويُحدد الخليفة عمر بن العزيز ثقل الأحمال التي تحملها الإبل على شاطئ النيل.. يفعل هذا وهو في الشام فيقول: "بلغني أن بمصر إبلًا نقالات يُحمل على البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل".
وانعكست هذه الرحمة على الحيوان في أرض الإسلام فكانت هناك أوقاف مخصصة لإطعام الحيوانات الضالة وعلاجها وشراء الحبوب الغذائية للطيور، ومازال هذا التقليد متبعًا حتى الآن في الحرم المكي، يشتري الناس القمح ويلقونه على أرض المسجد ليلتقطه الحمام الذي يعيش بأعداد كبيرة هناك آمنا على نفسه قريبا من الإنسان يعيش معه في سلام.
بل إن الإسلام ينهى عن الإفساد في البيئة حتى في أوقات المعارك والجهاد ضد الأعداء، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم آمرًا جنده: «لَا تَقْتُلُوا ٱمْرَأَةً وَلَا وَلِيدًا وَلَا شَيْخًا، وَلَا تُحَرِّقُوا نَخِيلًا وَلَا زَرْعًا»، حتى بالنسبة لتلوث الضوضاء الذي أحسَّت به البشرية حديثًا نجد أن الإسلام قد سبق إلى النهي عن الضجيج بأسلوب بليغ ينهى عن رفع الصوت ويقبحه في صورة منفرة محتقرة، وذلك في قوله تعالى على لسان لقمان وهو يوصي ابنه {وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ} [لقمان: ١٩]، وإذا كانت المؤتمرات والمعاهدات الدولية لم تفلح حتى الآن في استعادة التوازن البيئي المطلوب، وذلك إلى الحد الذي جعل بعض الدول والهيئات تنادي بضرورة إنشاء محاكم دولية لحماية البيئة وإنقاذها من التدهور الخطير الذي وصلت إليه، فإن التشريع الإسلامي قد سبق منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان إلى وضع الضمانات الكفيلة بحماية البيئة، ولو طبقت هذه التشريعات على الوجه الأكمل لما وصل الإنسان ببيئته إلى هذا الحد الذي يهدد حياته.
فقد جاء في كتب السنة عن عبد الملك بن قرير عن محمد بن سيرين: أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب – رضى الله عنه - قال: إني أجريت انا وصاحب لي فرسين إلى ثغرة ثنية (أي: ثغرة في الطريق) فأصبنا ظبيًا ونحن مُحرمان، فما ترى؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه: تعال حتى أحكم أنا وأنت، قال: فحكما عليه بعنز، فولَّى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي، حتى دعا رجلًا يحكم معه، فسمع عمر قول الرجل، فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ قال: لا، قال: فهل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ قال لا، فقال عمر: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا ثم قال: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ} [المائدة: ٩٥].
وهذا "عبد الرحمن ابن عوف"، وتُبيِّن هذه القصة بوضوح قاطع وجود محكمة إسلامية على أعلى مستوى للنظر في التعدي على الحياة البرية من قبل رجلين محرمين قتلا ظبيًا بمكة، وأن هذه المحكمة حكمت على المخالفين بغرامة يشترى أحدهما بثمنها عنزًا ويذبحها ويتصدق بلحمها على الفقراء والمساكين بالكعبة.
وقد قضى السلف في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش، وبقر الوحش، والأيل (ذكر الوعول)، والأروى (أنثى الوعل)، في كل واحد من ذلك ببقرة، وفي الوبر والحمامة والقمري والحجل (الدجاج الوحشي) والدبسي (نوع من الطيور)، في كل واحدة من هذه بشاة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الثعلب بجدى، وفي الأرنب بعناق (الأنثى من أولاد المعز والغنم من حين الولادة إلى تمام حول)، وفي اليربوع (حيوان على شكل الفار) بجفرة (العنز التي بلغت أربعة أشهر).
