أبدع علماء الكيمياء المسلمون في تقديم إسهامات صناعية هائلة سبقت عصرهم، من تقنيات التقطير واستخلاص الزيوت والعطور، إلى اكتشاف الأحماض وتحضير المركبات الكيميائية الدقيقة، وقد نقل الغرب هذه المعارف واستفاد منها في نهضته العلمية.
أبدع علماء الكيمياء المسلمون في تقديم إسهامات صناعية هائلة سبقت عصرهم، من تقنيات التقطير واستخلاص الزيوت والعطور، إلى اكتشاف الأحماض وتحضير المركبات الكيميائية الدقيقة، وقد نقل الغرب هذه المعارف واستفاد منها في نهضته العلمية.
نبغ علماء الكيمياء المسلمون في استنباط تطبيقات هامة، ووصفات لمنتجات كان لها استخدامات صناعية أو حربية هامة، وانتقلت هذه التقنيات إلى الغرب في بدايات القرن الثالث عشر الميلادي.
وفيما يلي سوف نرصد أهم هذه التطبيقات الكيميائية:
الكحول: وصف الكندي (ت ٨٦٦م) جهاز التقطير في مؤلفه (كتاب كيمياء العطور والتقطير) حيث يقول: بهذه الطريقة يستطيع المرء تقطير النبيذ باستخدام دورق إنضاج مائي (حمام مائي) وينتج اللون ذاته مثل ماء الورد، أما إضافة الكبريت إلى النبيذ المقطر فهي موجودة في عمل الفارابي (ت ٨٥٠م) ووصف أبو القاسم الزهراوي (ت نحو ١٠١٣م) المعروف في الغرب باسم أبو لكاسس تقطير الخل في جهاز مشابه لذلك المستخدم لماء الورد، مضيفًا أن النبيذ يمكن تقطيره بالطريقة نفسها، ووصف ابن باديس (ت ١٠٦١م) كيف أن برادة الفضة المسحوقة بالنبيذ المقطر يمكن أن تمدنا بوسيلة للكتابة على الفضة.
العطور: من الصناعات التي انتعشت في العالم الإسلامي خاصة صناعة الزيوت الأساسية - تقطير ماء الورد - وكذلك العطور الأخرى والزيوت العطرية، وكانت دمشق مركزًا مهمًا لصناعة هذه العطور، كما كانت هناك معامل تقطير مهمة في الكوفة وبغداد، وكانت المنتجات الصناعية تصدر داخل العالم الإسلامي، كما تصدر بعيدًا إلى الهند والصين.
وفي رسالة (الكندي) حول العطور والتقطير تحتوي على ١٠٧ طرائق ووصفات كيميائية وكانت أجهزة التقطير التي تم استخدامها في غاية البساطة، أحدها على سبيل المثال كان على شكل معوجة من دون حافة حلقية، ولكن توضع في حمام مائي فوق الموقد، ومع بداية القرن الثاني عشر الميلادي بدأ استخدام الأفران الكبيرة التي تشمل ما بين ستة عشر أنبيقًا، وخمسة وعشرين، وقد وصف الدمشقي (ت ١٣٢٧م) مثل هذا الفرن لتقطير الزهور والحصول على ماء الورد.
وفي هذه الحالة تم التسخين بالبخار ونظمت نار الفرن من خلال فتحات بالفرن ذاته بينما رتبت الأنابيب التي توضع فوق حصر على هيئة دوائر فوق وعاء الماء الذي ينتج البخار، ووصف الدمشقي - أيضًا - منشاة صناعية أخرى لإنتاج ماء الورد باستخدام فرن هوائي ساخن بدلًا من الفرن البخاري، كما شملت صناعة التقطير هذه مواد أخرى مثل المسك والعنبر والعطور، كما كان لها تطبيقات عديدة في مجال الصيدلة وتحضير الأدوية.
النفط: كان النفط (البترول الخام) ينتج ويكرر على نطاق واسع في الدولة الإسلامية، وكانت له استخدامات في الحروب، وفي الحياة اليومية.
إن كتاب الأسرار للرازي يقدم لنا وصفًا للزيت الخام وطرق تكريره، ومن هذا الكتاب نعلم أن الزيت الخام كان أولًا مخلوطًا مع الطين الأبيض أو ملح نشادري مكونًا عجينة أشبه بالحساء الكثيف ثم يتم تقطيره، وعدد الرازي استخدامات نواتج التقطير الخفيفة (النفط الأبيض)، كما استخدمت بعض نواتج التكرير للتليين أو تقليل الاحتكاك في الآلات والعجلات الحربية وعربات النقل، وقد أفاد الرازي في أعماله الطبية والكيميائية من زيت المصابيح (النفاطة) لتسخين بعض الكيماويات تسخينًا خفيفًا، وكان وقود الاحتراق لهذه العمليات إما زيوت النبات، وإما البترول.
كما وجدت الأسفلتيات - أيضا - بكثرة وكان القير (النفط الأبيض) والزفت ينتجان في العراق، ويصدران وكان استخداماتهم معروفة في العزل، وفي صناعة السفن، كما كان يدخل كمكون في الوصفات لكثير من الأسلحة المحرقة.
