يركّز الاقتصاد الإسلامي على دمج الروح والقيم الأخلاقية في النشاط الاقتصادي، سعيًا لمرضاة الله لا مجرد المكسب المادي. ويمتاز برقابة ذاتية ومقاصد سامية تُسهم في بناء حضارة راقية وإنسان مسؤول يجمع بين الإيمان والعمل.
يركّز الاقتصاد الإسلامي على دمج الروح والقيم الأخلاقية في النشاط الاقتصادي، سعيًا لمرضاة الله لا مجرد المكسب المادي. ويمتاز برقابة ذاتية ومقاصد سامية تُسهم في بناء حضارة راقية وإنسان مسؤول يجمع بين الإيمان والعمل.
في كافة النظم الاقتصادية الوضعية، فردية كانت أو جماعية، يقتصر النشاط الاقتصادي على تحقيق المصالح المادية سواء كانت هذه المصالح المادية هي تحقيق أكبر قدر من الربح كما هو الشأن في الاقتصاد الرأسمالي، أو إشباع الحاجات العامة وتحقيق الرخاء المادي كما هو الشأن في الاقتصاد الاشتراكي، فالنشاط الاقتصادي ذو صبغة مادية بحتة، وإن اختلفت صورته باختلاف النظام المطبق رأسماليًا كان هذا النظام أو اشتراكيًا.
أما في الاقتصاد الإسلامي، فإن النشاط الاقتصادي وإن كان ماديًّا بطبيعته إلا أنه مطبوع بطابع ديني
أو روحي، هذا الطابع قوامه الإحساس بالله تعالى وخشيته وابتغاء مرضاته، وأساس ذلك أنه بحسب الإسلام لا يتعامل الناس بعضهم مع بعض فحسب، وإنما يتعاملون أساسًا مع الله تعالى، فإذا كانت الاقتصاديات الوضعية تقوم على أساس المادة وهي وحدها التي تصوغ علاقات الأفراد بعضهم ببعض، فإن الأساس في الاقتصاد الإسلامي هو الله سبحانه وتعالى وإن خشيته وابتغاء مرضاته، والتزام تعاليمه هي التي تصوغ علاقات الأفراد بعضهم ببعض.
ويترتب على هذه الخاصية الثالثة للسياسة الاقتصادية الإسلامية، والتي تقوم على أساس الإحساس بالله تعالى ومراقبته في كل نشاط اقتصادي.
ينفرد الاقتصاد الإسلامي بعدة آثار نجملها فيما يلي:
أولًا: الطابع الإيماني والروحي للنشاط الاقتصادي: في ظل النظم الاقتصادية الوضعية، رأسمالية كانت أو اشتراكية، لا يتجاوز النشاط الاقتصادي حدود المادة، وخطأ هذه النظم أنها تصورت الإنسان مادة فحسب، وأن حقيقة العالم تنحصر في ماديته، وأن الكسب المادي أو الكفاية المادية هي كل حياة البشر، ومن ثم كان هذا الفراغ الروحي أو ذاك الإفلاس النفسي الذي تعانيه المجتمعات التي تدين بهذه النظم.
وفي ظل الاقتصاد الإسلامي، فإنه إلى جانب إيمانه بالعامل المادي، وأن النشاط الاقتصادي لا يمكن إلا أن يكون ماديًا، غير أنه لا يغفل الجانب الروحي في الكيان البشري، وكل ما يفعله الإسلام بهذا الخصوص، هو أن يتجه المرء بنشاطه الاقتصادي إلى الله تعالى ابتغاء مرضاته وخشيته.
إذ يقول الله تعالى: {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ} [الحشر: ١٩]، ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللَّهَ لا يقبلُ منَ العملِ إلَّا ما كانَ لَهُ خالصًا، وابتغيَ بِهِ وجهُهُ»، إذ الأمر كما يقول الحديث النبوي: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» وهو ما عبر عنه الأصوليون بقولهم: "الأمور بمقاصدها".
ومؤدى ذلك أن ثمة عامل مميز في الاقتصاد الإسلامي، هو الاتجاه بالنشاط الاقتصادي إلى الله سبحانه وتعالى، مما يضفي على ذلك النشاط الطابع الإيماني والروحي، وشعور الرضا والاطمئنان.
وهنا تبرز نقطة هامة كثيرًا ما تدق على الكثيرين ومنهم المتخصصين، وهي أن الإسلام لا يعرف الفصل بين ما هو مادي وما هو روحي، ولا يفرق بين ما هو دنيوي وما هو أخروي، فكل نشاط مادي أو دنيوي مباشره الإنسان هو في نظرة الإسلام "عبادة" طالما كان مشروعًا وكان يتجه به إلى الله تعالى.
ويروى أن بعض الصحابة رأي شابًّا قويًّا يسرع إلى عمله، فقال بعضهم: «لو كان هذا في سبيل الله» فرد النبي - صلى الله عليه وسلم-:«إنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ».
ثانيا: ازدواج الرقابة وشمولها: في ظل النظم الاقتصادية الوضعية، الرقابة في مباشرة النشاط الاقتصادي هي أساسًا رقابة خارجية مناطها القانون.
وفي ظل الاقتصاد الإسلامي. فإنه إلى جانب رقابة القانون أو الشريعة، يحرص في نفس الوقت على إقامة رقابة أخرى ذاتية أساسها عقيدة الإيمان بالله وحساب اليوم الآخر.
