نذكر - على سبيل المثال - أبا الريحان البيروني الذي تناول العديد من المعادن
بالفحص والتحليل، موضحًا مناطق وجودها وكيفية استخراجها من مناجمها، وخواصها،
وفوائدها، والطرق المختلفة لمعالجتها، فقد تحدث - مثلًا - عن تعدين الذهب وتصفيته
بالنار، إما بالإذابة وحدها، أو بالتشوية، كما وصف عملية تنقية الذهب عندما يكون
ممزوجًا مع الأتربة أو الأحجار الكريمة.
وسبق البيروني إلى ارتياد تقنية التعدين عندما فرق بين عمليتي السبك
والخلط، حيث تحدث عن اختلاط الفضة بالذهب وتكوين السبائك بالمزج (الاتحاد) بين
العناصر، فهو يقول: "ومزاج الصّفر مزاج حقيقي، لأنها بعد الاتحاد لا يتميزان
بحيلة يعودان بها إلى الانفراد، وإنما يبقيان ما بقيا، ويفسدان معًا إذا فسدا".
وصنف البيروني الحديد في نوعين:
أحدهما ليّن يدعى "النرماهن"
(ويقصد به الحديد المطاوع) ويوصف بالأنوثة لليونته، ويعتبر الفولاذ مركبًا من مائه
الذي يسيل قبله عند التخليص.
أما النوع الثاني فيدعى «الشابرقان» (ويقصد به الحديد
الصلب) ويوصف بالذكورة، وتحدث البيروني عن الشبه بقوله: "الشَّبه نحاس صُفر
بإطعام التوتيا (الخارصين) المدبّر بالحلاوات وغيرها حتى أشبه بالذهب وسمّي شبهًا،
ولما كانت الصفرة فيه عارضة أخذت الناس بقسطها منه عند كل ذوب؛ ولذلك يرقد بإطعام
جديد من ذلك التوتيا، وإلا بلغ به التنقيص إلى الحال الأولى النحاسية المحضة...
وكما أن الصفرة عرض عارض فيه.
كذلك ما اختلط فيه من التوتيا زائد فيه غير متحد به ولا مستحيل إليه،
فالنار في كل إذابة تنقصه عنه وتنقصه عن جرمه ووزنه حتى تذهب به كله".
وقد اشتهر الفولاذ الدمشقي بأنه أكثر أنواع الفولاذ صلابة، وعني
الأوربيون بدراسته، وأشاروا إلى أهميته في عدد من الصناعات الحديثة أيضًا.