Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الحق

الكاتب

أ.د إبراهيم محمد تركي

الحق

يُستخدم لفظ "الحق" في مجالات المنطق والأخلاق والمعاملات والميتافيزيقا، وقد ورد لفظ "الحق" كثيرًا في القرآن الكريم ليدل على معان متعددة، كلها تنسجم مع المعنى اللغوي، ويستخدم لفظ "الحق" في مجالي الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي متخذا معنى أخلاقيًا.

الحق في اللغة

هو الثابت، واللائق، والصحيح، والمستقيم، والواجب، والعمل الذي يحدث حتمًا، وصدق القول، والوفاء بالوعد، وهو اسم من أسماء الله تعالى.

الحق في الاصطلاح

وفي الاصطلاح: يطلق الحق على معان متعددة منها:

- الحكم المطابق للواقع، ويقابله الوهم حيث لا تكون هناك مطابقة بين الحكم والواقع. والحق بهذا المعنى يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك.

- مطابقة الواقع للاعتقاد، ويقابله الباطل، كما أن الصدق ما هو إلا مطابقة الاعتقاد للواقع، ويقابله الكذب.

- والاعتقاد الحق هو ذلك الاعتقاد الذي يخلو من الأوهام والأباطيل والأكاذيب.

- الحق هو مطابقة باطن الشيء لظاهره، وهو بذلك يكون ضد الزيف.

فالحق هنا يكون ذا طابع أخلاقي عندما يعتبر مضادًّا للرياء؛ وذلك لأن الرياء فيه زيف، إذ إن الجواني بذلك يكون عكس البراني، فالمرائي يتظاهر بما ليس فيه. والحق كذلك يكون مضادًّا للنفاق؛ لأنه مدح للغير بما ليس فيه، ولأن ما يعتقده وما يوجد في قلبه يكون عكس ما يقوله بلسانه.

-الحق هو ما كان فعله مطابقًا لقاعدة محكمة، وحق على المرء أن يفعل كذا أي وجب عليه، وحق لك أن تفعل كذا أي كان فعله حقيقًا بك، وكنت حقيقًا بفعله. وفي الحديث: «إن الله أعطى لكل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث» أي حظه ونصيبه الذي فرض له. والحق بهذا المعنى يستدعي التنفيذ، لأن القوانين والعقود تفرضه، كقولنا: حق الدائن، وحق العامل، أو لأن الرأي العام والأخلاق والعادات توجبه. وبذلك، فإنه يمكن القول بأن الحق والواجب إضافيان، فإذا كان الفعل واجبا على أحد الرجلين كان حقًّا للآخر، مثال ذلك علاقة الدائن بالمدين، فإذا وجب على المدين أن يوفي الدائن حقه، حق للدائن أن يستوفي ذلك الدين. على أن الحق أضيق من الواجب؛ لأنه إذا وجب على الغني أن يتصدق على الفقير بشيء من المال فليس يحق للفقير أن يطالبه به. لذلك، فإنه يمكن التفرقة بين الواجبات الملزمة والواجبات الواسعة، فالواجبات الملزمة هي الواجبات المقابلة للحقوق التي تستوجب التنفيذ، والواجبات الواسعة هي الواجبات المقابلة للحقوق التي لا يستطيع صاحبها أن يطالب بتنفيذها. وسواء أكانت الواجبات المقابلة للحقوق ملزمة أو غير ملزمة، فإنها في نظر الفلاسفة ثابتة ومطلقة.

- الحق ما تسمح القوانين الوضعية بفعله، سواء كان ذلك السماح صريحًا، أو كان نتيجة مبدأ عام يسوِّغ كل فعل غير محظور، أو هو ما تسمح العادات والأخلاق بفعله، سواء كان ذلك الفعل عملا صالحًا أو عملاً لا علاقة له بالأخلاق الفاضلة.

