Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المكتبــات

الكاتب

أ. د. عبد الستار الحلوجي

المكتبــات

شكلت المكتبات الإسلامية إنجازًا حضاريًّا عظيمًا، نشأت مع انتشار الإسلام وتطور حركة التدوين، وشملت أنواعًا مختلفة كالمكتبات الخاصة، والمسجدية، والمدرسية، واحتوت هذه المكتبات على كنوز معرفية ضخمة، وقدمت خدمات فريدة لطلاب العلم، مما جعل الحضارة الإسلامية منارة للعلم والثقافة رغم التحديات التي واجهتها.

نشأة المكتبات في الحضارة الإسلامية

كان العرب  في جاهليتهم أمة غلبت عليها الأمية، ولذلك لم يعرفوا الكتب والمكتبات إلا بعد ظهور الإسلام وانتشار الكتابة بينهم، وبعد أن استشعروا الحاجة لتدوين الكتب: حيث إن المكتبة ظاهرة حضارية لا توجد إلا إذا وجدت الكتب وكثرت، وظهرت الحاجة إلى اقتنائها وتنظيمها لتيسير استخدامها؛ فالمسعودي يروي  في كتابه "مروج الذهب" أن معاوية بن أبى سفيان كان "ينام ثلث الليل ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكائد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون وقد وكلوا بحفظها وقراءتها"، ويذكر الجاحظ في كتابه "الحيوان" أن يحيى بن خالد البرمكي كانت عنده خزانة كتب تضم ثلاث نُسَخ من كل كتاب.

عوامل نشوء المكتبات الإسلامية

وإذا كان القرن الأول الهجري يمثل فترة الحضانة بالنسبة لتاريخ المكتبات الإسلامية، فإن القرن الثاني هو الذي شهد البداية الحقيقية للمكتبات وذلك بفعل عوامل أربعة:

 أولها: حركة التدوين التي بدأت بتدوين الحديث النبوي الشريف في عهد عمر بن عبد العزيز في مطلع القرن الثاني.

وثانيها: حركة التأليف التي امتدت جذورها إلى القرن الأول ولكنها نشطت في هذا القرن وبلغت ذروتها في القرنين الثالث والرابع الهجريين. ويكفي أن نذكر من رجال القرن الثاني أبا عمرو بن العلاء (ت ١٥٤هـ) الذي يذكر الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين" أن كتبه التي كتبها عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتًا له إلى قريب من السقف.

 وثالثها: حركة الترجمة التي   بدأت في عصر بني أمية ولكنها ازدهرت ازدهارًا رائعًا في عصر الخليفة العباسي المأمون.

 ورابعها: صناعة الورق في بغداد في زمن الرشيد وما ارتبط بها من صناعة الوراقة التي كانت تقابل صناعة النشر في العصر الحديث.

أنواع المكتبات في الحضارة الإسلامية

ولقد عرف المسلمون كل أنواع المكتبات التي تتباهى بها الدول المتقدمة في العصر الحديث، فظهرت المكتبات الخاصة التي بلغت بعضها من الضخامة حدًا يصعب تصوره في عصر المخطوطات، فخزانة الواقدي (ت٢٠٧هـ) بلغت ستمائة قمطر كلٌ منها حمل رجلين كما يذكر صاحب "الفهرست"، وخزانة عضد الدولة البويهي (ت٣٧٢هـ) بشيراز" لم يبق كتاب صنِّف إلى وقته في أنواع العلوم كلها إلا وحصله فيها" كما يقول المقدسي في كتابه "أحسن التقاسيم"، وخزانة الصاحب بن عباد (ت٣٨٥هـ) اشتملت على مائتين وستة آلاف مجلد كما يذكر ياقوت الحموي في "معجم الأدباء "وبلغ فهرسها عشرة مجلدات، ووصفها آرثر بوب في كتابه Masterpieces of Persian Srt بأنها كانت تضم من الكتب ما يعادل ما كان موجودُا في مكتبات أوربا مجتمعة.

