ويكاد يقع الاتفاق بين المفكرين الذين
اهتموا بالتأليف في آداب البحث والمناظرة على أن المناظرة الجيدة تحتاج إلى
استكمال الشروط الآتية:
١- ألا يحتج أحد الطرفين على خطأ الآخر بخطأ مثله:
كما يحدث بين الفرق والمذاهب الفلسفية بأنهم يعارضون أقوال خصومهم الباطلة بأقوال
أخرى باطلة، لا بحثًا عن الحق ولكن إبطالًا لرأى خصمه، وهذا خطأ فاحش.
٢- ألا يحتج أحد المتناظرين على صحة قوله بقوله
هو فيكون مصححًا للشيء بنفسه ومن ظهر له البرهان فتمادي في باطله يكون معاندًا لا
طالبًا للحقيقة، ومن يسارع إلى اعتقاد كل ما يسمع بلا برهان فليس بباحث عن الحق،
وإنما هو كحاطب ليل يتلقف كل ما يتلقاه، وكثرة أدلة المناظر دليل على قوة حقه.
٣- أن يكون هدف المتناظرين نصرة الحق والكشف
عنه، فيكون السؤال مبينًا واضحًا سليمًا من النقص واللبس، وأن يلتزم كل طرف منهما
بما يطلبه الطرف الآخر، ولا يرضى كل منهما من الآخر إلا بالحق الواضح، وليس
بالمجاملة على حساب الحق، لأنه ليس على المرء إلا مناصرة الحق.
٤- أن يثبت كل منهما ما أدى إليه البرهان وينفي
ما نفاه البرهان، ويتوقف فيما لم يثبته البرهان ولم ينفه حتى يلوح له الحق، ولا
ينتظر أن يقر له خصمه بلسانه لأنه ربما كان معاندًا للحق، وليس من شأنه جبر
الألسنة على النطق بالحق بل يكفيه إذعان القلب له لأن القلب قد يقتنع بالحق الواضح
بنفسه وينكره اللسان، ويجب عليه أن يعتصم بالحق وإن كان آتيا على لسان خصمه ولا يتأبى
على ذلك لأن رفضه للحق أضر على قلبه من عوده إلى قول خصمه.
٥- التحلي بالإنصاف لأن ذلك يكسب صاحبه الذكر
الحسن وألا يهتم بطلب الغلبة بل يكون البحث عن الحق نصب عينيه، ويبادر بالعودة
إليه بدلًا من التمادي في الباطل.
٦- الابتعاد عن التقليد والتعصب فلا يجعل مجيء
القول على لسان فلان دليل صدقه فالتقليد مذموم من الله، مرفوض من العقل، ولايستوحش
المرء مع الحق أحدًا، فمن كان معه الحق فالحق تعالى معه، ولا تبال بكثرة خصومك ولا
بتعظيم الناس لهم، فالحق أكبر منهم وأعظم، ولك في أنبياء الله قدوة حسنة.
٧- ألا يثني على نفسه بنفسه، لأن مدح الإنسان
نفسه مدعاة لقدح الغير فيه، ومجيء المدح على لسان الغير أولى وأحسن، ولا يحقر خصمه
عند غيره؛ لأنه ربما يجد عند خصمه من الحق مالا يستطيع دفعه.
٨- وللمناظر أن يعود نفسه على سماع حجة كل قائل وتأملها، فإذا لزمه
البرهان كان انقياده للحق أولى من تماديه في الباطل، وإلا كان مكابرًا معاندًا لا
طالب حق.
ويوصي العلماء المتناظرين إذا كان موضوع
المناظرة يتعلق بالملة أن يلجأ كل منهما إلى البرهان العقلي الذي يعتمد على
المعارف الأولية الضرورية أو الحسية ليصحح لكل منها قوله إن أراد ذلك، وإذا كانا يتناظران
حول مذهب ونحلة كالفرق المختلفة المذهب، فإن معرفة الحق بينهما تكون بالرجوع إلى
القرآن أو الإجماع المتيقن.