- وهناك تفرقة بين الحق الطبيعي والحق الوضعي، فالحق الطبيعي هو مجموع الحقوق اللازمة عن طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان، والحق الوضعي هو مجموع الحقوق المنصوصة في القوانين المكتوبة والعادات الثابتة.

- والحق اسم من أسماء الله الحسنى، ويكثر استخدامه للدلالة على الذات الإلهية. وقد تحدث عنه الصوفية باعتبار أنه يقابل الخلق؛ إذ إنه تعالى في نظرهم الوجود المطلق غير المقيد بأي قيد.

ويتضح من ذلك أن لفظ (الحق) يُستخدم في مجالات المنطق والأخلاق والمعاملات والميتافيزيقا.

ومن الواضح أن هذا المعنى الاصطلاحي قد يختلف أحيانًا عن المعنى اللغوي؛ إذ إنه في حين أن المعنى اللغوي يدور حول الثبوت، فإن المعنى الاصطلاحي يدور حول المطابقة، ويبدو أن هذا المعنى قد ابتدعه مفكرو الإسلام.

ومن الملاحظ أن كلمة (الحق) ومشتقاتها قد وردت كثيرًا في القرآن الكريم لتدل على معان متعددة، وإن كانت في مجملها لا تخرج عن المعنى اللغوي الذي أشرنا إليه أعلاه، والذي يفيد أن الحق هو الثابت الصحيح، وهو ضد الباطل.

الحق في القرآن الكريم

والحق لفظ كثير الورود في الكتاب الكريم، والمراد منه على سبيل التعيين يختلف باختلاف المقام الذي وردت فيه الآيات، ومعناه العام لا يخلو من معنى الثبوت والمطابقة. ويمكن أن نشير إلى هذه المعانى في شيء من الإيجاز كما يلي:

١- حق الأمر أي ثبت ووجب، كما في قوله تعالى: ﴿‌فَرِيقًا ‌هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُ﴾ [الأعراف:٣٠].

وهناك آيات كثيرة وردت فيها كلمة الحق بهذا المعنى.

٢- حُق الشيء أي خضع وانقاد، كما في قولـــــــــه تعـــالى: ﴿وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا ‌وَحُقَّتۡ * وَإِذَا ٱلۡأَرۡضُ مُدَّتۡ * وَأَلۡقَتۡ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتۡ * وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ﴾ [الانشقاق: ٢-٥].

٣- وأحق الله الحق أي أظهره وأثبته للناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن ‌يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [الأنفال:٧].

٤- استحق الشيء أي استوجبه، كما في قولــــــه تعالى: ﴿وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن ‌يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧] أي استوجبا إثمًا.

٥- استحق عليه أي وقع عليه، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنۡ ‌عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمًا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ [المائدة:١٠٧].

أي فشاهدان آخران يقومان مقامهما من الذين وقع عليهم ضرر الشهادة وجُني عليهم بها، وهما الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتها ومعرفتهما.

٦- الحق هو الله؛ لأنه تعالى هو الموجود الثابت لذاته، كما ورد في قوله تعالى: ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ‌ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّ﴾ [طه:١١٤] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ ‌هُوَ ‌ٱلۡحَقُّ}[الحج:٦] فالحق هنا يعتبر صفة أو اسمًا لله تعالى تعبر عن الموجود الثابت الذي لا يتغير، وقوله تعالى: ﴿فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ‌ٱلۡحَقَّ ‌لِلَّهِ﴾ [القصص: ٧٥] أي أن الألوهية ثابتة لله وحده لا يشاركه فيها سواه.

٧- الحق بمعنى كُتُب الله وما فيها من العقائد والشرائع والحقائق، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدۡ ‌كَفَرُواْ ‌بِمَا ‌جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ﴾ [الممتحنة:١] فالحق هنا يعني الشريعة: ﴿وَمَا نَزَلَ ‌مِنَ ‌ٱلۡحَقِّ﴾ [الحديد:١٦] والحق هنا يعني كتب الله وما فيها من العقائد والشرائع.

