Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مرتكزات الحضارة

الكاتب

أ. د/ عبد الله التطاوي

مرتكزات الحضارة

القيم الحضارية في الإسلام تشكل ركيزة أساسية لبناء مجتمع مزدهر ومتماسك، من خلال الالتزام بتلك القيم، يمكننا تحقيق الاستقرار والتنمية في حياتنا، ونسعى جميعًا لنشر المحبة والسلام في العالم.

الأبعاد الإنسانية للقيم الحضارية في الإسلام

أسس الإسلام منظومة من القيم الرفيعة أكد بها إنسانية الإنسان فأنقذه من هاجس التدني أو امتهان الذات؛ حيث جاء التحول القيمي مكملًا للمتغير الأساسي الذي ارتهن بتحولات البنية من القبلية إلى الدولة، ومن العصبية إلى الأمة، ومن رابطة الدم إلى رابطة الروح والدين والمعنى، ومن الممكن حصر الأبعاد الإنسانية لتلك القيم في خمس نقاط:

الأولى: التحول من الوثنية وعبادة الصنم أو الوثن أو الشرك إلى التوحيد، ففيه ما يرتقي بإنسانية الإنسان ويحترم كيانه، وقد {قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ} [لقمان:١٣]،

فهو - أي الشرك - ظلم للنفس وتحقير للإنسان؛ لأن الشرك يعطل عقله، فيعجزه عن التمييز والتفكر والتدبر والتأمل، مما يقود إلى توحيد الخالق الأعلى بتأمل أسراره في الكون والمخلوقات، وطبيعة نعمه الظاهرة والباطنة على السواء.

والثانية: إطلاق حرية الإنسان في اختيار دينه وعقيدته دون قهر أو قسر أو إجبار، ففي الحرية ما يرفع قدر الإنسان، لاسيما إذا بدأ الأمر من حرية المعتقد {وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ} [الكهف:٢٩]

والحرية لا تعني الفوضى بقدر ما ترمي إليه من الالتزام والمسئولية واحترام الآخر، وبقدر ما تبني عليه من الانضباط، وترتبط الحرية بحق الاختيار، وهو ناجم عن إعمال العقل، وتقدير منزلة الملكة التي أعز الله بها الإنسان، فسخر له ما في الكون والكائنات، ومنحه حق توظيفها في خدمته إذا أحسن استخدام عقله.

فكانت الإشارات القرآنية المتعددة إلى أولي الألباب، وأولي النهى، ومثلها كانت الدعوة إلى وجوب التفكر والتأمل، والتدبر، والتعقل، والتبصر.

والثالثة: الطاعة والعبودية حين يرتهن الأمر بالعبادات والتكاليف الدينية التي ينهض بها العبد تقربًا لربه بلا واسطة، ففيها تعزيز لإنسانيته حين ينقذ من البحث عن الزلفي والوسيلة، وفيها تكريم لآدميته حين تتاح له فرص العبادة وطاعة الخالق دون استكانة أو مذلة لمخلوق، حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والطاعة لله وحده تتجاوز منطق الكبرياء، واستثمار العظمة، وهي أمور تجاوزها الإسلام، في حين تجد أنها مترددة في حس الجاهلية بين النزق والاندفاع والطيش والحماقة والسفه، مما جلب على المرحلة الجاهلية كل صور التدهور بين خمر، وعربدة، وعبث السكارى، وضجيج المخمورين مع ندرة العقلاء والباحثين عن الحق والحرية وصحة المعتقد.

الرابعة: قيمة المساواة والأخوة الإنسانية التي جاءت أصلًا رفيعًا في الإسلام طبقًا لصراحة النص القرآني: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ}[الحُجُرات:١٠] إلى دعوة الإسلام إلى التعارف والتقارب بين البشر {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ} [الحُجُرات:١٣]، وهو ذات القانون الذي حدده الرسول - عليه السلام - في حجة الوداع : «أَيُّهَا النَّاس إنَّ ربَّكم واحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، كُلُّكم لِآدَم، وآدمُ مِن تُراب، لَيْس لِعَربِي فَضْل على أَعْجميٌ إلا بالتَّقْوَى»، وهو ما طبقه الرسول - صلى الله عليه وسلم - سُلوكًا حين أعتبر سلمان الفارسي واحدًا من آل البيت، وأخذ برأيه في غزوة الخندق، وحين قرب إليه صُهيبًا الرومي، وبلالًا الحبشي فكأن التطبيق الإنساني الرائع للمساواة حقيقة على ارض الواقع، ومع هذا ظل التمييز قائمًا بمعيار التقوى، ومثله جاء معيار العلم، وحسن الخلق، وحب الإنسان لأخيه الإنسان، وحبه لله ورسوله، وإنفاقه في سبيله انطلاقًا من احترام العقيدة واحترام الذات.

الخامسة: احترام الملكة الإنسانية التي وهب الله الإنسان إياها، بدءًا من ملكة العقل بما يدعو إليه من التأمل والتفكر، وهو ما دعا إلى تحريم الخمر باعتبارها معطلة للملكة بما يفقد الإنسان قدرة التفكير، الأمر الذي انعكس في تحريمها على ثلاث مراحل باعتبارها جزءًا من قضية الفترة ومشكلات المرحلة التي يتنافس فيها وحولها الأغنياء والفقراء على السواء.

