Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

طب الفم والاسنان

الكاتب

أ. د / أحمد فؤاد باشا

طب الفم والاسنان

لقد أثبت طب الفم والأسنان في الحضارة الإسلامية أنه علم متكامل قائم على أسس متينة من التشخيص والعلاج والوقاية، متجاوزًا الموروثات القديمة ومؤسسًا لنهج علمي رصين، ويشكل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها في تطوير طب الأسنان الحديث، هذا الإرث يبرز مكانة الحضارة الإسلامية في تقدم العلوم الطبية العالمية.

بداية طب الفم والأسنان ودور أبي القاسم الزهراوي

بدأ طب الفم والأسنان عند العرب في عصر الحضارة الإسلامية - كما بدأت فروع الطب الأخرى، بل وفروع العلوم التجريبية كلها عندهم - من تراث ضئيل وصل إليهم نتيجة انفتاحهم على دول كثيرة ذات حضارات موروثة، وبالرغم من أن طب الفم والأسنان كان يحظى من جانب القدماء بمزيد من الاهتمام؛ إلا أنَّه لم يصل إلى مرحلة متقدمة من التطور إلا في عصر الازدهار العلمي للحضارة الإسلامية بدءًا من القرن التاسع الميلادي.

وقد برز أبو القاسم الزهراوي في العلاج الجراحي لأمراض الفم، فهو يتحدث عن قطع اللحم الزائد في اللثة فيقول: كثيرًا ما ينبت على اللثة لحم زائد، فينبغي أن تعلقه بصنارة، أو تمسكه بمنقاش، وتقطعه عند أصله، وتترك المادة تسيل والدم، ثم تضع على الموضع زاجًا مسحوقًا أو الذروات القابضة المجففة، فإن عاد بعد ذلك اللحم، وكثيرًا ما يعود، فاقطع باقيه واكوه، فإنه لا يعد بعد الكي إن شاء الله تعالى.

وتكلم الزهراوي في موضوع اخر من كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف" عن الأورام تحت اللسان، فقال: قد يحدث تحت اللسان ورم شبيه بالضفادع الصغيرة تمنع اللسان عن فعله الطبيعي وربما عظم حتى يملأ الفم، والعمل فيه أن يفتح العليل فمه بإزاء الشمس وتنظر من الورم، فإن رأيته كمد اللون وأسود صلبًا ولم يجد له العليل حسًا فلا تعرض له فإنه سرطان، وإن كان مائلًا إلى البياض فهو رطوبة، فألق فيه الصنارة وشقه بمبضع لطيف من كل جهة، فإن غلبك الدم حين عملك، فضع عليه زاجًا مسحوقًا حتى ينقطع الدم، ثم عد إلى عملك حتى تخرجه بكامله، ثم يتمضمض بالخل والملح، ثم تعالجه بسائر العلاج الموافق لذلك حتى يبرأ إن شاء الله تعالى.

وقدم الزهراوي وصفًا تفصيليًا لعلاج أمراض أخرى تعرض في الفم، مثل تحرير اللسان المعقود وكيف يقطع الشكال الرابط له تحته حتى يعود طبيعيًا، ويصف ما يتبع ذلك من دواء.

ومثل إخراج العقد التي تعرض في الشفتين على هيئة أورام صغار يشبه بعضها حَبَّ الكرستة وبعضها أصغر ويصف ذلك بأن تقلب الشفة وتشق على كل عقدة وتعلقها بالصنارة وتقطعها من كل جهة، ثم تحشو الموضع بعد القطع بزاج مسحوق حتى ينقطع الدم، ثم يتمضمض بالخل، وتعالج الموضع بما فيه قبض إلى أن يبرأ الجرح إن شاء الله تعالى، ومثل جبر الفك الأسفل إذا انكسر، وخلع الأسنان، وغير ذلك، ويصف لكل عملية الآلات الجراحية اللازمة لها، ويصورها صورًا واضحة ومفصلة بما يقربها للدارسين أو القارتين ضاربا بذلك المثل في السبق إلى استخدام الأشكال والرسوم التوضيحية على نحو ما نجد في كتب الطب الحديثة.

وعرض الزهراوي لأول مرة في تاريخ الطب الوصف الألم المتنقل وخطره، مما يضعه على مستوى متقدم بين علماء الطب حتى العصر الحاضر، فهو يقول: إنه ينبغي أن تعالج الضرس من وجعه بكل حيلة.. وكثيرا ما يخدع العليل المرض، ويظن أنه في الضرس الصحيح فيقلعها ثم لا يذهب الوجع حتى يقلع الضرس المريض.

