يوازن الإسلام بين الروح والمادة، جاعلًا التنمية الاقتصادية فريضة وعبادة ومسؤولية مشتركة بين الفرد والدولة، يدعو إلى تعبئة الطاقات لمواجهة التخلف الاقتصادي وتحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية لنهضة شاملة.
يوازن الإسلام بين الروح والمادة، جاعلًا التنمية الاقتصادية فريضة وعبادة ومسؤولية مشتركة بين الفرد والدولة، يدعو إلى تعبئة الطاقات لمواجهة التخلف الاقتصادي وتحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية لنهضة شاملة.
جاء الإسلام بمنهج كامل للحياة يهتم بالجانب المادي في حياة البشر، بقدر ما يعني بالجانب الروحي، ذلك لأنه لا قوام لجانب دون اخر وكلاهما يتأثر بالآخر ويؤثر فيه، فإذا كان حقًا ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فإنه أيضًا بدون الخبز لا يستطيع أن يحيا الإنسان.
لذلك وضع الإنسان المشكلة الاقتصادية، وهي مشكلة الفقر والتخلف - وذلك منذ البدء وقبل أن تتطور الأحداث وتفرض المشكلة نفسها حيث يجب أن توضع في الأساس وفي المقدمة، ومن قبيل ذلك أنه اعتبر المال زينة الحياة الدنيا وقوام المجتمع، وأنه العون على تقوى الله، وأن طلب المال الحلال فريضة وجهاد في سبيل الله، بل إنه ساوى بين الفقر والكفر، ولم يستعذ الرسول صلى الله عليه وسلم - من شيء، بقدر استعاذته من الفقر فيقول – صلى الله عليه وسلم - «الَّلهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن الكُفرِ والفَقرِ»، قال رجل: ويعدلان؟ قال «نعم»، بل إنّ الإسلام حين طالب الناس بالعبادة وذِكْرِ الله، عللّه في القرآن بقوله تعالى: {فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ * ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ} [قريش: ٣-٤] ، وإن موسى عليه السلام حين دعا الله بقوله: تعالى: {رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي*وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي} [طه ٢٥-٢٦] قرنه بقوله: {كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا *وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا} [طه ٣٣-٣٤]، بل اعتبر الإسلام مجرد ترك أحد أفراد المجتمع ضائعًا أو جائعًا هو تكذيب للدين نفسه، فيقول تعالى: {أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ* فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ} [الماعون ١-٣].
والله لم يخلق الإنسان في هذه الحياة عبئا أو لمجرد أن يأكل ويشرب، وإنما خلقه لرسالة يؤديها، هي أن يكون خليفة الله في هذه الأرض، يدرس ويجاهد، وينتج ويعمر، عابدا شاكرا فضله، ليقابله في نهاية المطاف بقلب سليم ونفس مطمئنة راضية، فيقول الله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ} [البقرة ٣٠]. ويقول سبحانه: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا} [هود ٦١] أي كلفكم بعمارتها.
وأنه سبحانه وتعالى سخّر له ما في السماوات وما في الأرض {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ} [الجاثية ١٣] وذلك ليعمر الدنيا ويحييها وينعم بخيراتها ويسبح بحمده {فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [الجمعة ١٠].
بل لقد بلغ حرص الإسلام على التنمية الاقتصادية وتعمير الدنيا أن قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ -أي شتلة-، فَاسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا، فليَغْرِسها فَلهُ بِذَلك أَجْر» وجاءت كل تعاليم الإسلام حاثة على العمل والإنتاج، فالله تعالى يقول: {وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ} [التوبة ١٠٥]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» بل إن العمل وزيادة الإنتاج في نظر الإسلام عبادة، والفرد العامل قريب من الله ومثاب على عمله الصالح في الدنيا والآخرة، فالله يقول: {وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ} [الشورى٢٦]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «ما عُبدَ اللهُ بِمثل عَمَلٍ صَالح»، ويقول: «مَنْ أَمْسَى كالًّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ أَمْسَى مَغْفُورًا لَهُ» ورُوى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبَّل يدًا وَرِمَت من كثرة العمل وقال: «هذه يدٌ يحبُّها اللهُ ورسولُه».
أكثر من ذلك، اعتبر الإسلام السعي إلى الرزق وخدمة المجتمع وتنميته أفضل ضُروب العبادة، فقد ذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم رجل كثير العبادة فقال لهم: «من يقوم به؟». قالوا أخوه. فقال: «أخُوه أعبدُ منه».
