يمثل علم التشريح أحد أركان الطب الأساسية التي اهتم بها علماء الحضارة الإسلامية، إذ جعلوا دراسته ضرورة لفهم وظائف الأعضاء وسلامة التشخيص. وقد اعتمدوا في بحوثهم على المنهج التجريبي والملاحظة الدقيقة، لا على مجرد النقل عن القدماء.
يمثل علم التشريح أحد أركان الطب الأساسية التي اهتم بها علماء الحضارة الإسلامية، إذ جعلوا دراسته ضرورة لفهم وظائف الأعضاء وسلامة التشخيص. وقد اعتمدوا في بحوثهم على المنهج التجريبي والملاحظة الدقيقة، لا على مجرد النقل عن القدماء.
حَظِيَ علم التشريح، والتشريح المقارن، باهتمام خاصٍّ لدى علماء الحضارة الإسلامية، حيث جعلوا دراسته أساسًا لكل فروع الطب، واعتبروا ممارسته ضرورية لفهم وظائف الأعضاء، وعَدُّوا إتقانه ضمانًا لسلامة التشخيص والعلاج.
ولم تكن مؤلفات اليونان في التشريح هي المصدر الوحيد لمعلومات علماء المسلمين كما يدعي بعض المؤرخين غير المُنصِفين، ولكن الإبداع الحقيقي في هذا العلم بدأ في عصر النهضة الإسلامية، حيث كانت النتائج تُستخلص بناءً على المشاهدات والتجارب، وليس على ما قاله الأقدمون من آراء نظرية وفلسفية، وكان الحكم في أي قضية علمية يستند إلى العقل والمنطق والخبرة والتجربة، بصرف النظر هل وافق هذا الحكم رأي السابقين أو خالفهم.
ويعتبر أبو بكر الرازي من أوائل الأطباء المسلمين الذين ألَّفوا في علم التشريح عن دراسة واقتدار، فقد ذكر أن رجلًا سقط عن دابته، فذهب حِس الخنصر والبنصر ونصف الوسطى من يديه، ولما علم أنه سقط على آخر فقار في الرقبة، قام بمداواة ما بين كتفيه؛ لأنه - كما يقول - كان يعلم من التشريح أن العصب الذي يخرج من أول خرزة بين الكتفين يصير إلى الأصبعين الخنصر والبنصر، ويتفرق في الجلد المحيط بهما وفي النصف من جلد الوسطى.
وعندما علم عبد اللطيف البغدادي، أحد أصفياء صلاح الدين الأيوبي بوجود تل كبير من الهياكل العظمية البشرية في مكان ما بالقاهرة، سافر إلى هناك وفحص الآلاف من هذه الهياكل فحصًا دقيقًا، وشاهد - كما يقول - من شكل العظام ومفاصلها وكيفية اتصالها، وتناسبها، وأوضاعها، ما أفاده علمًا لم يكن ليجده بين دفات الكتب، وكان من بين ما توصل إليه أن الفك الأسفل عبارة عن عظمة واحدة بدون مفصل، وليس مؤلَفًا من عظمتين يجمع بينهما مفصل أو تدريز كما قال "جالينوس".
وقد أوصى ابن النفيس بأهمية دراسة التشريح المقارن لما رأى من تباين في تركيب أجسام الحيوانات المختلفة، وتوصل من ذلك - قبل "هارفي" الإنجليزي بعدة قرون - إلى كشف الدورة الدموية الصغرى بعد أن عرف تشريح الشرايين والأوردة في الرئة، وضمن هذا الاكتشاف الرائد كتابه الشهير المعروف باسم "شرح تشريح القانون"، كذلك توصل ابن النفيس من تشريح عيون الحيوانات إلى أن منفعة العين كآلة للإبصار لا تتم إلا بعصب يأتي من المخ ويميز المرئيات، وهو العصب النوري، أو العصب البصري الذي يعرفه العلم الحديث، ويقوم بنقل صور المرئيات التي تنطبع على الغشاء العصبي لشبكية العين إلى مركز الإبصار بالمخ، حيث يتم تفسيرها وتحليلها والرد عليها بأجوبة وأفعال فورية، فليست العين في حقيقة الأمر سوى جهاز يرى به المخ كل شيء.
وكتب ابن سينا، وابن الهيثم، وعلي بن عيسى الكحال، وغيرهم في علم التشريح الوصفي عن تشريح العين، وطبقاتها، وأعصابها، ومصدر غذائها، وعلامات أمراضها، وعيوب إبصارها، وعرفوا أن حركة المُقلة تحدث نتيجة لانقباض عضلات العين، وأن حركة الحدقة تتم بانقباض القزحية وانبساطها.
وتجدر الإشارة هنا إلى خطأ زعمه المستشرقون وهو عدم مزاولة التشريح في العصر الإسلامي، إذ كثيرًا ما نجد في مؤلفات المسلمين عبارات من قبيل: "إن التشريح يكذب ما ذُكر"، أو "إن التشريح يُبرهن كذا وكذا"، كما أن ما أثبتوه من أوصاف تشريحية لأجزاء الجسم المختلفة لا يصدر إلا من خبراء رأوا ولاحظوا وقارنوا وجربوا.
وبينما كان علم التشريح يشهد أزهى مراحل تطوره في عصر النهضة الإسلامية ويدفع في ركابه كل فروع الطب الأخرى لتحرز الكثير من الاكتشافات العلمية الأصيلة، كانت أوربا في العصور الوسطى تعتبر مهنة الطب بصفة عامة، وممارسة التشريح والجراحة بصفة خاصة، من الأعمال المُشينة التي تنال من جلال الروح والجسم، وتزيد الآلام أكثر مما تعمل على تخفيف وطأتها، ولم يؤخذ بالتشريح كعلم أساسي في كليات الطب في أوربا، إلا في القرن السادس عشر الميلادي، بعد أن تعلَّم الغربيون أصوله، واقتبسوا فنونه من المؤلفات العربية لعلماء الحضارة الإسلامية.
أسهم علماء المسلمين بإنجازات رائدة في علم التشريح من خلال التجريب والمشاهدة المباشرة، مما مهد لاكتشافات مهمة كالدورة الدموية الصغرى. وقد أثّرت هذه الجهود تأثيرًا بالغًا في النهضة الطبية الأوروبية، حيث كانت مؤلفاتهم مصدرًا أساسًا في تعليم الطب والتشريح.
تُعدّ الجراحة من أبرز فروع الطب التي أسهم فيها علماء المسلمين إسهامًا عظيمًا، وقد برعوا فيها علمًا وممارسة.
لقد أثبت طب الفم والأسنان في الحضارة الإسلامية أنه علم متكامل قائم على أسس متينة من التشخيص والعلاج والوقاية.
أبدع علماء الكيمياء المسلمون في تقديم إسهامات صناعية هائلة سبقت عصرهم، من تقنيات التقطير واستخلاص الزيوت والعطور.