تفصيل عملية قلع الأسنان عند الزهراوي

ويبدو الزهراوي بارعًا دقيقًا في وصفه لعملية القلع ذاتها، وهو يستعمل لذلك الكلاليب والجفوت والروافع والمباضع، وهو يشرح في ذلك كل خطوة وكل آلة، ويقول على سبيل المثال: "فإذا صح عندك الضرس الوجع بنفسه، فحينئذ ينبغي ان يشرط حول السن بمبضع فيه قوة حتى يحل اللثة من كل جهة، ثم تحركه بإصبعك، أو بالكلاليب اللطاف أولًا قليلًا حتى تزعزعه، ثم تمكن حينئذ فيه الكلبتين الكبار تمكينًا جيدًا، ورأس العليل بين ركبتيك قد تعقبه يتحرك، ثم تجذب الضرس على استقامته لئلا تكسره، فإن لم يخرج وإلا تتخذ أحد تلك الآلات، فأدخل تحته من كل جهة برفق، وقم بتحريكه كما فعلت أولًا".

ثم يذكر أنه بعد القلع: "إن العظم به عفن فاجرده من عفنه واسوداده حتى ينقى، ثم تعالجه حتى يبرأ ".

وهو في ذلك يشير إشارة واضحة إلى كيفية معالجة العفن من القلع أو بعده وبمثل ذلك يشير ابن سينا أيضًا ويركز على أهمية التشخيص وحظر القلع إذا كان هناك عفن في الفلك، فذلك يهيج الوجع الشديد، وربما هيج وجع العنن والحمى.

ولا يفوت ِالزهراوي أن من: "أن تصنع ما يصنع جُهال الكلابين في جسارتهم وإقدامهم على قلعه (أي الضرس) من غير أن يستعملوا ما وصفنَا، وكثيرًا ما يجلبون على الناس بلايَا عظيمة، وأشرها أن ينكسر الضرس ويبقى أصولها كلها أو بعضها وأما أن تقلعه بعض عظام الفك".

علاجات أخرى في طب الفم والأسنان

كذلك عرض أطباء، الحضارة الإسلامية لعلاج الأضراس واللهاة المسترخية بالكي، استنادًا إلى قاعدة "آخر الدواء الكي".

وكان من الطبيعي أن يتحدثوا أيضًا عن التخدير والتسكين، فقد عرفوا في ميدان الجراحة ما يسمى المرقد وهو المخدر العام، وكان ذلك يقوم على استعمال ما سموه "الإسفنجة المخدرة" التي توضع على أنف المريض، فتمتص الأنسجة المخاطية موادها المخدرة، ويدخل المريض في سبات عميق.

كما عرف التخدير الموضعي، فوصف ابن سينا أحد فروعه، وهو التخدير بالبرودة، بقوله: "ومن جملة ما يخدر من غير أذى، الماء المبرد بالثلج تبريدًا بالعًا، آخذًا بعد أخذ، حتى يخدر السن فيسكن الوجع البتة، وإن كان ربما زاد في الابتداء".

تفاصيل إضافية في التراث الإسلامي لطب الأسنان

وتزخر المؤلفات الطبية التراثية بتفاصيل أخرى كثيرة تتناول ترميم الأسنان المصابة بالتسوس وحشوها، وعلاج القرحة في جلدة الفم واللسان، وعلاج كثرة البصاق واللعاب وسيلانه في النوم، وإزالة الرواسب عن الأسنان، وتعويض الأسنان المفقودة، ورد الاسنان وتقويمها إذا ما نبتت في غير مجراها الطبيعي، ولم يفت علماء المسلمين أن يتحدثوا عن طب الأسنان الوقائي، ويفردوا في مؤلفاتهم، فصولًا في حفظ صحة الفم والأسنان.

الخلاصة

شَكلَّ طب الفم والأسنان في الحضارة الإسلامية نقلة نوعية في تاريخ الطب، حيث جمع بين التجربة العلمية الدقيقة والاهتمام العملي بحالات المرضى، برز أبو القاسم الزهراوي كأحد رواد هذا المجال، مقدمًا وصفات علاجية مفصلة وأدوات جراحية متطورة، مع اعتماد واضح على التشخيص الدقيق واستخدام التقنيات الحديثة آنذاك مثل التخدير، كما تميز الطب الإسلامي بالتركيز على الوقاية والعناية المستمرة بصحة الفم، مما يعكس عمق المعرفة الطبية وروح الابتكار في تلك الحقبة.

موضوعات ذات صلة

اهتم المسلمون مبكرًا بتأثير البيئة على صحة الإنسان.

برز الطب النفسي في الحضارة الإسلامية مبكرًا، حيث أُنشئت مستشفيات متخصصة لرعاية المرضى النفسيين.

لقد أسهمت الحضارة الإسلامية إسهامًا عظيمًا في تطوير العلوم الطبية والصيدلية.

موضوعات مختارة