منظومة القيم واحترام حقوق الإنسان

وتكتمل المنظومة الإنسانية في احترام حقوق الإنسان بدءًا من حقه في الحياة ذاتها بتحريم قتل النفس بغير نفس أو فساد في الأرض، إلى القصاص الذي هو ضامن لحياة البشر، إلى الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالحسنى إلى مواجهة السيئة بالحسنى، إلى حماية حق الجار والمستغيث إلى منح الطريق حقه إلى توصيف حقوق الوالدين، وحقوق المرأة، والطفل وحق الأعمى والأعرج، وحق الحاكم والمحكوم، وغيرها من صيغ الحياة الإنسانية في أرقى تجلياتها وأرفع صورها.

وهي ذاتها القيم الممتدة إلى تعزيز حق الإنسان في الإبداع، باعتبار الكلمة قيمة؛ منها السالب ومنها الموجب بصرف النظر عن توظيفها الشعري، أو الإبداعي بوجه عام، ومن ثم كان عدم تحريم الشعر في الإسلام مدخلًا إلى الاعتراف بقيمة الإبداع موزعًا بين ملكة العقل والوجدان بعيدًا عن الشطط والانحدار الأخلاقي أو التدهور القيمي {قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا}[الأنعام:١٦١].

إن هذا الدين القيم، {وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ} [البيِّنة:٥]، دين الكتب القيمة، دين الصراط المستقيم، دين القوامين لله، القوامين بالقسط، إن هذا الدين - بهذه العلامات - هو الذي يضفي على الإنسان والكون والحياة القيمة والقيم اللائقة، إقامة واستقامة وقوامة وتقويما.

لقد قامت الحضارة الإسلامية مشبعة بالقيمة في أصولها وفروعها؛ بل إن هذه الأمة الوسط الخيرة لم تكن كذلك إلا بقيامها بواجب القوامة لله على الناس؛ الذي هو واجب الشهادة والشهود الحضاري قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} [البقرة:١٤٣]، وقال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ} [المائدة: ١٨]، وقال تعالى: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ} [آل عمران:١١٠].

إن المنظور الحضاري القائم على أصول فقه كلية؛ يجد منظومة القيم جديرة بتقديم رؤية معرفية ومنهاج بحث ونظر، وأدوات تعامل وتناول، وضوابط سعي وسلوك، كركن أساس في بناء هذا المنظور، فعقيدة الإسلام (العقيدة الدافعة) التي تدفع باتجاه الكون والحياة إكبارًا وإعمارًا، والتي ترى الإنسان سيدًا في الكون لا سيدًا عليه، وكذلك شرعة الإسلام الرافعة له عن الانحطاط دون المرتبة الإنسانية المُيَسِّرة له سبل السلام، المخرجة للعقل من الضيق إلى السعة، الواضعة عن الناس الآصار والأغلال، هذه الشريعة وتلك العقيدة تنتظمان شجرة قيم كبرى أصلها ثابت وفرعها في السماء.

المنظور الحضاري والمبادئ الكلية للإسلام

تتأسس هذه القيم في مثلث التوحيد والتزكية والعمران الجامع لسائر القيم المتعلقة بالإله تعالى.

والكون والحياة والإنسان، والمرتبطة بمنظومة السنن الحاكمة، والمتحكمة في الحركة الحضارية، والتي يسهم التعرف عليها والوثوق بها في توجيه هذه الحركة وتقويمها؛ قيمة التوحيد البادئة بوحدانية الله – تعالى -، إلى أمة واحدة، وصراط مستقيم واحد، وهي التي توحد البشرية - التي جاءت من نفس واحدة - تحت رايتها إرادةً واختيارًا، في (أمة جامعة)، هذه القيمة التي تؤسس للحضارة ومنظورها، تتوجه نحو الإنسان (المستخلف في الأرض) بدور وقيمة التزكية : تزكية نفسه وأهله ومجتمعه وأمته، قال تعالى: {قدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ} [الأعلى:١٤]، وقال تعالى: {قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا} [الشمس:٩].

وكذلك نحو الكون والحياة والبيئة التي يتحرك فيها هذا الإنسان، فتؤسس معاملته وتسخيره لها وفق قيمة الإعمار والعمران التي تنفي نوازع التخريب والإفساد قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا} [هود:٦١]، وتحكم ذلك منظومة من المقاصد العليا التي توجه الحركة بما يحفظ على الإنسان دينه ونفسه وكرامته، ونسله، وعقله، وماله.

تتسع منظومة القيم - في المنظور الحضاري - لتكوينات أخرى من القيم المكملة والمتولدة عن الأصل، تتعلق كل تكوينة منها بمجال من مجالات الحياة البشرية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والعلمية... إلخ.

