Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

العمل

الكاتب

أ. د. محمد فتحي فرج بيومي

العمل

العمل حق، وشرف، وواجب، وهو حق للقادر عليه، كفله الشرع وكفلته كل المواثيق الدولية، وهو شرف منحه الله لعباده العاملين المخلصين، ويشمل كل مجالات الحياة (الزراعة، والصناعة، والرعي، والتجارة، وغير ذلك).   

قيمة ومكانة العمل في الإسلام

أتى علينا حين من الدهر كنا نردد فيه بعض الشعارات من قبيل: العمل حق، العمل شرف، العمل واجب، العمل حياة، وهذه كلمات حق، إن صدقت النوايا، وصحت العزائم، وترجمت الشعارات والأقوال إلى أفعال وأعمال، فالقاعدة الكلية التي وضع الإسلام عليها أسس المدنية والحضارة والحياة الاجتماعية والاقتصادية هي أن من واجب الإنسان من حيث هو فرد ومن حيث هو عضو في الجماعة الإنسانية ألا يحقق مقتضى من مقتضيات طبيعته إلا وفق قوانين فطرة الله، ولا يستعين بما أعطاه الله من القدرات والقوى الجسمانية والفكرية إلا وفقًا للطريق المستقيم الذي هداه الله إليه، فليس له أن يعطل قوة من قواه، ولا أن ينحرف في استخدامها عن هدي الله، ولا أن يسلم قياده للشيطان بحثًا عن سعادته وفلاحه في الطريق المخالفة لقوانين الفطرة.

العمل والاكتساب غريزة فطرية

فمن الغرائز الفطرية: غريزة التملك والاقتناء لدفع تهديد البقاء الشخصي والفردي، وغريزة النسل أو الجنس لدفع تهديد النوع الإنساني بالفناء والانقطاع.

أما غريزة التملك والاقتناء فهي التي تدفع المرء نحو السعي لاكتساب الرزق وتحصيل المال وتنميته وادخاره، وهو مدفوع بفطرته إلى إشباع ذلك، وانظر إلى قول الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: ١٤]، وحينما يفعل الإنسان ذلك بحب وشغف، مدفوعًا إليه بفطرته، إنما هو يسعى أيضًا لعمارة الأرض التي استخلفه الله عليها.

ومن جهة أخرى، فالعمل لاكتساب الرزق، هو سبب لبقاء الفرد مثل ما أن التناسل سبب لبقاء النوع، ومنذ هبط آدم وبنوه إلى الأرض وهم مكلفون بالكدح في ثراها، حتى يستطيعوا العيش، فإن أبدانهم لا تتماسك بها حرارة الحياة، ولا تواتيها قدرة الحركة إلا بوقود متجدد من الغذاء، كلما نفد منه مقدار تبعه مقدار آخر دون انقطاع حتى ينتهي الأجل المحتوم، وكل امرئ مطالب بتحصيل هذا الطعام عن طريق أي عمل يوافق مواهبه وملكاته، وذلك يتطلب بذل الجهد البدني والعقلي، وقد أمره الله تعالى وحثه على ذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: ١٥]، ويقول أيضًا: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ} [النحل:٨٠: ٨١].

ولن يتأتى كل ذلك إلا بالعمل في الرعي والزراعة والصناعة والإدارة والنقل، إلى غير ذلك من أعمال وتخصصات، فالعمل إذن وسيلة البقاء، والوسيلة فرع الغاية شرفًا وخسة سواء بسواء.

مهمة الإنسان في الحياة

يقول الدكتور زقزوق: إذا كانت مهمة الإنسان في هذه الحياة هي إعمار الأرض فإن ذلك لن يتأتى إلا بالعمل من أجل بلوغ هذا الهدف، فالحياة بلا عمل موات، والإنسان قد أعطاه الله من القوى والطاقات ما يجعله قادرًا على قيادة سفينة الحياة بالعمل الجاد المنتج الذي يعود على الفرد والمجتمع بالخير العميم، حتى أن الإسلام يربط بين الإيمان والعمل الصالح، فكل عمل يقوم به الإنسان في حياته يقصد من ورائه وجه الله ونفع الناس، أو دفع الأذى عنهم يندرج تحت مفهومي العمل والتقوى.

أما الذين يتسولون مع القدرة على العمل فهم لا يستحقون الحياة، إذ إنهم في هذه الحالة يصبحون عبئًا على غيرهم، فالقعود عن العمل كسل ممقوت، ولذلك نرى التوجيه القرآني واضحًا في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [الجمعة:١٠]

والرسول صلى الله عليه وسلم يبين لنا خطورة النزعة الطفيلية اعتمادًا على جهد الآخرين واستغلالًا لنتيجة عملهم فيقول: «لا تَزالُ المَسْأَلَةُ (التسول) بأَحَدِكُمْ حتَّى يَلْقَى اللَّهَ – تعالى-، وليسَ في وجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» [رواه البخاري]                                                       

وقد ورد أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أبى أن يصلي على متسول مات وعنده مال جمعه من هذا السبيل، فعن مسعود بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي برجل ليصلي عليه فقال: «كمْ تركَ؟» قالوا: دِينارَيْنِ أوْ ثلاثَةً، قال: «كَيَّتَيْنِ أوْ ثلاثَ كَيَّاتٍ» فلقيت عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر رضي الله عنه فذكرت ذلك له فقال: ذلك رجل كان يسأل الناس تكثيرًا» [رواه البيهقي].

 يقول الشيخ الغزالي - رحمه الله -: وحصيلة هذه الحرفة الدنيئة يجب أن تصادر، وألا تترك لصاحبها فإن كل ما كسبه صاحبه من سحت لا حق له فيه، فقد حصله المستريح الكسول من كدح الكادحين دون تعب أو تعرض لمخاطر العمل وأعبائه ومسئولياته، وقد روى البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «ما أكَلَ أحَدٌ طَعامًا قَطُّ، خَيْرًا مِن أنْ يَأْكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ داوُدَ عليه السَّلامُ، كانَ يَأْكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ»، فالعمل هو السبيل إلى تحرير النفوس من السؤال والاعتماد على الغير، وبلغة العصر والسياسة، هو السبيل إلى استقلال الفرد وتحرير الأمة.

أما المتنطعون الذين يقعدون عن العمل بحجة انشغالهم في العبادة والطاعات، فإن هذا أمر لا يتفق وطبيعة الإسلام الذي يحض على العمل وكرامة الإنسان، فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو لا ينطق عن الهوى يقول: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له»، وقد وصف يد عامل ظهرت عليها آثار العمل فقال: «هذه يَدٌ يُحبُهَا اللهُ ورسُولُه».

  أما القران الكريم فقد جعل العمل الصالح مطية الرجاء للقاء الله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا} [الكهف:١١٠].

كان هذا حال المسلمين زمان ازدهار حضارتهم وتمجيدهم للعمل ورفعهم لشأنه، حتى إذا جاء خلف غالوا في التواكل وانتحلوا الأعذار في القعود عن السعي في كسب الرزق اعتمادًا على أن الله هو الرزاق، انتشر بينهم الخمول، وساد الكسل، حتى أن بعضهم يقدر متوسط زمن العمل في مجتمعاتنا للفرد بأقل من نصف ساعة في اليوم، ولكننا نحمد الله على أننا قد بدأنا نراجع أنفسنا ونرجع إلى القيم الصحيحة، وندعو إلى العمل باسم الدين نفسه، فكيف للمسلم أن ينفذ ما أمر الله به من وجوب الإنفاق إن لم يكن ذا مال؟ وأنّى له بالمال إن لم يكن صاحب عمل؟

 وعود على بدء نقول: إن العمل حق للقادر عليه، كفله الشرع وكفلته كل المواثيق الدولية، وهو شرف منحه الله لعباده العاملين المخلصين، قبل أن يمنحه البشر أوسمة ونياشين، حينما قال - جل في علاه - من فوق سبع سماوات: {وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [التوبة:١٠٥].


مراجع للاستزادة:

١- أ.د. محمد البهي: الإسلام فطرة الله، سلسلة البحوث الإسلامية، الكتاب الرابع، مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة(١٩٩٢م).

٢- أ.د محمد حمدي زقزوق، الإنسان والقيم في التصور الإسلامي، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب (٢٠٠٤م).

٣- الشيخ محمد الغزالي: حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة، الطبعة الثالثة، دار الكتب الإسلامية، القاهرة (١٩٨٤م).

٤- أ. د. أحمد فؤاد الأهواني: القيم الروحية في الإسلام، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة. سلسلة دراسات في الإسلام (٩٦٢ ١م).

الخلاصة

لقد رفع الإسلام من شأن العمل واعتبره عبادة وسبيلًا لتحقيق الكرامة الإنسانية والإعمار في الأرض. فهو غريزة فطرية، وأداة لبقاء الفرد والمجتمع، وشرط لتحقيق الاستخلاف، والعمل الصالح قرين الإيمان، ومحكٌّ للتقوى، ومصدرٌ للرزق الحلال، ومن تمسّك بهذه القيم أعاد للأمة مجدها وفاعليتها في البناء والتقدم.

موضوعات ذات صلة

تُعد العمارة الإسلامية تجسيدًا حيًّا لروح الإسلام وقيمه الجمالية والإنسانية.

الشخصية الحضارية تُبنى على الأعمال الصالحة والسلوكيات الإيجابية.

شهدت الحضارة العربية الإسلامية ازدهارًا ملحوظًا في المجال الصناعي.

موضوعات مختارة