وقد أراد أحد الصحابة الخُلوة والاعتكاف لذكر الله تعالى، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تفعلْ فإن مقامَ أحدِكم في سبيلِ اللهِ -أي في خدمة المجتمع وتنميته- خيرٌ له من مقامِه في بيتِه ستينَ عامًا» ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «لكلِّ أمةٍ سياحةٌ وسِياحةَ أُمَّتي الجهادُ في سبيلِ اللهِ».
ونخلص مما تقدم إلى أن التنمية الاقتصادية في الإسلام هي فريضة وعبادة، بل هي من أفضل ضروب العبادة، والمسلمون قادة وشعوبا مقربون إلى الله تعالى بقدر تعميرهم للدنيا وأخذهم بأسباب التنمية الاقتصادية.
ولقد لخص سيدنا عمر بن الخطاب نظرة الإسلام إلى الإنتاج والتنمية الاقتصادية بقوله: "والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل، فهم أولى بمحمدٍ منَّا يوم القيامة".
وكان المفكرون المسلمون أول من عالج قضايا التنمية الاقتصادية، مبينين بجلاء أنها ليست عملية إنتاج فقط، وإنما هي عملية كفاية في الإنتاج مصحوبة بعدالة في التوزيع، وأنها ليست عملية اقتصادية بحتة، وإنما هي عملية إنسانية تبتغى تنمية الإنسان وتقدمه المادي والروحي معًا.
ولسنا هنا بصدد دراسة فنية لقضايا التنمية الاقتصادية في الإسلام، أو بصدد تتبع أفكار الفقهاء القدامى في قضايا التنمية، وما هي مقوماتها، وما هي أهدافها، وما هو مقياسها، وما هي وسائلها، وما هي أوليات التنمية، كل ذلك مما لا يتسع له بحثنا ، وإنما كل ما يهمنا هنا بيانه أن التنمية الاقتصادية قد شغلت المقام الأول من فكر المسلمين القدامى، وإنما بحثت تحت لفظ عمارة الأرض، وهو اصطلاح يشمل مضمون التنمية الاقتصادية وزيادة، فيقول سيدنا على بن أبي طالب - رضي الله عنه - في كتابه إلى واليه بمصر: " ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يُدرَك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج من غير عمارة أخرب البلاد".
لقد كانت أولى المؤلفات الاقتصادية العالمية في مجال التنمية الاقتصادية هي لكُتّاب مسلمين سبقوا الكُتّاب الأجانب بعدة قرون.
ونخص بالذكر ابن خلدون الذي عالج قضية التنمية الاقتصادية في مقدمته ٧٨٤هـ تحت عنوان (الحضارة وكيفية تحقيقها).
وكذلك الفقيه الاقتصادي أحمد الدلجي في كتابه (الفلاكة والمفلوكون) أي الفقر والفقراء، متعرضًا في القرن الخامس عشر الميلادي لقضية الفقر أي بتعبير آخر لقضية التنمية الاقتصادية وذلك بتفصيل وإحاطة وعمق نادر بحسب زمانه.
وإننا نسجل بحق أن الإسلام في اعترافه بالملكية سواء كانت خاصة أو عامة، وفي نظرته إليها وتنظيمه لها، إنما أقامها باعتبارها وسيلة إنمائية أي حافزًا من حوافز التنمية، بحيث تسقط شرعية الملكية سواء كانت خاصة أو عامة، إذا لم يحسن الفرد أو الدولة استخدام هذا المال استثمارًا أو إنفاقًا في مصلحة الجماعة.
وقد عبر عن ذلك أصدق تعبير سيدنا عمر بن الخطاب حين قال لبلال وقد أعطاه الرسول أرض العقيق: " إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطعك لتحجز عن الناس وإنما اقطعك، لتعمل فخذ ما قدرت على عمارته ورد الباقي".
ومن هنا ندرك:
(أ) لماذا نهي الإسلام بشدة لا مثيل لها عن اكتناز المال وحبسه عن الإنتاج والتداول بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ * يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ} [التوبة ٣٤-٣٥] ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- «مَن جمَعَ دِينارًا، أو دِرهمًا، أو تِبْرًا، أو فِضَّةً لا يعُدُّه لِغَريمٍ، ولا يُنفِقُه في سبيلِ اللهِ؛ فهو كنزٌ يُكْوى بِه يومَ القيامةِ».
(ب) ومن هنا ندرك أيضًا لماذا ينهي الإسلام بشدة بالغة عن صرف المال بغير حق في ترفٍ أو سَفَة حتى أنه وصف المترفين بالمجرمين بقوله تعالى: {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ} [هود ١١٦]، ووصف المبذرين بأنهم إخوان الشياطين بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا} [الاسراء ٢٧]، وكيف أنه أجاز الحجر على السفيه.