٨- الحق يعني الأمر الواقع لا محالة الذي لا يتخلف، كما ورد في قولـــــــــــــه تعالى: ﴿أَلَآ ‌إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ ‌أَلَآ ‌إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّ﴾ [يونس:٥٥]. أي أن وعد الله لابد أن يقع ويثبت.

٩- من معاني الحق في القرآن أنه أحد حقوق العباد، وهو ما وجب للغير ويتقاضاه، أو هو الواجب الذي ينبغي أن يطلب، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقٌّ ‌لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] أي واجب مقرر يتقاضونه.

١٠- الحق بمعنى العلم الصحيح، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ ‌ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡئًا﴾ [النجم: ٢٨] أي العلم الصحيح.

١١- الحق بمعنى العدل، كما في قوله تعالى: ﴿‌وَسِعَ ‌رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] أي احكم بيننا بما جرت به سنتك في الفصل بالعدل بين المهتدين والضالين.

 ١٢- الحق بمعنى الصدق كما في قوله تعالى: ﴿‌وَكَذَّبَ ‌بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] أي الصادق المنزل من الله.

١٣- الحق بمعنى البيِّن الواضح، كما في قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ‌ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ‌حَقًّا﴾ [الأنفال:٤] أي إيمانًا واضحًا تامًّا.

١٤- الحق بمعنى الحكمة التي يتم الفعل بموجبها، كما في قولــــــه تعالى: ﴿‌مَا ‌خَلَقَ ‌ٱللَّهُ ‌ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾ [يونس:٥].

١٥- الحق بمعنى المسوِّغ بحسب الواقع، كما في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي ‌حَرَّمَ ‌ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]. أي إلاّ بالسبب المسوّغ.

 ١٦- الحق بمعنى التام الكامل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ‌حَقُّ ‌ٱلۡيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]. أي اليقين الثابت الكامل أو التام.

 ١٧- وقد ورد أفعل تفضيل (أحق) بمعنى أولى، كما ورد في مثل قوله تــعـــالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ ‌أَحَقُّ ‌بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ [البقرة:٢٢٨] أي أصحاب الحق.

 يتضح مما سبق أن كلمة (الحق) قد استخدمت في القرآن الكريم بمعان متعددة تزيد زيادة ملحوظة عما ورد في المعاجم اللغوية من معان لهذه الكلمة.

 ويمكننا أن نلاحظ مما سبقت الإشارة إليه بصدد معنى (الحق)، سواء في اللغة أو في الاصطلاح أو في الاستعمال القرآني، أن هناك أبعادًا ثلاثة يمكن دراسة الحق من خلالها، وهي: البعد الأخلاقي، والبعد المنطقي، والبعد الميتافيزيقي.

إذا أردنا أن نتحدث عن البعد الأخلاقي للحق، فإنه من الممكن أن نلاحظ أن استخدام الحق في مجالي الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي قد اتخذا معنى أخلاقيًا. وهذا أمر مقرر؛ لأنه من الثابت أنه توجد علاقة بين الأخلاق والقانون الوضعي من جهة، وبين الأخلاق والشريعة الإسلامية من جهة أخرى، وذلك على نحو ما هو مبين في غير هذا الموضع.

لذلك، فإنه إذا كان الحق يعد قيمة من أهم القيم الأخلاقية، فإنه لا غرو أن يحتل مكانة بارزة في المباحث القانونية والشرعية على السواء.

فمن الملاحظ أن كلاً من الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي يستخدم مصطلح (الحق)، وذلك للدلالة على الأمور الآتية:

الحقُّ في مجال الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي إنما هو مصلحة ذات قيمة مادية أو أدبية يحميها الشرع والقانون.

