شهدت الصناعات المعدنية في القاهرة خلال العصور الإسلامية تطورًا وازدهارًا ملحوظين، حيث أبدع الفنانون المسلمون بشكل لافت في تشكيل المعادن وتزيينها بزخارف فريدة ومبتكرة.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
شهدت الصناعات المعدنية في القاهرة خلال العصور الإسلامية تطورًا وازدهارًا ملحوظين، حيث أبدع الفنانون المسلمون بشكل لافت في تشكيل المعادن وتزيينها بزخارف فريدة ومبتكرة.
لقد حظيت المعادن بحظ عظيم من عناية الفنانين المسلمين في العصور الإسلامية، وتدل الآثار الباقية من المصنوعات المعدنية على سمو الفن الإسلامي، وإبداع الفنانين في صناعة المعادن وتلوينها وزخرفتها، والتحف المعدنية التي يرجع تاريخها إلى العصور الإسلامية الأولى، تعتبر حلقة اتصال بين الطراز الساساني والطراز الإسلامي.
ولقد اشتهرت القاهرة من بين البلاد الإسلامية على مر العصور بمصنوعاتها المعدنية من مختلف المواد التي توفرت بها، كما تنوعت بها طرق الصناعة وأساليب الزخرفة، وكان الذهب والفضة والنحاس الأحمر أهم المعادن التي استعملتها القاهرة، كما عرف صناعها استعمال المعادن المكونة من أكثر من مادة مثل النحاس الأصفر والبرونز، وكلاهما شاع استعماله في الصناعات المعدنية المختلفة.
العصر الفاطمي: لقد احتفظ العصر الفاطمي ببعض الأساليب الزخرفية التي كانت سائدة قبل ذلك بمصر كالزخارف المحفورة على الشمعدانات والتماثيل الصغيرة، والتي كانت تصب في قوالب وتتسم بالتألق، وقد اتخذت بعض تماثيل هذا العصر أشكالًا مختلفة، كما كانت تستخدم في أغراض عملية فضلًا عن مجرد الزينة مثل بعض النفورات المائية "الفسقيات "التي كانت تزود بها الدور والقصور الفاطمية بالقاهرة.
كما أنه لا يستبعد استعمال بعض هذه التماثيل للزينة فقط، ومن ذلك تمثال الطائر الذي له رأس نسر أو عقاب وجسم أسد وجناحا نسر، وبه زخارف نباتية وهندسية محفورة بالإضافة إلى أشرطة كتابية بالخط الكوفي، وهو محفوظ الآن في دير سانت كاترين بسيناء.
وكما تعددت طرق الصناعة لدى صناع القاهرة في العصر الفاطمي فقد تعددت أيضًا طرق الزخرفة، فقد أجاد صناع القاهرة عدة طرق زخرفية أهمها الحز والحفر والترصيع بالمينا.
وقد أطنب كثير من المؤرخين والرحالة القدامى الذين زاروا مصر في وصف ما كانت تضمه القصور الفاطمية بالقاهرة من أوان وأدوات معدنية وحلى ذهبية وفضية متنوعة وقد وصل إلينا عدد لا بأس به من هذه التحف المعدنية التي يمكن نسبتها إلى صناع القاهرة في العصر الفاطمي، بحسب شكلها وطريقة صناعتها، وأسلوب زخرفتها، ولعل أهمها مشبك صور من الذهب عثر عليه في أطلال الفسطاط عليه كتابة كوفية نصها: {فَٱللَّهُ خَيۡرٌ حَٰفِظٗاۖ} [يوسف: ٦٤]، وهناك قطع أخرى مصنوعة بمشبكات دقيقة من الأسلاك في هيئة وريقات شجر أو طيور أو زخارف عربية بعضها مزين بالمينا.