وفي هذا الإطار أعلى الفكر الإسلامي - منذ بواكيره وفي أصوله الحضارية الأساسية - من قيم تعد بمثابة الهيكل الحاكم للفكر والحركة في المجال السياسي، فقيمة العدل قاعدة كبيرة استند إليها هذا الفكر في تنظيره واستنباطه، وفي رصده لحركة الواقع وتشخيصه، وفي تقويم هذا الواقع وإصلاحه وتجديده فالمدينة الفاضلة، في الفلسفة السياسية الإسلامية من لدن الفارابي، والغزالي، وابن تيمية، وابن خلدون، وغيرهم، ترتكز على العدل الذي به قامت السماوات والأرض قال تعالى: {وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [الأنعام:١١٥].

لقد أستقر في الفكر الإسلامي أن القيم العليا وعلى رأسها التوحيد - إذ تعتمل في المجال السياسي - لا تنتظم بغير هذه القيمة (العدل)، حتى استقر أن: دولة العدل تدوم وإن كانت كافرة ودولة الظلم تزول وإن كانت مؤمنة.

لكن التوحيد الذي تنهض عليه الدولة والأمة في المنظور الحضاري لا يكتمل حتى يثمر عدلًا وعدالةً، فالشر ظلم عظيم، والظلم ظلمات يفت في حقيقة التوحيد وأنواره.

إن هذا التوحيد الذي يجعل المقام الأعلى موحدًا لله تعالى يُفضي تلقاءً إلى (المساواة) بين البشر من حيث أصل خلقهم، فلا فضل لجنس ولا لنسب ولا لعرق ولا لون ولا لطبقة ولا لنوع (ذكر أو أنثى) على غيره إلا بمقدار ما يحقق من القيمة العليا (التوحيد) ولوازمها ومقتضياتها التي سماها القرآن أبلغ تسمية: (التقوى).

هذه المساواة الإنسانية هي التي ميزت الأمة الجامعة سواء في حركتها الداخلية، أو في حركتها عبر المجال الحضاري والدولي، فلم تنحرف في مفاوتتها بين البشر عن التحاكم إلى معايير القيمة والتقوى والعدل، وهذا العقد الفريد الذي انتظم في واسطته التوحيد، والعدل، والمساواة، وشدد على الكرامة الأصلية للإنسان وبراءة ذمته، وعلى حرمة الإنسان في ذاته: نفسه أو دمه، وفي خصائصه من العقل والحرية والكرامة والتكريم، قال تعالى: {وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ}[الإسراء:٧٠]، وفي ممتلكاته وما يخصه من مال ومعرفة ومتاع.

فالقيم في المنظور الحضاري مؤسسة وحاكمة، ومُقوِّمة، ومُصلِحة، وحافظة، ونامية، ومُنمِّيَة، تتضافر مع العقيدة الدافعة، والشرعة الرافعة، والأمة الجامعة (المجال الحضاري)، والسنن الحاكمة، والحضارة الفاعلة، والمقاصد الراعية، في بناء منظور متكامل للنظر في الأمة ودولها، والنظم السياسية وحركتها وأسسها، وكذلك تقدم مدخلًا منهجيًا وإطارًا مرجعيًا لدراسة أحوال الأمم وتفاعلاتها في الساحة الدولية والحضارية.

 

مراجع للاستزادة:

١- د. عبد الله التطاوي: حركة الشعر في ظلال المؤثرات الإسلامية.

٢- د. سيف الدين عبد الفتاح: مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام.

٣ - العلاقات الدولية في الإسلام، الجزء الثاني. (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي. ط ١، ١٤١٩٤هـ - ١٩٩٩م).

الخلاصة

أسس الإسلام منظومة من القيم الرفيعة أكد بها إنسانية الإنسان فأنقذه من هاجس التدني أو امتهان الذات؛ حيث جاء التحول القيمي مكملًا للمتغير الأساسي الذي ارتهن بتحولات البنية من القبلية إلى الدولة، ومن العصبية إلى الأمة، ومن رابطة الدم إلى رابطة الروح والدين والمعنى، وتكتمل المنظومة الإنسانية في احترام حقوق الإنسان بدءا من حقه في الحياة ذاتها بتحريم قتل النفس بغير نفس أو فساد في الأرض، إلى القصاص الذي هو ضامن لحياة البشر، وغيرها من صيغ الحياة الإنسانية في أرقى تجلياتها وأرفع صورها، وهي ذاتها القيم الممتدة إلى تعزيز حق الإنسان في الإبداع، باعتبار الكلمة قيمة؛ بصرف النظر عن توظيفها الشعري، أو الإبداعي بوجه عام،  وإن المنظور الحضاري القائم على أصول فقه كلية، يجد منظومة القيم جديرة بتقديم رؤية معرفية ومنهاج بحث ونظر، وأدوات تعامل وتناول، وضوابط سعى وسلوك، كركن أساس في بناء هذا المنظور.

موضوعات ذات صلة

الشخصية الحضارية تُبنى على الأعمال الصالحة والسلوكيات الإيجابية.

الحضارة الإسلامية تمثل نموذجًا متجددًا يمكن الاستفادة منه في الحاضر والمستقبل.

نجحت الكتابة الفنية في استيعاب التنوع الفكري الذي ميز الحضارة الإسلامية.

موضوعات مختارة