وكذلك فإن الحق في هذا المجال إنما هو اختصاص يتم بموجبه تخويل صاحبه سلطة ما، وهو بذلك يكون مقابلاً للواجب الذي يكون صاحبه مكلفًا بأدائه. فهذا الاختصاص ما هو إلا علاقة بين شخص وشخص آخر، (أو بين شخص وعدة أشخاص) وتشمل الحق الذي يكون موضوعه المال، كالديْن في الذمة لأي سبب كان، أو الذي يكون موضوعه ممارسة سلطة شخصية، كممارسة الولي ولايته والوكيل وكالته، وكلاهما حق لشخص اكتسبه بموجب الشرع والقانون نتيجة لعلاقته بشخص أو أشخاص آخرين. ولا معنى للحق هنا إلا عندما يكون هناك ميزة ممنوحة لصاحبه وممنوعة عن غيره.

الحق في الشريعة والقانون

والحق أيضًا في مجال الشرع والقانون قد يراد به السلطة على شيء معين، كحق الملكية؛ لأنها سلطة لإنسان على ذات الشيء، وحق الانتفاع بالأعيان وحق الولاية على المال.

ومن الثابت في الشريعة والقانون أن كل حق لشخص يقابله واجب يقع على عاتق غيره، وهذا الواجب قد يكون عاما ويدخل فيه جميع الناس ما عدا صاحب الحق، وعليهم أن يمتنعوا عن التعرض له في استعمال حقه، وهو واجب سلبي لا يلزم المرء بالقيام بأي عمل، وإنما يلزمه فقط بالامتناع عن الاعتداء على حق الغير. وقد يكون هذا الواجب شخصيًا أو خاصًا، وهو الواجب الذي يقابل نوعًا معينًا من الحقوق دون غيره ويلزم شخصًا معينًا بعمل شيء والامتناع عن عمل شيء لمصلحة صاحب الحق، فهو قد يكون سلبيًا وقد يكون إيجابيًّا.

وعلي أية حال، فإنه يمكن الإشارة إلى أن أحكام الإسلام الشرعية وما يوافقها من أحكام قانونية وضعية قد جاءت لتكريم الإنسان والحفاط على حقوقه. ويمكن أن نذكر من هذه الحقوق:

ا- الحق في الحياة وضرورة المحافظة عليها. ويترتب على هذا الحق: تحريم قتل النفس، وتحريم الانتحار، وتحريم الإذن بالقتل كأن يطلب شخص من آخر أن يقتله، وتحريم المبارزة، وتحريم قتل الجنين.

٢- الحق في المساواة بين الناس كافة؛ فلقد أعلن الإسلام المساواة بين الناس في القيمة الإنسانية المشتركة وفي الحقوق المدنية وشئون المسئولية الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية وسائر الحقوق العامة، ولقد شملت هذه المساواة في الحقوق الرجال والنساء، حيث اعترف الإسلام للمرأة بإنسانيتها كاملة، ومنحها الأهلية التامة في جميع تصرفاتها. كما ساوى الإسلام بين المسلمين وغير المسلمين، فقرر أن الذميين والمعاهدين في بلد إسلامي لهم ما للمسلمين من حقوق حيث تطبق عليهم القوانين نفسها التي تطبق على المسلمين.

٣- الحق في المحافظة على الكرامة الإنسانية، حيث قرر الإسلام تحريم التعذيب للأحياء وتحريم التمثيل بجثث الأموات، وعدم جواز حبس المدين المعسر، والحق في العدل والمساواة بين الناس وتحريم الظلم والتفرقة بينهم على أساس الدين أو الجنس.

٤- الحق في الحرية، ويشمل ذلك حرية العقيدة، وحرية القول والتعبير عن الرأى، وهذه هي الحرية الفكرية التي كانت أساس ظهور المذاهب الفكرية المتعددة التي ظهرت في الحضارة الإسلامية، والحرية المدنية التي تعني أن تكون للإنسان حرية التصرف في أموره الشخصية والمالية، والحرية السياسية التي من مظاهرها الشورى وحق الأمة في اختيار الحاكم عن طريق البيعة، أو المبايعة من أهل الحل والعقد، وأن الخلفاء والحكام هم وكلاء الأمة ولأفرادها حق مراقبتهم ومحاسبتهم ومقاومتهم إذا جاروا في حكمهم.

