شهدت الدولة الإسلامية نهضة عمرانية واسعة شملت إنشاء المدن والمباني، وتميزت العمارة الإسلامية بابتكارات فريدة مثل تقنية تركيز الصوت وتطوير أنواع مختلفة من العقود والقباب.
شهدت الدولة الإسلامية نهضة عمرانية واسعة شملت إنشاء المدن والمباني، وتميزت العمارة الإسلامية بابتكارات فريدة مثل تقنية تركيز الصوت وتطوير أنواع مختلفة من العقود والقباب.
واكب انتشار الإسلام واتّساع رقعة الدولة الإسلامية قيام نهضة عمرانية كبرى، تمثلت في ظهور مدن جديدة، ونمو مدن أخرى كانت قائمة قبل الإسلام، وبنيت الأسوار والحصون، وأنشئت المساجد والقصور، والبيمارستان (المستشفيات) والمدارس وخزانات المياه.
وقد أضافت العمارة الإسلامية تقنيات ونظما لم تكن معروفة من قبل، منها أنظمة المساجد والأضرحة والمدارس، كذلك ابتكرت العمارة الإسلامية عناصر كثيرة، منها أشكال العقود والتيجان والقباب والمحاريب والمنارات والمآذن وغيرها.
فقد استخدم التقنيون المسلمون خاصية تركيز الصوت فيما يعرف الآن باسم تقنية الصوتيات المعمارية، حيث عرفوا أن الصوت ينعكس عن السطوح المقعرة ويتجمع في بورة محددة، شأنه في ذلك شأن الضوء الذي ينعكس عن سطح مرآة مقعرة.
وظهرت هذه التقنية واضحة في المساجد الجامعة الكبيرة لنقل وتقوية صوت الخطيب والإمام في أيام الجمعة والأعياد، مثال ذلك: مسجد أصفهان القديم، ومسجد العادلية في حلب، وبعض مساجد بغداد القديمة، حيث كان يصمم سقف المسجد وجدرانه على شكل سطوح مقعرة موزعة في زوايا المسجد وأركانه بطريقة دقيقة تضمن توزيع الصوت بانتظام على جميع الأرجاء، حدث هذا قبل أن يبدأ العالم المعروف "والاس ك. سابين" حوالي عام ١٩٠٠م في دراسة أسباب سوء الصفات الصوتية لقاعة محاضرات في جامعة هارفارد الأمريكية، وتتبع سلوك الخواص الصوتية للقاعات وحجرات غرف الموسيقى.
وتستخدم خاصة تركيز الصوت في الحضارة المعاصرة كجزء أساسي من هندسة الصوتيات المعمارية. حيث تزود المسارح وقاعات الاحتفال الكبيرة بجدار خلفية مقعرة تعمل على ارتداد الصوت وزيادة وضوحه.
من ناحية أخرى، تؤكد المراجع والدراسات التاريخية في مجال العمارة الإسلامية أن أول ما ظهر من عناصر وأشكال التقنيات الهندسية المعمارية عند المسلمين هو العقد المنفوخ الذي استخدم في المسجد الأموي بدمشق عام ٨٧هـ/٨٠٦م، وعمم استخدامه بعد ذلك بحيث أصبح عنصرا مميزا للعمارة الإسلامية، وخاصة في بلاد المغرب والأندلس، ثم أقتبسه البناؤون الأوربيون، وأكثروا من استخدامه في بنا، كنائسهم وأديرتهم.
كذلك طور المسلمون تقفية العقود ثلاثية الفتحات التي كان مصدرها فكرة هندسية بحتة فأئمة على القسمة الحسابية، وهو ما استدل عليه الباحثون من رسم باق على جدار في أطلال مدينة، الزهراء، وانتشر استعمال هذا النوع من العقود في الكنائس الإسبانية والفرنسية والإيطالية.
وهناك أيضا تقنية العقود المفصصة أو المقصوصة، وهي عقود قصت حوافها الداخلية على هيئة سلسلة من أنصاف دوائر، أو على هيئة عقد من أنصاف فصوص.
ولعل هذا العقد المفصص قد اشتق من شكل حافة المحارة، غير أنه اتخذ من العمارة الإسلامية المظهر الهندسي البحت، وأصبح فيها ابتكارًا.
