تمثل الرياضيات ركيزة أساسية في بناء الحضارات وتقدم العلوم، وقد أسهم العلماء المسلمون فيها إسهامًا أصيلًا فقد كان لهم دور ريادي في تأسيس مناهجها وتطوير فروعها وتطبيقاتها في الحياة والعبادات والمعاملات.
تمثل الرياضيات ركيزة أساسية في بناء الحضارات وتقدم العلوم، وقد أسهم العلماء المسلمون فيها إسهامًا أصيلًا فقد كان لهم دور ريادي في تأسيس مناهجها وتطوير فروعها وتطبيقاتها في الحياة والعبادات والمعاملات.
إذا كانت كل أمةٍ تباهي بحضارتها، وتفخر بما قدمه علماؤها ومفكروها من إسهاماتٍ في تطورِ العلومِ وتقنياتها، فإننا مَعشر العرب والمسلمين أحقُّ بهذا الفخر والتباهي لأننا في حقيقة الأمر أغنى جميع الأمم تراثًا وأرفعهم شأنًا وأجلهم أثرًا في خدمةِ الحضارةِ الإنسانيةِ ودفعِ مسيرةِ التقدمِ العلمي والتقني بفضل المئات من العلماء الأفذاذ الذين نبغوا وتفوقوا في مجال العلوم الطبيعية Natural sciences، بل إن منهم من يفوق علماء الغرب شهرةً وأثرًا في تقدم العلوم، بالرغم من أنَّ مؤلفاتهم لم يُحققْ منها حتى الآن إلا النزر اليسير، ولا يزال معظمها بكرًا ينتظر من يتناوله بالدراسة التفصيلية المتأنية لاكتشاف ما فيه من كنوزٍ ثمينةٍ، وإنَّ ما وصل إلينا من هذا التراث يؤكد سبقهم إلى الكثير من الأفكار الصائبة والآراء والنظريات، بل والقوانين العلمية التي يُنسب معظمها الآن إلى علماء الغرب وحدهم، ولا تزال جهود المخلصين من الباحثين المعاصرين تكشف عن حالات الغش العلمي والفكري التي وقع فيها بعض النقلة ومؤرخي العلم والحضارة لأسباب تخصهم ولم تَعد خافية على أحد، وضلَّلوا بها أجيالًا متعاقبة بعد أن دسوها في الكتب والمؤلفات الحديثة على أنها حقائق علمية وتاريخية لا تقبل الشك.
وتأتي الرياضيات في مقدمة العلوم الأساسية التي اهتم بها علماء الحضارة الإسلامية؛ حيث قدم الخوارزمي علمًا جديدًا هو علم "الجبر"، الذي ظل محتفظًا باسمه العربي في كل لغات العالم، وتوصل عمر الخيام إلى حل معادلة الدرجة الثالثة.
وأوجد غياث الدين الكاشي قانونًا لمجموع الأعداد الطبيعية المرفوعة إلى القوة (الأس) الرابعة، واعترف علماء التاريخ الرياضي بأنَّ هذا القانون لعب دورًا جوهريًّا في تطور علم الأعداد، وينصف بعضهم الحقيقة عندما يرجع الفضل للكاشي - قبل إسحق نيوتن - في ابتكار نظرية ذات الحدين وتطوير خواص معاملاتها.
وأول ما يميّز العلوم الرياضية في عمر الحضارة العربية الإسلامية هو الاستفادة المباشرة من الجانب العلمي لنظريات العدد والحساب والهندسة والجبر والمثلثات عمليًا وتطبيقيًا، بل إن هذا التوجه كان في حقيقته هدفًا أساسيًا عندهم بدافع الحرص على تنفيذ معاملاتهم وعباداتهم على أكملِ وجهٍ يُرضي الله ورسوله طبقًا لمبادئ الدين الإسلامي الحنيف، ومن ثم كان تراثهم العلمي غنيًّا بالمؤلفات في الوصايا والمعاملات وتحديد الأهلة وتحقيق جهة القبلة، وتطبيق الرياضيات في الحياة العملية، وما يحتاج إليه الكُتّاب والعمّال من علم الحساب، وما يحتاج إليه الصُّنّاع من علمِ الهندسةِ وغيرها.
وقد كرّس بعض العلماء جُهدهم للتخصّص في جانبٍ معيّنٍ، مثل ابن الهائم الفرضي الذي اشتغل بالحساب والفرائض ومن هنا جاء لقبه، ومثل الحسن بن الهيثم الذي ركز على الهندسة التطبيقية فعرف بالمهندس، وألف كتبًا ورسائل منها: كيفية استخراج سمت القبلة في جميع أنحاء العالم، وعلم الهندسة والمثلثات وحساب المعاملات، وما تدعو إليه حاجة الأمور الشرعية من الأمور الهندسية، وكتاب التحاليل والتراكيب الهندسية، وكتاب طابق فيه بين الأبنية والحفور بجميع الأشكال الهندسية بما فيها أشكال القطوع المخروطية.
ولقد ساعد تقّدم العلوم والمعارف الرياضية والهندسية على تقّدم تكنولوجيا الهندسة المعمارية متمثلة في المباني والقصور والمساجد التي نهضت في الشرق والغرب، ولايزال الغرب مغرمًا بخطوطها وزخارفها ودقة تنسيقها وضبط أشكالها. كذلك تقدمت تكنولوجيا هندسة الري لأن أعمال الري وتوزيع المياه من الأمور التي تتطلب معرفة دقيقة بمستوى الأرض وانحدارها، وبكمية المياه وسرعتها ومجراها، وبمواد البناء واختيار الأنسب منها لبناء السدود والتحكم في التوزيع.
وتميّزت الدراسات النظرية للعلوم في عصر الحضارة العربية الإسلامية بأنها جرت وفق منهجٍ علميٍّ سليمٍ يعتمد على الطريقة الاستقرائية في الوصولِ إلى المبدأ العامِ من ملاحظة التفاصيل، وذلك مثل ما فعل الخوارزمي عندما وضع معادلة جبرية تصلح لإيجاد حلول خاصة لمشاكل متشابهة ثم جاء الرياضيون من بعده وعملوا على تطوير مثل هذه المعادلة وتعميمها، انطلاقًا من مُسلَّمة تقضي بأن وحدة الموضوع الجبري هي عمومية العمليات الرياضية وليست في عموميةِ الكائنات الرياضية، سواء كانت خطوطًا هندسية أو أرقامًا عددية؛ وبهذا استطاع ثابت بن قرة تعميم نظرية فيثاغورث الخاصة بمثلث قائم الزاوية لتصبح نظرية عامة لأي مثلث، وبرع الخيام في تصنيف وحل المعادلات ذات الدرجات الأعلى، وعُرف الجبر بأنه علم المعادلات، وظل هذا المنهج العلمي أسلوبًا لفكر الرياضيين حتي أصبح من أهم خصائص التفكير العلمي، وأدى في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي إلى اكتشاف معدلات التحويل، وظهرت معادلات لاجرانج ومعادلات هاملتون المعروفة حديثًا بسهولةِ استخدامها في استنباط وحل العديد من المسائل العلمية، وتستخدم كثيرًا في العصر الحاضر لارتباطها بنظريات وتطبيقات علوم ميكانيكا الكم والميكانيكا الإحصائية والميكانيكا السماوية والديناميكا الكهربية وغيرها.
وبهذا تكون حضارتنا العربية الإسلامية قد أسهمت في إثراء الفكر الرياضي بأهم مقومات تقدمه وازدهاره، وحفل تراثها بالكثير من الأفكار والنظريات الأصيلة التي اعتمد عليها المحدثون.
أبدع العلماء المسلمون في علوم الرياضيات وأسسوا لعلم الجبر والهندسة والتطبيقات العملية الدقيقة. ولقد أسهم المنهج العلمي الإسلامي القائم على الاستقراء والتجريب في تطور الفكر الرياضي العالمي. ولا تزال آثارهم حية في صميم العلوم الحديثة، تشهد بسبقهم وريادتهم في خدمة الحضارة الإنسانية.
ساهمت الحضارة الإسلامية بشكل كبير في تطوير علم الهندسة من خلال ترجمة الأعمال الإغريقية والإضافة إليها.
شهدت الحضارة الإسلامية اهتمامًا بالغًا بالتعليم، حيث اعتُبر بناء الإنسان علميًا وأخلاقيًا من ركائز نهضتها.
أحدث المسلمون نقلة نوعية في حساب المثلثات، مطوّرين دوالًا جديدة وربطوه بعلم الفلك.