٥- الحق في التكافل والتعاون والعدالة الاجتماعية، حيث دعا الإسلام لأن يقوم المجتمع على أسس من التوازن، فالقوى يكون ضعيفًا حتى يؤخذ الحق منه، والضعيف يكون قويًّا حتى يؤخذ الحق له.

ويمكن أن يتضح من ذلك أن الإسلام كان أسبق للدعوة إلى حقوق الإنسان وضرورة الالتزام بها والمحافظة عليها، فإذا كان الإنسان يملك كل حقوقه كان كامل الإنسانية، وإذا انتقص له حق من الحقوق كان في ذلك انتقاص من إنسانيته، وكلما تعددت الحقوق التي تُسلب من الإنسان يكون الانتقاص من إنسانيته بنسبة ذلك المقدار.

 وإذا كنا قد أشرنا إلى أن الإسلام لم ينظر إلى الحقوق فقط، وإنما قرر أن الانسان لا يحصل على حقوقه إلا عن طريق ما يؤديه الغير من واجبات نحوه، فإن هذا يعني أن الحقوق والواجبات إنما هي من الأمور المتضايفة التي لا يمكن إدراك أحدها بغير الآخر.

وعلى أية حال، فإنه لابد من الإشارة في هذا المقام إلى أن هناك تفرقة فيما يتعلق بالحق من الناحية الأخلاقية بين حق الله وحق العبد، باعتبار أن حق الله هو حدوده التي لا ينبغي التفريط فيها، وأوامره التي ينبغي فعلها، ونواهيه التي ينبغي تركها، في حين أن حق العبد ليس سوى ما يتعلق بالمعاملات، والفرق بين حق الله وحق العبد: أن الأول لا يجوز التفريط فيه أو التخلي عنه، بينما يجوز أن يتنازل الإنسان عن حقه لغيره كما يتمثل ذلك في العفو وما إلى ذلك.

هكذا يتضح الجانب الأخلاقي في مفهوم الحق الذي هو مقابل للواجب.

إذا كنا قد أشرنا فيما سبق إلى أن الحق قد يعني الصدق، كما أنه قد يعني المطابقة للواقع، فإنه يمكن الإشارة إلى (أن الخطأ والصواب يستعملان في المجتهدات، والحق والباطل يستعملان في المعتقدات، حتى إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفينا في الفروع يجب علينا أن نجيب بأن مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب، وإذا سئلنا عن معتقدنا ومعتقد خصومنا في المعتقدات يجب أن نقول بأن الحق ما نحن عليه والباطل ما عليه خصومنا).

ومعنى ذلك أن الحق يمكن أن يكون له جانبه المنطقي الذي يتمثل في الصدق والمطابقة للواقع.

ومن المعلوم أن كلاً من ((الصدق)) و ((المطابقة للواقع)) إنما يعني عدم التناقض، وهذا هو أحد قوانين الفكر الأساسية التي تبحث في مجال المنطق، ومؤداه أن الشيء ونقيضه لا يجتمعان في زمان واحد ومكان واحد.

وإذا كانت هناك تفرقة بين أحكام الوجود وأحكام القيم، باعتبار أن أحكام الوجود أحكام خبرية تحمل صفة حقيقية على موصوف حقيقي، في حين أن أحكام القيم أحكام إنشائية تتضمن تقديرًا لقيمة الشيء. وهذا يعني أن إطلاق لفظ الحق على الأحكام إنما يكون في مجال الأمور المنطقية، في حين أن الأمور الجمالية أو الأخلاقية لا توصف بالحق أو الباطل؛ إذ إنها توصف فقط بالحسن أو القبح.