ولا شك أن في ذلك ضمانًا قويًا لسلامة السلوك الاجتماعي وشرعية النشاط الاقتصادي، لشعور المؤمن بأنه إذا استطاع أن يفلت من رقابة ومساءلة القانون أو الشريعة، فإنه لن يستطيع أن يفلت من رقابة ومساءلة الله تعالى، ومن هنا كأن أساس المسئولية في الإسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ». وكان تأكيد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهو مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهو مُؤْمِنٌ». ومؤدى ذلك أن ثمة عاملًا مميزًا في الاقتصاد الإسلامي، هو اعتداده بالوازع الديني في توجيه النشاط الاقتصادي باستشعار المسلم رقابة الله تعالى في كل تصرف من تصرفاته ومسئوليته عنه، بحيث يلتزم المسلم تعاليم الإسلام الاقتصادية تلقائيًا بباعث العقيدة والإيمان أي عن رغبة واختيار بغير حاجة إلى سلطان الدولة لإنقاذه.
وهذا بعكس ما هو سائد في النظم الاقتصادية الوضعية حيث لا تهتم بل ينكر بعضها الوازع الديني في توجيه النشاط الاقتصادي. ويبدو أثر ذلك في محاولة الكثيرين في ظل هذه النظم التهرب من التزاماتهم او الانحراف بنشاطهم الاقتصادي كلما غفلت عين الدولة أو عجزت أجهزتها عن رقابتهم ومساءلتهم.
ثالثا: تسامي هدف النشاط الاقتصادي
في كافة النظم الاقتصادية الوضعية المصالح المادية - سواء كانت في صورة تحقيق أكبر قدر من الربح (كالنظم الفردية) أو تحقيق الكفاية والرخاء المادي (كالنظم الجماعية) - هي مقصودة لذاتها، وقد أدى ذلك إلى هذا الصراع المادي المسعور الذي تعاني منه المجتمعات الرأسمالية، وإلى اتجاه التحكم والسيطرة الذي هو طابع المجتمعات الاشتراكية المادية، وأنه رغم ما حققه الاقتصاد المادي السائد في العالم- رأسماليًا كان أو اشتراكيًا - من مكاسب ورخاء مادي، إلا أن هذه المكاسب وذلك الرخاء أصبح هو في ذاته مهددًا بالضياع بحكم هذا الصراع العنيف الدائر بين ذات هذه النظم الاقتصادية، طالما أن المادة فيها مقصودة لذاتها، وفي الاقتصاد الإسلامي، المصالح المادية وإن كانت مستهدفة ومقصودة إلا أنها ليست مقصودة لذاتها، وإنما كوسيلة لتحقيق الفلاح والسعادة الإنسانية، ذلك أنه بحسب التصور الإسلامي: الدنيا هي مزرعة الآخرة، والإنسان هو خليفة الله في أرضه، وأنه مطالب دائمًا بأن يرتفع إلى مستوى الخلافة بتعمير الدنيا وإحيائها وتسخير طاقاتها لخدمة الإنسانية.
وصدق الله العظيم: {وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [الجمعة: ١٠]، وقوله: {وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ} [القصص: ٧٧] ، وقوله {إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ} [البقرة: ٣٠] وقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: «نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ الْمَالُ» وقوله: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ»، وقوله: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ».
ومؤدى ذلك أن ثمة عاملًا مميزًا في الاقتصاد الإسلامي، هو أن المادة وإن كانت مطلوبة، إلا أنها ليست مقصودة لذاتها. كما أن الهدف من النشاط الاقتصادي هو تعمير الدنيا وإحياؤها وأن ينعم الجميع بخيراتها، وليس هو التحكم أو السيطرة الاقتصادية أو الاستئثار بخيرات الدنيا كما هو الشأن في كافة النظم الاقتصادية الوضعية.
مراجع للاستزادة
١- الخراج لأبى بوسف.
٢- الأموال لأبى عبيد.
٣- فتوح البلدان للبلاذري.
٤- المحلى لابن حزم.
يتميز الاقتصاد الإسلامي بطابع فريد يختلف جوهريًا عن النظم الاقتصادية الوضعية المنتشرة اليوم. فبينما تركز هذه النظم على الجانب المادي البحت، يسعى الاقتصاد الإسلامي لدمج الأبعاد الروحية والأخلاقية في صميم النشاط الاقتصادي، جاعلًا من ابتغاء مرضاة الله هدفًا أسمى، وهناك عدة آثار فريدة للاقتصاد الإسلامي وهي "الطابع الإيماني والروحي للنشاط الاقتصادي - ازدواج الرقابة وشمولها - تسامى هدف النشاط الاقتصادي" إذاً، الاقتصاد الإسلامي يختلف عن النظم الاقتصادية الأخرى بتركيزه على الروحية والرقابة الذاتية وتحقيق الأهداف العليا التي تتجاوز المكاسب المادية، وكل هذه الأمور تتضمن صناعة حضارة راقية وبناء إنسان مسؤول.
تُعد العمارة الإسلامية تجسيدًا حيًّا لروح الإسلام وقيمه الجمالية والإنسانية، فقد جمعت بين الإبداع الفني والوظيفة العملية.
الشخصية الحضارية تُبنى على الأعمال الصالحة والسلوكيات الإيجابية، وتتسم بالعدل والمساواة واحترام التنوع الثقافي.
مثّلت الأسواق في الحضارة الإسلامية عنصرًا محوريًّا في تخطيط المدن، ورافدًا مهمًّا للحياة الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية.