Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الحـيل

الكاتب

أ. د. أحمد فؤاد باشا

الحـيل

تميز علم "الحيل النافعة" في الحضارة الإسلامية بابتكارات ميكانيكية متطورة تحقق الفعل الكبير بأدنى جهد، معتمدًا على أسس علمية دقيقة كالهواء والماء، وأبدع علماء مثل بني موسى والجزري وتقي الدين في تصميم آلات ذاتية الحركة، ممهّدين لعلم الهندسة الحديثة وتطبيقاته التقنية.

علم الحيل، وتطبيقاته العملية

يمثل علم "الحيل النافعة" الجانب التِّقَني المُتقدِّم في علوم الحضارة الإسلامية، حيث كان المهندسون والتِّقَنيُّون يقومون بتطبيق معارفهم النظرية للإفادة منها في كل ما يخدم الدين، ويحقق مظاهر المدنية والإعمار، وقد جعلوا الغاية من هذا العلم هي "الحصول على الفعل الكبير من الجهد اليسير".

ويُقصَد به: استعمال الحيلة مكان القوة، والعقل مكان العضلات، والآلة بدل البدن؛ ذلك أن الشعوب السابقة على الإسلام كانت تعتمد على العبيد، وتلجأ إلى نظام السُّخرة في إنجاز الأعمال التي تحتاج إلى مجهود جسماني كبير، فلما جاء الإسلام ونهي عن السُّخرة وإرهاق الخدم والعبيد وتحميلهم فوق ما يطيقه الإنسان العادي، إلى جانب تحريمه المشقة على الحيوان، اتجه المسلمون إلى تطوير الآلات؛ لتقوم بالأعمال الشاقة، وبعد أن كانت غاية السابقين من علم الحيل لا تتعدى استعماله في التأثير الديني والروحي على أتباع مذاهبهم، مثل استعمال التماثيل المتحركة أو الناطقة بواسطة الكُّهان، واستعمال الأرغن الموسيقى وغيره من الآلات المصوتة في المعابد، جاء الإسلام وجعل الصلة بين العبد وربه بغير حاجة إلى وسائل وسيطة أو خداع حسي أو بصري، وأصبح التيسير على الإنسان باستعمال آلات متحركة (ميكانيكية) هو الهدف الجديد لتقنية "الحيل النافعة"، وهي عبارة عن آلات وتجهيزات يعتمد فيها على حركة الهواء (الإيرو ديناميكا Airodynamics )، أو حركة السوائل واتزانها (الهيدروديناميكاHydronamics، والهيدروستاتيكا Hydrostatics  )

وإذا كان أعلام الحضارة الإسلامية قد اطلعوا على بعض ما خلَّفه قدماء المصريين والفرس والهنود والصينيين والإغريق في "علم الحيل"، أو "الهندسة الميكانيكية" بلغة العلم المعاصرة، إلا أن ما ورثوه عن الحضارات السابقة كان محدودًا من الناحيتين النظرية والتطبيقية على حدٍّ سواء، فطوَّروه وأضافوا له القواعد العلمية، وصنَّفوا فيه كتبًا رائدة، لايزال الكثير منها مجهولًا أو مفقودًا.

دور بني موسى بن شاكر في تطوير علم الحيل

من أمهات الكتب التِّقَنية عند المسلمين كتاب الحيل لبني موسى بن شاكر الذين عاشوا في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، ويحتوي على مائة تركيب ميكانيكي مع شروح تفصيلية ورسوم توضيحية لطرائق التركيب والتشغيل، وكان استخدام بني موسى للصمامات التي تعمل تلقائيًا، وللأنظمة التي تعمل بعد زمن مُعيَّن، وغير ذلك من مبادئ وأفكار التحكم الآلي، من أهم الإنجازات في تاريخ العلم والتقنية بشكل عام، كما كان استخدامهم للصمامات المخروطية، ولأعمدة المرافق التي تعمل بصورة آلية، استخدامًا غير مسبوق، وسبقوا به أوَّل وصف لآلية عمود المرافق الحديث في أوربا بخمسمائة عام.

ومن بين أجهزتهم الميكانيكية التي وصفها المؤرخون بكثير من الإعجاب آلة رصد فلكي ضخمة، تعمل في مَرصدِهم وتُدار بقوة دفع مائية، وهي تبين كل النجوم في السماء، وتعكسها على مرآة كبيرة، وإذا ظهر نجم أو اختفي يتم تسجيله في الحال.

كما استحدثوا آلات لخدمة الزراعة والفلاحة، مثل المعالم الخاصة للحيوانات، وعمل خزَّانات للحمامات، وآلات لتعيين كثافة السوائل، وآلات تُثبت في الحقول؛ لكيلا تضيع كميات الماء هدرًا، ويمكن بواسطتها السيطرة على عمليات ري المزروعات، وقد قام "دونالدهيل" Donald Hill بترجمة "كتاب الحيل" لبنى موسى بن شاكر كاملًا إلى الإنجليزية في عام ٩٧٩ام.

نماذج لمؤلفات علماء الإسلام في علم الحيل

ومن المؤلفات التِّقَنية الرائدة أيضًا كتاب "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل" لبديع الزمان أبى العز بن إسماعيل الرزاز الجزري الذي عاش في القرنين السادس والسابع الهجريين (الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين)، فقد تضمن تصميمات متنوعة لساعات وروافع آلية يتم فيها نقل الحركة الخطية إلى حركة دائرية بواسطة نظام يعتمد على التروس المسننة، وهو الأساس الذي تقوم عليه المُحرِّكات العصرية، وقد ترجم "دونالدهيل" هذا الكتاب إلى الإنجليزية عام ١٩٧٤م، ووصفه مؤرخ العلم المعاصر "جورج سارتون" G.sarton بأنه أكثر الكتب من نوعه وضوحًا، ويمكن اعتباره الذروة في هذا النوع من الإنجازات التقنية للمسلمين.

 وفي مخطوط بعنوان "الأسرار في نتائج الأفكار" لأحمد بن خلف المرادي العربي الأمباني الذي عاش في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) نجد شرحًا لأكثر من ثلاثين نوعًا من الآلات الميكانيكية وساعة شمسية متطورة جدًّا، بالإضافة إلى أجزاء مهمة حول الطواحين والمكابس المائية، ويُلِّح خوان فيرنيه J. Vernet أستاذ تاريخ العلوم العربية بجامعة برشلونة على وجود قرابة بين هذا الكتاب وكتاب آخر ترجمته "شميللر" Schmeler إلى الألمانية عام ١٩٢٢م، كما يؤكد على أن المهندس المعماري الفرنسي "فيلاردوهنكور" الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، كان على علم بتقنيات المرادي.

وفي كتاب "الطرق السنية في الآلات الروحانية" لتقي الدين بن معروف الدمشقي الذي عاش في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) نجد وصفَ العديد من الأجهزة الميكانيكية مثل: الساعات المائية والآلية والرملية، والروافع بالبكرات والتروس (المُسننات)، والنافورات المائية، وآلات الدوران باستعمال العنفات (المراوح) البخارية التي نعرفها اليوم، ويتميز هذا الكتاب بأنه اقترب كثيرًا في عرضه وتوصيفه للآلات من مفهوم الرسم الهندسي الحديث ذي المساقط، لكنه يوضح كل شيء يتملق بالآلة في رسم واحد يجمع بين مفهوم المساقط ومفهوم الرسم المنظور (المجسم).

المنهج العلمي عند التِّقَنيين المسلمين

وكان المهندسون والتِّقنيون في عصر الحضارة الإسلامية يتبعون المنهج العلمي في البحث والتأليف، ويبدأون في الحالات الصعبة برسم مُخططات، ثُمَّ يضعون نموذجًا مصغرًا لما ينوون تنفيذه، وقد أعاد الفنيُّون المحدَّثون بناء العديد من التركيبات والآلات تبعًا للشروح التي قدمها التِّقَنيون الإسلاميون في مؤلفاتهم.

الخلاصة

مثل علم "الحيل النافعة" في الحضارة الإسلامية الجانب التقني المتطور الذي سعى إلى تحقيق "الفعل الكبير من الجهد اليسير" باستخدام الآلات بدلاً من الجهد البشري أو الحيواني، خلافًا لاستخداماته السابقة في الخداع الديني. اعتمد هذا العلم على مبادئ الإيروديناميكا والهيدروديناميكا. وقد طور المسلمون ما ورثوه من الحضارات السابقة، وأضافوا إليه القواعد العلمية. برز دور بني موسى بن شاكر بكتابهم "الحيل" الذي احتوى على ابتكارات في التحكم الآلي والصمامات، كما أبدع الجزري بتصاميم ساعات وروافع آلية تعتمد على التروس. وتبعهما المرادي وتقي الدين الدمشقي بمؤلفات غنية في الآلات الميكانيكية التي مهدت للرسم الهندسي الحديث، مما يؤكد المنهج العلمي الدقيق لهؤلاء التقنيين.

موضوعات ذات صلة

ابتكر المسلمون موازين دقيقة لقياس الأوزان، مثل موازين استواء السطوح.

العمل حق، وشرف، وواجب، وهو حق للقادر عليه، كفله الشرع وكفلته كل المواثيق الدولية.

ساهمت الحضارة الإسلامية بشكل كبير في تطوير علم الهندسة من خلال ترجمة الأعمال الإغريقية والإضافة إليها.

موضوعات مختارة