وكان أهل قرطبة "أشد الناس اعتناء بخزائن الكتب" كما يقول المقري في كتابه "نفح الطيب"، ولم تكن المكتبات الأندلسية قاصرة على الرجال، فابن بشكوال يذكر لنا في كتابه "الصلة" أن عائشة بنت أحمد بن محمد بن قادم (ت٤٠٠هـ) كانت تملك خزانة علم كبيرة.

نماذج بارزة للمكتبات الإسلامية

ولعل أعظم المكتبات الخاصة هي تلك التي ارتبطت بقصور الخلافة العباسية في العراق، والخلافة الأموية في الأندلس، والخلافة الفاطمية في مصر.

(أ) ففي بغداد أنشأ الرشيد خزانة الحكمة في أواخر القرن الثاني وازدهرت في عصر المأمون حتى نسبها إليه كثير من المؤرخين، ولم تكن هذه الخزانة مجرد مستودع للكتب كما قد يوحي بذلك اسمها، وإنما كانت مركزًا للثقافة ومنتدى للعلماء وقاعة بحث للدارسين ومركزًا لترجمة الكتب ونسخها، بل لقد كانت مسرحًا لأكبر حركة ترجمة شهدها التاريخ العربي والإسلامي، ولذا ارتبطت بها أسماء كثير من المترجمين مثل يوحنا بن ماسويه، ويوحنا بن البطريق، وحنين بن إسحق.

(ب) وفي قرطبة أنشأ الحكم المستنصر الذي ولى الخلافة من ٣٥٠-٣٦٦هـ مكتبة، جمع فيها ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله، حتى بلغت اربعمائة ألف مجلد في رواية المقري في "نفح الطيب"، وذكر ابن خلدون في كتابه "العبر" أن فهارسها بلغت أربعًا وأربعين كراسة في كل منها عشرون ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين.

(ج) وفي القاهرة أسس العزيز الفاطمي سنة ٣٧٨هـ مكتبة ضخمة، وصفت بأنها من عجائب الدنيا، وذكر المقريزي في خططه" أن كتبها تجاوزت مائتي ألف،  في حين ذهب أبوشامة في كتابه" الروضتين" إلى أنها بلغت مليونين، وإلى جانب المكتبات الخاصة وجدت مكتبات المساجد منذ وقت مبكر، فقد كان المسجد هو المدرسة الأولى والمكان الطبيعي لحلقات العلم ومجالس الإملاء، وكان وقف الكتب على المساجد - ومازال - شائعًا في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فياقوت الحموي يذكر في "معجم البلدان" انه رأى في جامع مرو (سنة ٦١٦هـ) خزانتين بلغت مجلدات إحداهما أثني عشر الفًا، ولم تكن تلك المكتبات تقتصر على الكتب الدينية وإنما كانت تضم كتبًا في مختلف علوم الدنيا والدين.

دور المكتبات في نشر العلم والثقافة

ولا تزال ظاهرة ارتباط المكتبات الإسلامية بالمساجد ماثلة حتى أيامنا هذه في كثير من الدول العربية والإسلامية، فالجامع الأزهر في القاهرة، وجامع الزيتونة في تونس، والجامع الكبير في صنعاء، كل منها له مكتبته الضخمة التي تزخر بنفائس التراث العربي والإسلام، وإلى جانب المكتبات الخاصة ومكتبات المساجد انتشرت المكتبات العامة من حدود الصين شرقًا إلى حدود فرنسا غربًا وشمالًا.

فقد كان بعض العلماء يوقفون كتبهم على المدن التي أقاموا بها أو تعلموا فيها كما فعل الصاحب بن عباد الذي أوقف مكتبته على مدينة الري فأصبحت مكتبة عامة لها بمد وفاته.