العصر الأيوبي: وفيما يتعلق بالصناعات المعدنية في العصر الأيوبي، فإنه بالرغم من الحروب التي شغلت القاهرة في هذا العصر فإن النشاط الصناعي والفني لم يفتر، وظلت الأيدي المصرية تبدع في الصنع، وتتألق في الفن ونرى أثر ذلك واضحًا فيما أمدتنا به القاهرة من التحف والمنتجات المعدنية لهذا العصر والتي تدلنا على استمرار التطور في الصناعات المعدنية وتنوع أشكالها، ودقة صنعتها، وكثرة زخارفها.
ومما بقي من الآثار لهذا العهد - ولكنه تفرق في مختلف متاحف العالم – "طست" من النحاس المكفَّت بالفضة، باسم السلطان الصالح نجم الدين أيوب، وعليه رسوم تمثل لعبة الكرة والصولجان، ومجالس شراب، وهو موجود بمتحف الفن الإسلامي، وكذلك عدد من الأباريق النحاسية المكفَّتة بالفضة والغنية بزخارفها البديعة. ومن أجمل التحف المعدنية مبخرة تحمل كتابة باسم السلطان العادل الثاني، مصنوعة من النحاس المكفت بالفضة إلا أن غطاءها تزينه ثقوب مغيرة موزعة توزيعًا زخرفيًا، وثقبها (تخريمها) كان بإحدى الطرق القديمة التي كان يستعملها صناع القاهرة في زخرفة المعادن، والغرض من هذه الثقوب في المبخرة أن تساعد على تسرب البخور منها، وانتشاره في أرجاء المكان الذي توضع به، ومن الجدير بالذكر أن العصر الأيوبي هو العصر الذي تبوأ فيه الخط النسخ مكانة بجانب الخط الكوفي في زخرفته وتحلية المنتجات الصناعية والفنية المختلفة.
العصر المملوكي: ويعتبر العصر الذهبي للصناعات المعدنية في القاهرة، إذ وصلت فيه إلى قمة مجدها لدقة الصنع وإبداع الفن، وقد ساعد على ذلك اهتمام السلاطين بها ورعايتهم للفنانين وتشجيعهم مما كان له أكبر الأثر في كثرة ما أنتجته القاهرة في هذا العصر من الصناعات المعدنية التي اتسمت بجمال صنعها، وغناها بالزخارف المبتكرة المنوعة المعتمدة على العناصر النباتية والهندسية ورسوم الكائنات الحية الآدمية والحيوانية والطير المحلقة بأجنحتها في الهواء مما كان يبعث في الزخارف حياة وحركة، وقد تميزت الصناعات المعدنية القاهرية بكثرة ما عليها من كتابات عربية بالخط الكوفي الزخرفي والخط النسخ والخط الثلث، وتعتبر الكتابات العربية بصورها المختلفة من الخصائص الهامة التي تميز المنتجات المعدنية القاهرية في العصر المملوكي من سمواها في أي قطر آخر كإيران أو العراق مثلًا.
وقد وصلت إلينا من هذا العصر أبواب وثريات وصناديق للمصاحف وشمعدانات وسواها من آثار هذا العصر مما استعملت فيه مختلف الأساليب الفنية في زخرفة المعادن من تكفيت بالفضة والذهب وتصفيح وحفر وتثقيب "تخريم"، ومن هذه المصنوعات ما قصد به الاستعمال المنزلي مثل الصواني والأباريق والطسوت والمباخر والمرايا، بينما كانت هناك تحف أخرى تستعمل في المدارس والمكتبات مثل المقلمات الفاخرة والمحابر.
ولقد ازدهرت صناعة المحابر والمقلمات في القاهرة ومن أمثلتها الرائعة: "الدواة" التي يحتفظ بها المتحف الإسلامي بالقاهرة وهي مصنوعة من النحاس المكفت بالفضة والذهب وتحمل كتابة باسم السلطان المملوكي الملك المنصور محمد، ويجتمع في هذه الدواة عدد كبير من العناصر الزخرفية، أهمها الكتابات العربية بخط الثلث والكوفي المجدول والعناصر الزخرفية النباتية كزهور اللوتس المتفتحة ورسوم البط الطائر بجناحيه والخطوط الهندسية، كذلك يعتبر كرسي عشاء الملك الناصر محمد من أهم التحف المعدنية المملوكية التي أنتجتها القاهرة، فالقرص العلوي مسدس الأضلاع تتوسطه دائرة تحيط بها أخرى ذات فصوص، وبالأولى شريط من الخط الكوفي تتخلل قوائم حروفه زخارف مضفورة، وتتجه أطراف هذه القوائم ناحية المركز، ونص الكتابة "عز لمولانا السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا والدين ابن السلطان قلاوون"، وفي مركز الدائرة كلمة "محمد" بخط النسخ، كما يوجد أيضًا زخارف تمثل رسوم أوز يحلق بأجنحته على أرضية من أفرع نباتية متشابكة، وهناك شمعدان من النحاس المكفت بالفضة يحمل اسم الأمير كتبغا، ويتكون من جزأين، الجزء الأول يمثل فوهة الشمعدان والجزء السفلي يمثل أسفل الرقبة، وتتألف الزخارف من شريطين من الكتابة المكفَّتة بالفضة يلف أحدها حول الجزء العلوى والآخر حول الجزء السفلي وذلك إلى جانب زخارف هندسية أخرى من أشكال مختلفة، ويمتاز شريط الكتابة الذي يلف حول الرقبة بغرابته، ويقرأ كما يلى "العزاء للأمير والبقاء والظفر بالأعداء" أي أن صاحبه يقدم العزاء للأمير كتبغا في وفاة السلطان الملك الأشرف الذي تولى كتبغا الثأر له من قتلته والمتآمرين عليه.
إن مصر قد أصبحت خلال ذلك العصر من أعظم مراكز إنتاج المصنوعات المعدنية وتصديرها إلى الخارج، ويدلنا على هذه الحقيقة العدد الكبير من المنتجات المعدنية المصرية التي عثر عليها خارج مصر.
ونعتقد أن مزيدًا من البحث والحفر سيكشف عن آثار ترينا أن إنتاج مصر من المصنوعات المعدنية خلال العصور الوسطى فد انطلق إلى الأقطار الأخرى كما انطلقت مصنوعات مصر من النسيج الفاخر الذي كان الملوك والأمراء وكبار الشخصيات يحرصون على اقتنائه ويفخرون بالحصول عليه.
حظيت الصناعات المعدنية باهتمام بالغ في الحضارة الإسلامية، خاصة في القاهرة، حيث شهد العصر الفاطمي ازدهارًا في استخدام التماثيل والزخارف المحفورة والأدوات المزيّنة بالمينا، أما في العصر الأيوبي، فقد استمر التطور الفني رغم ظروف الحروب، مع ظهور زخارف دقيقة وفن التكفيت بالفضة، ومع الوصول إلى العصر المملوكي، بلغت الصناعات المعدنية قمة ازدهارها بدعم السلاطين وتشجيع الفنانين، وتميزت التحف المملوكية بزخارف غنية أُنجِزت بخطوط عربية متقنة كالكوفي والنسخ والثلث، بالإضافة إلى رسوم نباتية وحيوانية، ومن أبرز هذه التحف: دواة السلطان المنصور، وكرسي الناصر محمد، وشمعدان كتبغا، وتعكس هذه الإبداعات الدور الريادي لمصر في تصدير التحف المعدنية إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي.
التعليم الفني والمهني هو أحد المفاتيح الكبرى لصناعة التقدّم والازدهار الحقيقي.
هو أحد أبرز علماء الطبيعة، والفلك، والجغرافيا في الحضارة الإسلامية.
يُعدّ علم الجيولوجيا من أقدم العلوم التي اهتم بها الإنسان لفهم تركيب الأرض وتاريخها وظواهرها الطبيعية.