ويزخر التراث الإسلامي بمؤلفات عديدة حول البيئة وسلامتها من جوانب مختلفة. فعلى سبيل المثال، ألف الكندي رسالة في الأبخرة المصلحة للجو من الأوباء"، ورسالة في "الأدوية المشفية من الروائح المؤذية"، ووضع ابن المبرد كتابا أسماه "فنون المنون في الوباء والطاعون"، وتكلم ابن سينا بالتفصيل في كتابه "القانون" عن تلوث المياه بشكل عام وكيفية معالجة هذا التلوث لتصبح المياه صالحة للاستعمال، كما أنه وضع شروطا تتعلق بطبيعة الماء والهواء المؤثرين في المكان عند اختيار موقع ما للسكنى.
أما الرازي فقد نشد سلامة البيئة عندما استشاره عضد الدولة في اختيار موقع لمستشفى ببغداد، فاختار الناحية التي لم يفسد فيها اللحم بسرعة، وكانت المستشفيات بصورة عامة تتمنع بموقع تتوافر فيه كل شروط الصحة والجمال، فعندما أراد السلطان صلاح الدين أن ينشئ مستشفى في القاهرة أختار له أحد قصوره الفخمة البعيدة عن الضوضاء وحوله إلى مستشفي ضخم كبير هو المستشفي الناصري.
وقد ألَّف الرازي رسالة في "تأثير فضل الربيع وتغير الهواء تبعًا لذلك"، بينما تحدث أبو مروان الأندلسي في كتابه "التيسير في المداواة والتدبير" عن فساد الهواء الذي يهب من المستنقعات والبرك ذات الماء الراكد.
وجاء في كتاب "بستان الأطباء وروضة الألباء" لابن المطران الدمشقي ما يؤكد ضرورة مراعاة تأثير البيئة عند تشخيص المرض، فقال: "ينبغي للطبيب إذا قدم على مداواة قوم في بلد، أن ينظر في وضع المدينة، ومزاج الهواء المحيط بها، والمياه الجارية فيها: والتدبير الخاص الذي يستعمله قوم دون قوم، فإن هذه هي الأصول، ثم بعدها النظر في سائر الشرائط".
وهذه رؤية متقدمة في "علم الطب البيئي".
وكتب ابن قيم الجوزية في كتابه "الطب النبوي" فصلًا عن الأوبئة التي تنتشر بسبب التلوث الهوائي، والاحتراز منها، وقد لخص ذلك الفصل بقوله والمقصود: أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام والعلة الفاعلة للطاعون، وأن فساد جوهر الهواء هو الموجب لحدوث الوباء، وفساده يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة؛ لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه، كالعفونة والنتن والسمية، في أي وقت كان من أوقات السنة، وإن كان أكثر حدوثه في أواخر فصل الصيف، وفي الخريف غالبًا، لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة وغيرها في فصل الصيف، وعدم تحللها في أخره، وفي الخريف لبرد الجو وردعة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلل في فصل الصيف، فتنحصر فتسخن وتتعفن: فتحدث الأمراض العفنة، ولاسيما إذا صادفت البدن مستعدًا قابلًا، رهلًا، قليل الحركة، كثير المواد، فهذا لا يكاد يفلت من العطب".
ويتضح من هذه الأمثلة التي ذكرناها أن علماء الحضارة الإسلامية تناولوا المشكلات البيئية في أجزاء أو فصول من مؤلفاتهم.. ولم يقف الأمر عن هذا الحد، حيث نجد من بين علماء المسلمين من رأي ضرورة معالجة الموضوع في كتاب مستقل ليؤكد أهميته في حياة الناس على مر العصور.