ظهر أول ما ظهر، فيما تبقى من الآثار في أوائل القرن الثاني الهجري / الثاني الميلادي.
واتضحت معالمه الهندسية كاملة في بناء قبة المسجد الجامع بالقيروان في سنة ٢٢١هـ/٨٣٦م.
واحتفظ العقد المفصص بمظهره الهندسي في تطوره بعد ذلك بالرغم من تعدد أشكاله، ثم تشابكت العقود المفصصه في القرون التالية، وازداد عدد الفصوص، وتصاغرت، وتداخلت فيها زهيرات ووريدات، وأصبح شكلها زخرفيا جذابا، حليت به المآذن والمحاريب.
ومن المغرب والأندلس اشتقت العمارة المسيحية في أوروبا أشكال العقود المفصص لتزيين واجهات الكنائس، وظهرت فيها بمظهرين:
المظهر الأول هندسي بحت، أي أن العقد يتكون من سلسلة من أنصاف دوائر، والمظهر الثاني، نباتي، أي أن العقد يتكون من التفاف غصن في أنصاف دوائر ننتهي كل منها بزهيرة أو وريدة.
وإلى جانب هذه الأنواع من العقود ظهرت في العمارة الإسلامية أشكال أخرى، منها: العقود المدببة والصماء والمنفرجة، وقد انتشر استخدامها في بلاد المشرق والمغرب على السواء، وتوجد أمثلة منها في العمارة الأوروبية، فعلى سبيل المثال، انتقل العقد المنفرج إلى العمارة الإنجليزية، وعم استعماله في القرن السادس عشر الميلادي باسم "العقد التيودوري Tudor arch"، بينما سبقت العمارة الإسلامية إلى استخدامه قبل ذلك بخمسة قرون في مساجد الجيوشي والأقمر والأزهر بالقاهرة، ولا تختلف أمثلة العقد التيودوري في إنجلترا، مظهرا وعنصرا، عن أمثلة العقود المنفرجة في القاهرة، وإن كانت أعمدتها هنالك رفيعة وأكثر طول، وهذا أمر طبعي أملاه التطور التقني في غضون خمسة قرون.
أما تقنية القباب فقد تطورت كثيرًا في العمارة الإسلامية، واتخذ تصميمها الهندسي أشكالا مختلفة في قبة المحراب الجامع بالقيروان، ومسجد الزيتونة بتونس، والمسجد الجامع بقرطبة، وقد ظهرت آثار هذا التطور بوضوح في العمارة الأوربية خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين.
ويهتم الباحثون المعاصرون بدراسة الأساس العلمي للتصميمات الهندسية التي قامت عليها تقنية العقود والقباب بأشكالها المختلفة، وزخارفها المتنوعة، وذلك لإظهار قيمتها الجمالية الفائقة من جهة، ولإرشاد المعنيين برعاية الآثار قبل الشروع في أعمال الترميم والصيانة وإعادة البناء والتركيب والزخرفة من جهة أخرى.
شهدت العمارة الإسلامية نهضة كبيرة تمثلت في بناء المساجد والقصور والمرافق العامة، وابتكرت تقنيات معمارية متقدمة كالعقود والقباب، وقد استخدم المسلمون تقنية تركيز الصوت في تصميم المساجد قبل أن تُعرف عالميًّا، ومن أبرز الابتكارات: العقد المنفوخ، والعقود المفصصة، والعقود المنفرجة، التي أثرت في العمارة الأوروبية لاحقًا، كما تميزت القباب الإسلامية بتنوع تصميماتها ودقتها الهندسية، مما يعكس رقي العمارة الإسلامية وأثرها العالمي.
الحضارة الإسلامية تمثل نموذجًا متجددًا يمكن الاستفادة منه في الحاضر والمستقبل، إذ تجمع بين القيم الروحية والتقدم المادي.
البناء الحضاري يستند إلى ترسيخ القيم الإنسانية والأخلاقية، والعمل على تحقيق التقدم من خلال العلم والاجتهاد والإبداع.
القيم الحضارية في الإسلام تشكل ركيزة أساسية لبناء مجتمع مزدهر ومتماسك، من خلال الالتزام بتلك القيم.