الأحماض والقواعد: كان من أهم إنجازات الكيمياء النظرية العربية، وأعمال جابر بن حيان وتلاميذه، اكتشاف الأحماض غير العضوية وهي نواتج تقطير حجر الشب وملح النشادر (كلوريد النشادر) والملح الصخري (نيترات البوتاسيوم) وملح الطعام بنسب مختلفة بالإضافة إلى الزاج، وكان الزاج مصطلحًا يستخدم قديمًا لبلورات الكبريتات المائية وصار بعد ذلك مرادفًا لحامض الكبريتيك.
كانت التطبيقات التي تستخدم فيها هذه الأحماض عديدة وفتحت أبوابًا جديدة في الكيمياء التطبيقية، وفي مخطوطة لجابر بن حيان بعنوان (صندوق الحكمة) يصف جابر بدقة شديدة تحضير حامض النيتريك وصفًا كيمائيًا.
ولقد عثر على مخطوطة باللغة اللاتينية عنوانها (Summa Perfections) وهي ترجمة لكتاب جابر (نهاية الإتقان) وهي من مصنفات جابر الأكثر أهمية في علم الصنعة الكيميائية والمخطوطة اللاتينية ترجمت في حوالي سنة ٠ ١٣٠م، وورد وصف تحضير حامض الكبريتيك في مؤلفات أخرى لجابر والرازي، كما ورد طرق تحضير حمض الهيدروكلوريك في وصفة كمية للرازي وكان يعرف باسم (روح الملح)، وكان الحصول على حامض الخليك معروفًا ومتداولًا في تلك الفترة.
كما أوردت مخطوطات تعود إلى القرن الثاني والثالث الهجري وصفات لحامض السيليكوني (مركب من السيليكون والأكسجين والهيدروجين) وكان له استخدامات عديدة لإنتاج مواد غير قابلة للذوبان في الماء وكان يستخلص من الخيزران، ومن ناحية أخرى كان الطلب عظيمًا على الصودا والبوتاس لصناعة الزجاج وأدوات الصقل والصابون، وكانت مصادرها النطرون ورماد النبات.
والنطرون عبارة عن كربونات الصوديوم الخام التي توجد في صحراء مصر (وادي النطرون) وكلمة نطرون بالإنجليزية Natron مشتقة من الأصل العربي، ومن ثم جاء الرمز الكيميائي للصوديومNA.
ومن الإنجازات العلمية التي يفخر بها الكيميائيون العرب المعاصرون أعمال (أبي منصور) الموفق في القرن العاشر الميلادي الذي كان أول من ميز بوضوح بين كربونات الصوديوم وكربونات البوتاسيوم على الرغم من التشابه الكبير في الصفات الفيزيائية والكيميائية بينهما، كما تم تحضير هيدروكسيد الصوديوم (الصودا الكاوية) ووصف الرازي عملية التحضير وصف دقيقًا في الأسرار.
الحديد والصلب: في رسالة موجهة إلى (بعض إخوانه في السيوف) قدم (أبو يوسف بن إسحاق الكندي)، فيلسوف العرب، (ت ٨٥٠م) معلومات تقنية هامة عن تصنيع السيوف وقدم في هذه الرسالة دراسة مستفيضة عن أنواع الحديد والصلب والتي تصنع منها السيوف (فاعلم أن الحديد الذي يمكن استخدامه في صناعة السيوف إما طبيعي أو مصنع.
أما الطبيعي فنوعان:
الأول: يسمى شبورقاني وهو صلب قابل للتسخين قبل السقية.
أما الحديد غير الطبيعي (المصنع) فأهم أنواعه الفولاذ، واستمر الكندي في وصف إضافات العناصر المختلفة للحصول على أفضل أنواع الفولاذ والحديد.
وفي كتاب (الجماهر في معرفة الجواهر)، فإن (البيروني ٩٧٣ - ٠٤٨ ١م) قدم شرحًا لبوتقة صهر الحديد الدمشقي، كما قدم (الجلدكي ت١٣٣٩م) دراسة وتعليق على أبحاث (جابر ابن حيان) الخاصة بالحديد الزهر في مقالة بعنوان (كتاب الحديد) حيث ناقش وبدقة فائقة العمليات الصناعية اللازمة لإخراج الحديد المطلوب، كما ذكر القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى) مصانع لسبك وصهر الحديد والنحاس وغيرهما في دمشق أثناء الخلافة الأيوبية، وهناك مصادر عديدة تؤكد وجود صناعة متطورة في هذا المجال.
مراجع للاستزادة:
روحي الخالدي: الكيمياء عند العرب دار المعارف - القاهرة: ١٩٥٢م.
عمر فروخ: تاريخ العلوم عند العرب دار العلم للملابين ٩٧٧ ١م.
محمد الحسيني مجد العزيز: الحياة العلمية في الدولة الإسلامية وكالة المطبوعات - الكويت.
إننا حين نتأمل إنجازات الكيمياء الصناعية في الحضارة الإسلامية، ندرك أن عقولًا استثنائية مهدت الطريق لما نعيشه اليوم من تقدم علمي، وفي ظل هذه الريادة المشرقة، تقع على عاتقنا مسؤولية إحياء هذا المجد، لا بالتغني به، بل ببناء مستقبل يوازيه ويعلو عليه، مستلهمين من تلك العقول شعلة الإبداع والابتكار.
لم تولد الكيمياء من فراغ، بل نشأت من تجارب حرفية قديمة ترسخت في حضارات كبرى.
هي فن وعلوم تحضير الأدوية واستخدامها في علاج الأمراض.
هو أحد فروع العلوم الطبيعية الذي يعني بدراسة الكائنات الحية.