فقد صنف محمد بن أحمد التميمي في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كتابًا كاملًا عن التلوث البيئي وأسبابه وآثاره وطرق مكافحته والوقاية منه، وفصل الحديث فيه عن ثلاثية الهواء والماء والتربة، وتبادل التلوث بين عناصرها، وجعل عنوانه: "مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء" وأوضح في مقدمته الغرض من تأليفه بقوله: "وكان الباعث لي على تأليف هذا الكتاب والعناية بهذا الأمر، أنى نظرت حال علماء الأطباء، الساكنين بالأمصار الفاسدة الأهوية والبلدان المشهورة بالأوبئة، الكثيرة الأمراض، التي يحدث بها عند انقلابات فصول السنة الأمراض القاتلة والطواعين المهلكة لأجل فساد أهويتها بمجاورة الأنهار الكثيرة المدود، والمدائن التي تحدق بها الغدران، ومنافع المياه الآجنة، والمشارب الكدرة، التي تتصاعد أبخرتها إلى الجو فتفسده وتغلظه، مع ما يعضد ذلك ويقويه من أبخرة الزبول ومجاري مياه الحمامات بها، وأبخرة الجيف من الحيوانات الميتة الملقاة في أفنيتها وظواهرها وعلى ممر سالك طرقاتها، كأرض مصر ودمشق، والمدن التي تلي سواحل البحار ويعظم بها مدود الأنهار، مثل بغداد، والبصرة، والأهواز، وفارس، وسواحل بحر الهند، كعمان، وسيراف، وعدن، وما جرى مجرى هذه الأمصار العظام التي تجاور البحار، وتخترقها الأنهار، وتحدق بها مناقع المياه الراكدة والجارية، وبخاصة ما كان منها منكشفا لمهب ريح الجنوب مكتفلًا بالجبال وبأقوار الرمال عن مهب ريح الشمال، فكان الأولى بالذين يتولون منهم علاج ملوك، وخاصة رؤسائها، وعامة أهلها، وأن تكون عنايتهم بمداواة - الهواء الفاسد، المحدث لوقوع الأوبئة بها، الجالب الطواعين على سكانها، أولى وأوجب من عنايتهم بمداواة ما يتحصل بذلك من الأمراض المخوفة في أجساد أهلها. وأن يصرفوا همهم إلى ذلك ويفرغوا له نفوسهم".
وهكذا، كلما أجلنا النظر في نصوص الشريعة الإسلامية وصفحات التراث الإسلامي وجدنا منهجًا إسلاميًّا حكيًما ينهى عن التلوث والفساد بكل صورة وأشكاله، ويعول قبل كل شيء، على رقابة الضمير الذي يحترم القانون الإلهي لخير الناس أجمعين. وليس التلوث الذي تعاني منه البشرية اليوم في مختلف النظم البيئية سوى مظهر من مظاهر الفساد في الأرض الذي جلبه الإنسان لنفسه ولو طبقت تشريعات الإسلام على الوجه الأكمل لما وصل الإنسان بيئته إلى هذه الدرجة الخطيرة من التدهور، وصدق الله العظيم حيث يقول: {ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} [الروم: ٤١].
فالبيئة - من المنظور الإسلامي - مرتبطة بتحمل الإنسان - دون غيره من المخلوقات - لأمانة الخلافة في الأرض وترقية الحياة عليها حتى يستكمل حكمة الله من خلقه وخلقها، بعد أن سخر له كل ما في الكون من نعم ظاهرة وباطنة لينتفع بها ويمجد بانتفاعها رب العالمين.
ولا يكون الإنسان جديرًا بحمل أمانة الخلافة إذا أساء استعمال هذه النعم التي تتكون منها عناصر البيئة، أو تصرف فيها على نحو غير مشروع جريًا وراء منفعة خاصة، أو استسلامًا لأنانية مقيتة.
فالخلافة تعني أول ما تعني تعمير الأرض بإشاعة الخير والسلام فيها، وبالعمل على إظهار عظمة الخالق وقدرته عن طريق الانتفاع الإيجابي بكل المخلوقات التي سخرها الله لخدمة الإنسان.
ويتجلى ذلك في قوله تعالى: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ} [هود: ٦١] ومعنى " وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا " - كما جاء في كتب التفسير – أي: جعلكم عُمَّارًا تعمرونها وتسكنون بها، وهذا لا يتأتى إلا بأمرين:
أولهما: أن تبقي الصالح على صلاحه ولا تفسده.
والثاني: أن تصلح ما يفسد وتزيد إصلاحه. ولا شك أن في الأمرين خير ضمان لحماية البيئة وسلامتها، وتحقيق التنمية واستدامتها.