وعندما اعترضت سبيل الرياضيين المسلمين
بعض المسائل من النوع غير القابل للحل بالأدوات الحسابية والجبرية المعروفة عمد هؤلاء
إلى توسيع الوجود الهندسي من خلال الاستعمال المستمر للقطوع المخروطية، وقد أدى ذلك
إلى إيجاد حل هندسي لمعادلات الدرجة الثالثة عن طريق مساهمات عمر الخيام
خلال العقود الممتدة من القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر الميلادي، بينما انصب
العطاء الثاني على مشاكل القياس كالأسطح والحجوم، ويشكل ذلك امتدادا لدراسات أرشميدس.
وفي مرحلة النضج، بدأت القراءات
النقدية لكتاب "الأصول" لإقليدس من التوصل إلى تصور جديد حول
أصول علم الهندسة ولا سيما حول موضوعات المتوازيات وإعادة تعريف مفهوم الترابط الذي
سيساعد بوضوح في فك معضلة العدد الحقيقي الموجب، ولقد وصلنا إسهام الخيام في
هذه المسائل عبر "رسالة في شرح ما أشكل من مصادرات كتاب إقليدس"،
حيث يناقش الخيام في الفصل الأول الذي عنوانه في حقيقة المتوازيات، وذلك
الشكل المعروف يناقش فيه المصادرة (المسلمة) الخامسة لإقليدس في كتاب "الأصول"
حيث يناقش بعض آراء الرياضيين العرب أمثال عباس بن سعيد الجوهري (القرن
العاشر)، وأبي العباس الفضل التبريزي (القرن العاشر)، وثابت بن قرة (ت
٩٠١م)، وابن الهيثم (ت ١٠٤١م)؛ ويخلص الخيام إلى أن هذه المصادرة
ليست مسلمة بالمعنى التام، وإنما هي قضية تحتاج إلى برهان ويحاول تقديم هذا
البرهان.
وفي الفصل الثاني والثالث من نفس
الكتاب وفي مقالة بعنوان ذكر النسبة والتناسب وحقيقتها، ينقد فيه التعريف الخامس
للمقالة الخامسة من كتاب "الأصول" ويقدم تعريفًا وبراهين لمفهوم العدد الحقيقي
الموجب، تلي هذا نشر الخيام نظرية هندسية للمعادلات التكعيبية.
وكان كتاب ابن الهيثم "شرح
مصادرات إقليدس "وكتابه حول شكوك إقليدس في الأصول وشرح معانيه"
من أهم المؤلفات التي أثارت ألكثير من الجدل والمناقشات العلمية وفتحت الباب لمزيد
من التأليف في هذا المجال، كما ألف ابن الهيثم رسالة خاصة بدراسة نظرية
الخطوط المتوازية وضمنها برهان المسلمة الخاصة لإقليدس بمفاهيم جديدة
تتناول الحركة والحس والتميز صاغها في منطوق رياضي جديد، وكان الحسن بن الهيثم
صاحب التصانيف والتأليف في علم الهندسة - كما يصفه ابن القفطي - عالمًا
بهذا الشأن متقنًا له قيمًا بغموضه ومعانيه أخذ عنه الناس واستفادوا.
وقال الدكتور علي مصطفي مشرفة
عن كتاب ابن الهيثم "حل شكوك إقليدس": "إن المطلع
على كتاب ابن الهيثم يلمس دقة المؤلف في التفكير وتعمقه في البحث
واستقلاله في الحكم كما يتضح له صحة إدراك ابن الهيثم لمكان الهندسة
الإقليدسية من العلوم الرياضية.
فابن الهيثم في هذا الكتاب رياضي باحث بأدق ما يدل
عليه الوصف من معنى وأبلغ ما يصل إليه من حدود".
ومن مؤلفات ابن الهيثم الهامة في
الهندسة كتب "المختصر في علم هندسة إقليدس والتحليل والتراكيب
الهندسية “، و"خواص المثلث من جهة العمود"، و"مساحة المجسمات
المكافئة".
ثم جاء بعد ذلك نصير الدين الطوسي (القرن
الثالث عشر) وأظهر براعة فائقة في معالجة المسلمة الخامسة من مسلمات إقليدس،
وقدم برهانًا جديدًا على أن مجموع زوايا المثلث تساوى زاويتين قائمتين، فتداولته
كتب الهندسة التي تدرس في جامعات العالم، ويعترف المؤرخون للعلوم الرياضية بأن
برهان نصير الدين الطوسي يعتبر نقطة تحول في تطور علم الهندسة، وظهور
الهندسة الإقليدسية الجديدة التي تلعب الآن دورًا عظيمًا في دراسة الفضاء الطبيعي
وتفسيرات النظرية النسبية.