 وفي الموصل أسس جعفر الموصلي خزانة كتب عامة، وفي البصرة أنشا أبوعلي ابن سوار أحد رجال حاشية عضد الدولة دار للكتب، وصفها الحريري في "مقاماته" ورحل إليها أبو العلاء المعري وذكرها في "رسالة الغفران".

وفي طرابلس الشام أسس بنو عمار في القرن الخامس الهجري دارًا للعلم ضمت مكتبة عامة كأن يعمل بها أكثر من مائة وثمانين ناسخًا يتناوبون العمل في الليل والنهار، وقُدِّرت كتبها في بعض الروايات بثلاثة ملايين مجلد.

وفي أوائل القرن السابع يحدثنا ياقوت في "معجم البلدان" عن عشر مكتبات عامة في مرو لم ير في الدنيا مثلها كثرة وجودة، ويقول إن بعضها كان في أبنية خاصة، وإنها جميعًا كانت مجانية وكانت الإعارة فيها بدون رهن.

استمرارية المكتبات الإسلامية وتأثيرها

وإذا كانت المكتبات العامة اليوم تُعدّ مقياسًا لرقي الأمم والشعوب، فلقد سبق المسلمون أمم العالم المتقدم في إنشاء هذا النوع من المكتبات، والشيء الذي يلفت الانتباه حقًا أن تلك المكتبات لم تكن مباحة لمختلف فئات الشعب فحسب، وإنما كان بعضها يقدم الأوراق والأقلام والمداد للرواد من طلاب العلم، وكان بعضها الآخر يمضي إلى ما هو أبعد من ذلك فيقدم لهم الطعام والشراب والنفقة كما كانت تفعل مكتبات البصرة والموصل ورام هرمز، فالمقدسي يروي لنا أن:" أبا علي بن سوار (ت٢ ٣٧هـ) أنشا مكتبتين في البصرة ورام هرمز (على شاطئ الخليج) وجعل فيهما إجراء على من قصدهما ولزم القراءة والنسخ فيهما"، وياقوت الحموي يذكر في "معجم الأدباء" أن مكتبة دار العلم التي أنشها جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي بالموصل "لم يكن يمنع أحدًا من دخولها إذا جاءها غريب يطلب الأدب، وإن كان معسرًا اعطاه وَرَقًا ووِرقًا "، ومع ظهور المدارس في القرن الخامس الهجري ظهرت المكتبات المدرسية، وكانت هذه المدارس بمثابة جامعات، وكانت مكتباتها أقرب ما تكون إلى المكتبات الجامعية في العمر الحديث، فالمدرسة الفاضلية التي أنشئت في القاهرة في عصر صلاح الدين بدأت بمكتبة قدرت بمائة ألف كتاب، كما يروى المقريزي في "خططه"، والمدرسة النظامية في بغداد كانت لها مكتبة ضخمة عند إنشائها، وجدد عمارتها الناصر لدين الله العباسي في سنة ٥٨٩هـ ونقل إليها من الكتب النفيسة ألوفًا لا يوجد مثلها، ويذكر ابن الأثير في كتابه "الكامل" أن فهرسها كان يضم ستة آلاف مجلد.

وفي سنة ٦٣١هـ تم بناء المدرسة المستنصرية في بغداد وقدرت الكتب التي نقلت إليها يوم الافتتاح بثمانية آلاف مجلد كما يروي ابن القوطي في كتابه "الحوادث الجامعة"، وكان يقوم على إدارة تلك المكتبات أمناء علماء مثل الإسفراييني أول خازن لمكتبة المدرسة النظامية، وابن القوطي المؤرخ خازن مكتبة المدرسة المستنصرية في أواخر القرن السابع الهجري، ولم تقف عناية المسلمين بالمكتبات عند هذا الحد، وإنما تجاوزته إلى أفق آخر لم تبلغه الدول المتقدمة اليوم، فقد أقاموا المستشفيات وأطلقوا عليها المارستانات (أي بيوت المرضى) وزودوها بمكتبات قُدِّرت بعشرات الألوف، حتى ليقال: إن الكتب في مستشفى قلاوون بالقاهرة بلغت مائة ألف مجلد فيها الكتب الطبية التي تخدم الأطباء، والكتب الترفيهية التي تلبى حاجات المرضى.