إذا كان القرآن الكريم قد أطلق لفظ الحق على الله تعالى باعتباره اسمًا من أسمائه أو صفة من صفاته، كما أشرنا إلى ذلك في غير هذا الموضع؛ فذلك لأن الثبات أو التمام أو الكمال أو ما شابه ذلك من الصفات التي تعتبر من معاني الحق إنما يجب أن تضاف إلى الوجود الإلهي.

الله تعالى هو الحق

ومن الملاحظ أن مفكري الإسلام كثيرًا ما تحدثوا عن الله تعالى بلفظ (الحق)، إلا أن القليل منهم قد حاول تبرير إطلاق هذه التسمية على الله. ويمكن أن نذكر من أبرزهم ابن سينا (٣٧٠-٤٢٨ هجرية= ٩٨٠- ٠٣٦ ١ ميلادية) والغزالي (٠ ٤٥ -٥٠٥ هجرية= ١٠٥٩- ١١١١ ميلادية).

فلقد قال ابن سينا: " أما الحق فيفهم منه الوجود في الأعيان مطلقًا، ويفهم منه الوجود الدائم... فيكون الواجب الوجود هو الحق بذاته دائمًا، والممكن الوجود حق بغيره، باطل في نفسه. فكل ما سوى الواجب الوجود الواحد باطل في نفسه).

هكذا يتضح أن ابن سينا كان يقرر أن الحق المطلق الثابت الدائم إنما هو واجب الوجود بذاته فقط، وهو الله سبحانه وتعالى، في حين أن سائر الممكنات بذاتها والتي قد تكون واجبة بغيرها فإنها تسمى حقًّا إما على سبيل المجاز، وإما لأوجه أخرى غير الثبات والتمام؛ إذ إن وجودها نسبي متغير مؤقت. لذلك، فإنه إذا أطلق عليها اسم الحق، فإنه لا يطلق بالاعتبارات التي يطلق بها على واجب الوجود بذاته...

إلى أن قال: (فإذن، يطلق الحق على الوجود في الأعيان، وعلى الوجود في الأذهان وهو المعرفة، وعلى الوجود الذي في اللسان وهو النطق. فأحق الأشياء بأن يكون حقًّا هو الذي يكون وجوده ثابتًا لذاته أزلاً وأبدا، ومعرفته حقًّا أزلاً وأبدًا، والشهادة له حقًا أزلاً وأبدًا. وكل ذلك لذات الموجود الحقيقي لا لغيره).

ومن الملاحظ أن الغزالي كان أكثر توسعًا في بيان سبب إطلاق (الحق) على الله سبحانه وتعالى؛ إذ إنه تطرق إلى ذلك وهو بصدد الحديث عن أسماء الله الحسنى.

إذا كنا قد أشرنا إلى أن ابن سينا والغزالي قد ذكرا أن الحق المطلق إنما هو واجب الوجود بذاته، وأن الممكنات لا تسمى حقًّا إلا عندما تصبح واجبة الوجود بالله، إلا أن إطلاق الحق على الممكنات الواجبة بغيرها يكون على نحو نسبي، فإن ذلك يعني بالدرجة الأولى أن هناك تقابلاً بين (الحق) و (الخلق)، باعتبار أن الحق المطلق هو الذات الإلهية بينما الخلق يتمثل في كل ما عداها.

وقد أشار الغزالي إلى أن "أهل التصوف لما كان الغالب عليهم رؤية فناء أنفسهم من حيث ذاتهم، كان الجاري على لسانهم من أسماء الله تعالى في أكثر الأحوال هو الحق؛ لأنهم يلحظون الذات الحقيقية دون ما هو هالك في نفسه. وأهل الكلام لما كانوا أبعد في مقام الاستدلال بالأفعال كان الجاري على لسانهم في الأكثر اسم الباري الذي هو بمعنى الخالق. وأكثر الخلق يرون كل شيء سواه فيستشهدون عليه بما يرونه، وهم المخاطبون بقوله: ﴿‌أَوَلَمۡ ‌يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] والصديقون لا يرون شيئًا سواه فيستشهدون به عليه، وهم المخاطبون بقوله: ﴿‌أَوَلَمۡ ‌يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣].

  وهكذا، فقد كان الصوفية من أكثر مفكري الإسلام نظرًا إلى الحق سواء باعتباره اسمًا من أسماء الله الحسنى، أو باعتباره تعبيرًا عن ذات الله.

فلقد ذكر الغزالي معبرًا عن وجهة نظر الصوفية أن (حظ العبد من هذا الاسم أن يرى نفسه باطلاً، ولا يرى غير الله حقًّا. والعبد إذا كان حقا فليس حقًا بنفسه، بل هو حق بالله، فإنه موجود به لا بذاته، بل هو بذاته باطل لولا إيجاد الحق له. فقد أخطأ من قال: (أنا الحق). إلا بأحد تأويلين: أحدهما: أن يعني أنه بالحق. وهذا التأويل بعيد، لأن اللفظ لا ينبئ عنه، ولأن ذلك لا يخصه، بل كل شيء سوى الحق فهو بالحق.

 والتأويل الثاني: أن يكون مستغرقًا بالحق حتى لا يكون فيه متسع لغيره. وما أخذ كلية الشيء واستغرقه فقد يقال: إنه هو كما يقول الشاعر: (أنا من أهوى ومن أهوى أنا) ويعني به الاستغراق.

وإذا كان الصوفية قد تحدثوا عن الحق باعتباره الموجود الثابت وذلك في مقابل الخلق باعتبار أنه في ذاته يمثل الباطل أو الموجود الفعلي أو الزائد، فإنهم قد تحدثوا كثيرًا عن تحققهم في اسم (الحق) حيث يكون فناؤهم عن ذواتهم وبقاؤهم بالحق تعالى.

وطبقًا لذلك، فقد فهموا (حق اليقين) على أنه "عبارة عن فناء العبد في الحق والبقاء به علمًا وشهودًا، وحالاً لا علمًا فقط، فَعِلم كل عاقل الموت علم اليقين، فإذا عاين الملائكة فهو عين اليقين، فإذا ذاق الموت فهو حق اليقين، وقيل: علم اليقين ظاهر الشريعة، وعين اليقين الإخلاص فيها وحق اليقين المشاهدة فيها).

 فإذا كان هذا هو حال الإنسان بالنسبة لله تعالى، أي أن الإنسان لا وجود له إلا بالله؛ لأن الله في ذاته هو الحق بينما الإنسان في ذاته باطل، فهل يعني هذا أن الإنسان ليس له حقوق على الإطلاق؟

لقد أشرنا إلى أن الصوفية مثلهم مثل الفلاسفة يقررون أن الموجودات لا قوام لها إلا بالحق سبحانه وتعالى، فإذا كان الإنسان في ذاته ليس حقًّا، فإنه باعتباره مخلوقًا لله ينال جانبًا من الحق. إلا أن الحق بالنسبة له يكون نسبيا مؤقتًا.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد تحدث الصوفية عن التفرقة بين حقوق النفس وحظوظها، حيث ذكروا أن حقوق النفس إنما هي ما يتوقف عليه حياتها وبقاؤها، وما زاد فهو حظوظ، أي أن حق النفس هو ما تتقوم به، بينما حظها هو ما تتمتع به.


مراجع للاستزادة:

(١) ابن سينا: الشفاء (الإلهيات)، تحقيق الأب قنواتي وسعيد زايد، مراجعة دكتور: إبراهيم مدكور، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة ١٩٦٠م.

(٢) ابن منظور: لسان العرب، دار المعارف، القاهرة بلا تاريخ.

(٣) التهانوي (محمد علي الفاروقي): كشاف اصطلاحات الفنون، تحقيق دكتور: لطفي عبد البديع، ترجم النصوص الفارسية دكتور عبد النعيم حسنين، مراجعة الأستاذ: أمين الخولي، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ودار الكاتب العربي، القاهرة ١٩٦٩م.

(٤) الجرجاني (السيد الشريف علي بن محمد): التعريفات، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى أبي الحلبي وأولاده، القاهرة ١٩٣٨م.

(٥) الرازي (فخر الدين): شرح أسماء الله الحسني، تصحيح محمد بدر الدين أبو فراس النعسناني، المطبعة الشرقية، القاهرة ١٣٢٣هـ.

(٦) السنهوري (عبد الرازق): مصادر الحق في الفقه الإسلامي، منشورات الحلي الحقوقية، بيروت ١٩٩٨م.

(٧) الغزالي (أبو حامد): المقصد الأسنى في شرح أسماء اللة الحسنى، تحقيق محمد عثمان الخشت، مكتبة القرآن للطبع والتوزيع والنشر، القاهرة ١٩٨٥.

(٨) صليبا (دكتور جميل): المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت ١٩٧١م.

(٩) مجمع اللغة العربية: معجم ألفاظ القرآن الكريم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ١٩٧١م.

(١٠) مجمع اللغة العربية: المعجم الفلسفي، تصدير دكتور: إبراهيم مدكور، هيئة المطابع الأميرية، القاهرة ١٩٧٨م.

الخلاصة

هكذا نستطيع أن نلاحظ من العرض السابق لمفهوم الحق في الفكر الإسلامي أن المعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة قد استوعب المعنى اللغوي وزاد عليه كثيرًا بما لا يخالف المعطيات اللغوية، كما أننا نستطيع أن نلاحظ أن القرآن الكريم قد قدم حشدًا هائلاً من المعاني التي اصطلح على تسميتها بالحق، تلك المعاني التي يمكن أن تكون أساسا للنظر إلى مفهوم الحق من زوايا متعددة: أخلاقية ومنطقية وميتافيزيقية وصوفية.

ومعنى ذلك أن الحق في الفكر الإسلامي يعتبر (قيمة) (value) تتسم بالواقعية، وذلك على خلاف المفهوم المثالي لهذه القيمة لدى أفلاطون (٤٢٧-٣٤٧ قبل الميلاد) الذي جعل الحق أحد أضلاع الثالوث المثالي للقيم العليا إلى جانب قيمة الخير والجمال، هذه القيم التي لا تظهر في العالم الواقعي إلا على نحو جزئي يتضاءل كثيرا إلى جانب وجوده في عالم المثل...! وعلى أية حال، فإنه يمكن القول بأن مفهوم الحق من الناحية الفلسفية في الفلسفة الحديثة لا يختلف كثيرًا عما كان موجودًا في الفلسفة الإسلامية؛ فنحن نجد مثلاً أن ديكارت (١٥٩٦-١٦٥٠ م) تحدث عن الحق في كتابه (مقال عن المنهج)، حيث اعتبر أنه المطابقة للواقع، وفضلاً عن ذلك، فإن الحديث عن حقوق الإنسان الذي تتشدق به الحضارة الغربية إنما يمكن التماس أصوله الإسلامية بسهولة لا يتسع لبيانها هذا المقام.

وأخيرًا، وليس آخرًا، فإنه يكفي للدلالة على سمو قيمة الحق وارتفاع شأنها في الفكر الإسلامي أن الحق يعد اسمًا من أسماء الله الحسنى أو صفة من صفاته، كما أشرنا إلى ذلك في موضعه من هذه الدراسة.

موضوعات ذات صلة

النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مخلوقٌ من نورٍ، وأنّ حقيقته النوريّة هي أولُ الموجودات في الخلق الروحانيّ، ومن نورِها خُلقت الدنيا والآخرةِ

العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير

التحكيم آلية إسلامية راسخة لحل الخلافات، تقوم على الثقة والعدل

موضوعات مختارة