(ج) ومن هنا ندرك كذلك لماذا لا يسلّم الفقهاء للحاكم بنزع الملكية الخاصة أو التوسع في الملكية العامة. إلّا بقدر ما تقتضيه المصلحة العامة وأخصها العمران والتنمية الاقتصادية، ويعبرون عن ذلك بأنَّ "الإمام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة".
(د) ومن هنا ندرك أخيرا لماذا ربط الإسلام بين الإيمان والإنفاق في سبيل الله، أي في سبيل المجتمع وتعميره، بل إنه جعل ذلك الإنفاق أو التعمير هو علامة الإيمان والتقوى، وهو شرطه الأساسي، حتى أنه ما من آية أو حديث نبوي يتكلم عن الإيمان والتقوى إلا ويقرنه بالإنفاق في سبيل الله أي في سبيل المجتمع وتنميته.
والتنمية الاقتصادية في الإسلام هي مسئولية الفرد والدولة، بينما في الاقتصاد الرأسمالي التنمية الاقتصادية في الأساس مسئولية الفرد أو القطاع الخاص، بخلاف الاقتصاد الاشتراكي فإن التنمية الاقتصادية هي في الأساس مسئولية الدولة أو القطاع العام.
أما في الاقتصاد الإسلامي، فإنها في الأساس مسئولية الفرد والدولة مما أما القطاع الخاص والعام، كلاهما يكمل الآخر، ولكل مجاله، ولا تزداد أو تقل مسئولية أي منهما إلا بقدر ما تتطلبه طبيعة وظروف التنمية في كل مجتمع.
ومن هنا كان من أهم الأصول الاقتصادية الإسلامية مبدأ ازدواج الملكية (الخاصة والعامة).
فقد جاء الإسلام فأقر الملكية الخاصة، بل وحماها إلى حد قطع يد السارق معلنا أن «كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ مالُهُ وعِرْضُهُ ودَمُهُ» وأنه «لا يَحِلُّ مالُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلّا بطيبِ نَفْسِه».
كذلك جاء الإسلام فأقر صور الملكية العامة التي كانت معروفة وقتئذٍ؛ كملكية الدولة للأرض التي لا مالك لها، والمعادن في باطن الأرض، والمرافق الأساسية كالمياه والكلأ والقوت الضروري كالملح وما يقاس عليه.
بل لقد استحدث الإسلام صورًا جديدة من الملكية العامة لم تكن معروفة من قبل سواء في صورة المساجد ونزع الملكية الخاصة من أجل توسيعها، او في صورة أرض الحمى، أو في صورة الوقف الخيري، أو في صورة الأراضي المفتوحة ورفض توزيعها على المحاربين واعتبارها ملكية عامة وما بقاؤها في أيدي واضعي اليد من أصحابها الأصليين إلا مقابل دفع الخراج أي أجرة الأرض، وإذا كان في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يتوسع في الملكية العامة فذلك لأن ظروف المجتمع وقتئذ ودرجة تطوره الاقتصادي لم تكن تتطلب ذلك.
على أنه منذ قيام دولة الإسلام في أواخر عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -واتساعها في عهد الخليفة: أبي بكر ومن بعده الخليفة عمر بن الخطاب رضى ألله عنهما، وما صاحب ذلك من زيادة موارد الدولة واتساع النشاط الاقتصادي وظهور مشاكل اقتصادية جديدة، وجدت تطبيقات عديدة لا سيما في عهد الخليفة عمر بن الخطاب يتوسع بمقتضاها في إعمال مبدأ ألملكية العامة.
المهم أن مسئولية التنمية الاقتصادية في الإسلام، هي مسئولية الفرد والدولة معا.
ومن ثم قرر الإسلام - منذ البدء - أن الملكية المزدوجة - الخاصة والعامة - يساهمان معا على قدم المساواة في عمليات التنمية، كلاهما كأصل وليس استثناء، وكلاهما ليس مطلقا بل هو مقيد بالصالح العام أي باعتبارات العمران والتنمية، وكلاهما يكمل الآخر فلكل مجاله بلا تعارض أو اصطدام، حيث لا تقوم الدولة إلا بأوجه النشاط الاقتصادي التي يعجز الأفراد عن القيام بها كمد السكك الحديدية وتعمير الصحاري وصناعة الأسلحة وغيرها.
وهنا يتبين لنا وجه هام يميز الاقتصاد الإسلامي عن الاقتصاد الرأسمالي والاقتصادي الاشتراكي:
(أ) ففي الاقتصاد الرأسمالي الأصل هو الملكية الخاصة، والاستثناء، هو الملكية العامة، إذا اقتضت الظروف تولى الدولة بعض أوجه النشاط الاقتصادي.
فالملكية الخاصة هنا مقدمة إذ هي في نظره الباعث، على النشاط الاقتصادي وجوهر الحياة، ومن ثم فهي وحدها الأساس في التنمية الاقتصادية.
(ب) وبالعكس في الاقتصاد الاشتراكي الأصل هو الملكية العامة، والاستثناء هو الملكية الخاصة لبعض وسائل الإنتاج يعترف بها النظام بحكم ضرورة اجتماعية.
فالملكية الخاصة هنا غير مصونة إذ هي في نظره سبب كل المساوئ والمشكلات الاجتماعية ومن ثم يرى عدم الاعتداد بها في مجال التنمية بحيث تكون الملكية العامة هي وحدها الأساس في التنمية الاقتصادية.
(ج) أما في الاقتصاد الإسلامي فهو كما سبق أن أوضحنا، يعترف بنوعي الملكية - الخاصة والعامة - وكلاهما كأصل وليس استثناء، ولكلّ مجاله في التنمية الاقتصادية بحيث يكمّل كل منهما الآخر، وكلاهما ليس مطلقا بل مقيد باعتبارات المصلحة والتنمية.
وعليه فقد تتوسع إحدى الدول الإسلامية في إعمال الملكية العامة في مجال التنمية الاقتصادية، فلا يحيلها ذلك إلى دولة اشتراكية، وبالعكس قد تضيق من إعمال الملكية العامة في مجال التنمية الاقتصادية فلا يحيلها ذلك إلى دولة رأسمالية، طالما كانت ظروفها تقتضي هذا التوسع أو التضييق في الملكية الخاصة أو العامة بحسب متطلبات التنمية ودون إنكار أو إهدار لإحدى الملكيتين.
ويظل بذلك الخلاف بينها هو كما سبق أن ألمحنا، خلاف زمان ومكان لا حجة وبرهان، وهو ما نستطيع أن نعبر عنه أخذُا عن شيخ الإسلام ابن تيمية باصطلاح إنه (اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد).
هذا وقد عبر القران عن الفائض الاقتصادي الذي هو جوهر عملية التمويل بتعبيرات العفو والفضل. وهو كل ما زاد عن الحاجة بغير ترفٍ أو سرفٍ، ودعا إلى ضرورة إنفاقه كله في سبيل الله أي في سبيل المجتمع وتنميته، بل جعل ذلك كما أسلفنا علامة الإسلام وشرط الإيمان.
ولذلك لا نعدوا الحقيقة إذا قلنا إن دولة الإسلام، هي دولة التنمية الاقتصادية بمفهومها الشامل الذي يستهدف صلاح الفرد ماديًّا وروحيًّا، وأن قيمة أي حكم في أية دولة إسلامية هو بقدر ما يحققه لمجتمعه من تنمية حقيقية بشقيها الرخاء والعدل: وتهيئة الفرص للتقدم المادي والروحي لكل مواطن.
والتنمية الاقتصادية ليست عملية فنية يكتفى فيها بمجرد إعداد خطط التنمية، ولا مجرد متابعة تنفيذها لدى القطاع الخاص أو العام، بل لابد من تعبئة جميع المواطنين لها بحيث تكون مطلبًا شعبيًا ملحًا يعي كل فرد مسئوليته المحددة فيها ويترك حقوقه المؤكدة من نجاحها.
إن من أهم عوامل عدم نجاح التنمية في بعض البلاد النامية، أن الأساليب المستخدمة لم نستطع أن تحرك الأمة كلها لمواجهة معركة التخلف.
وإذا كانت مشكلة التخلف الاقتصادي، هي من أولى المشكلات التي تواجه الشعوب العربية والإسلامية اليوم، فلابد من تعبئة كل قواها وطاقاتها للمعركة ضد التخلف من أجل التنمية.
وأرى لذلك ضرورة ربط التنمية الاقتصادية بفكرة الجهاد المقدس تفجيرا للطاقات المختزنة في الفرد المسلم وتحقيقا للتنمية الاقتصادية بإحالتها إلى ممارسة دينية وواقع إيماني.
ذلك أن قوام المجتمع الإسلامي، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله تعالى: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ} [آل عمران ١١٠].
والأمر بالمعروف يتضمن في رأينا بصفة أساسية تحقيق التنمية الاقتصادية، والنهي عن المنكر يشمل أساسا القضاء على أهم صوره ألا وهو التخلف الاقتصادي، ذلك التخلف الذي يؤدى إلى كثير من المساوئ الاجتماعية والانحرافات الخلقية.