تدمير المكتبات الإسلامية بسبب الفتن الداخلية والغزوات الخارجية

ولكن هذه المكتبات التي حفظت تراث العرب وتراث البشرية كلها مترجمًا إلى لغتهم، لم تلبث أن تعرضت للدمار نتيجة لفتن داخلية أحيانًا، سياسية أو مذهبية أو اقتصادية، ونتيجة للغزو الخارجي في أحيان أخرى، ففي سنة ٤٦١هـ - على سبيل المثال - تعرضت مصر لأزمة اقتصادية تسببت في تأخر دفع رواتب الجند المغاربة، فوثبوا على مكتبة القصر وأحرقوا أوراق كتبها واتخذوا من جلودها نعالًا لهم "وبقي منها ما لم يحرق وسفت عليه الرياح التراب فصار تلالًا تعرف بتلال الكتب" كما يذكر المقريزي في "خططه"، وبعد سقوط الدولة الفاطمية استطاع بعض العلماء أن يقنعوا صلاح الدين بأن يقضي على مكتبة الخلافة باعتبارها تراثًا شيعيًا يخشى منه على عقائد الناس، فأُحرقت أعداد هائلة من كتبها، وفي الأندلس تبددت كنوز مكتبة الحاكم المستنصر حينما حاصر البربر قرطبة واقتحموها في مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، ثم توزعها ملوك الطوائف بعد ذلك، وتجمعت بقاياها في أواخر القرن السادس عشر للميلاد بقصر الاسكوريال قرب مدريد، ويقدر عدد الكتب الإسلامية التي أحرقت في أسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر بما يقرب من مليون كتاب، وإلى جانب الفتن الداخلية كان العدوان الخارجي أشد فتكًا بمقتنيات المكتبات الإسلامية، فحينما احتل الصليبيون طرابلس سنة ٥٠٢هـ أحرقوا مكتبة بني عمار، وحينما دهم هولاكو بغداد سنة ٦٥٦هـ جعل من خزانة الحكمة طمعًا للنيران، وألقى ما تبقى منها في النهر، حتى قيل إن مياه دجلة قد اسودت لكثرة ما ألقى فيها من مداد العلماء، وإن الكتب كانت من الكثرة بحيث كونت ثلاثة جسور معقودة يعبر عليها الناس، وكان تدمير تلك المكتبات تدميرًا للمراكز العصبية للحضارة الإسلامية، فبدأت شمسها تجنح إلى مغيب.

الخلاصة

شكلت المكتبات في الحضارة الإسلامية ركيزة أساسية لنشر العلم والثقافة، حيث نشأت نتيجة لتطور حركة التدوين والتأليف والترجمة وصناعة الورق، تنوعت المكتبات بين خاصة وعامة ومدرسية ومسجدية، واحتوت على مجموعات ضخمة من الكتب في شتى العلوم، كما لعبت دورًا محوريًا في دعم العلماء والطلاب، مما جعل الحضارة الإسلامية منارة علمية في العصور الوسطى.

موضوعات ذات صلة

 هي سجلات لحفظ البيانات وقد أعد في أول الأمر للجنود وتطور إلى أقصى درجة وزادت الدواوين في عهد بني أمية.

الرباط بين الدين والأخلاق والحضارة رباط وثيق.

شهدت الحضارة الإسلامية اهتمامًا بالغًا بالتعليم، حيث اعتُبر بناء الإنسان علميًا وأخلاقيًا من ركائز نهضتها.

موضوعات مختارة