فلابد أن نعبئ النفوس ونعلنها حربًا مقدسة ضد التخلف ومن أجل التنمية الاقتصادية، لاسيما متى لاحظنا أن التحدي الذي نلقاه من قبل إسرائيل ليس تحديًا حربيًا فقط وإنما هو أساسًا تحدٍ اقتصادي.
فإسرائيل تنشد السيطرة الاقتصادية على المنطقة العربية، ومعركتنا مع إسرائيل ليست مقصورة على إزالة آثار العدوان، وإنما تتصل بتخلفنا الاقتصادي، وما تتطلبه من ضرورة التنمية الاقتصادية العاجلة، والتي يجب أن نجد لها كافة قوى وإمكانيات الشعوب العربية.
إن الخطر الحقيقي الذي نواجهه ليس قوة إسرائيل، ولكن تخاذل العرب وتخلفهم ولاسيما اقتصاديًا رغم ما لديهم من إمكانيات بشرية ومادية غير محددة، ولا شيء، أقام إسرائيل وطمع فينا سوى تخلفنا، وجهادنا المقدس اليوم هو جهاد ضد التخلف ومن اجل التنمية الاقتصادية الشاملة.
وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ} [الأنفال ٦٠] وهوما لا يتحقق أساسًا إلا عن طريق التنمية.
وهنا ننبه إلى مسالة هامة كثيرًا ما يقلل عنها المسئولون في كل بلد عربي أو إسلامي عند وضع خطط تنمية مجتمعاتهم، فإنهم يجب أن يراعوا فيها التنسيق بين إمكانيات كل بلد، عربي أو إسلامي، بحيث يكمل كل منها الآخر، وهو ما يحقق أكبر استفادة من إمكانيات كل دولة عربية أو إسلامية دون فاقدٍ أو ضائعٍ، وهو في النهاية يؤدى إلى الوحدة وإلى التضامن الإسلامي.
ذلك؛ لأن هذه الوحدة وذلك التضامن، وإن كان قائمًا أدبيا بحكم وحدة اللغة أو وحدة العقيدة الإسلامية، إلا ان ما يحققه ماديًا ويؤكده ويعمقه، هو التعاون والتكامل الاقتصادي.
وما أحوجنا اليوم إلى دراسة علمية دقيقة في هذا المجال، وإلى المبادرة بوضع خطط تنمية واضحة المعالم والقسمات نحدد فيها ما تلتزم بتحقيقه كل دولة عربية أو إسلامية بحيث يتم التعاون والتكامل بينها لا الفرقة والتضارب.
ولعل الخطوة العملية لذلك هو عقد مؤتمر عربي إسلامي يتصدى لمناقشة برامج تنمية مدروسة على أساس علمي ورؤية واقعية لنقاط الضعف والقوة من اجل البناء المشترك والمتكامل للوطن العربي ككل والعالم الإسلامي ككل.
إننا لا نرى أي تناقض بين الوحدة العربية وبين التضامن الإسلامي وبين التعاون العالمي، بل كل منها هو خطوة أساسية لتحقيق الأخرى، وذلك طالما كان هناك تنسيق دقيق للتعاون والتكامل لا للتصارع والتضارب، وحينئذ تسود ا لإنسانية جمعاء أملها المنشود في الحياة المثلى والذي لخصه القرآن في اصطلاحي (العزة) و(الطمأنينة).
جعل الإسلام التنمية الاقتصادية عبادة ومسؤولية مشتركة بين الفرد والدولة، واعتبر العمل والإنتاج من أفضل القربات إلى الله، وقد حثّ على عمارة الأرض وعدّ المال وسيلة لاكتساب الرزق وخدمة المجتمع، لا للاكتناز أو الترف، والمفكرون المسلمون، كابن خلدون، سبقوا الغرب في طرح مفاهيم التنمية والعدالة الاجتماعية.
ويقوم الاقتصاد الإسلامي على مبدأ الملكية المزدوجة (الخاصة والعامة) لتحقيق التوازن والعدالة، ويعتبر مواجهة التخلف الاقتصادي شكلًا من أشكال الجهاد المعاصر، ويدعو إلى تعاون اقتصادي بين الدول الإسلامية لتحقيق النهضة والوحدة.
شهدت الحضارة العربية الإسلامية ازدهارًا ملحوظًا في المجال الصناعي، إذ اهتم الخلفاء والقادة بشكل كبير بتنمية هذا القطاع وتعزيزه.
لا جدوى من اكتساب علم يبقى محجوبًا دون أن يُنقل للآخرين.
شهدت الدولة الإسلامية نهضة عمرانية واسعة شملت إنشاء المدن والمباني.