وفيما يختص بأنواع النباتات وخواصها وفوائدها فقد كُتِب عنه كثيرًا في المؤلفات الطبية والصيدلية والنباتية، أما فيما يتعلق بالزراعة من حيث هي علم وضع العرب أصوله وقوانينه وألفوا فيه المصنفات القيمة، فإننا سنحاول إيضاح سبق العرب وتفوقهم في هذا المضمار من خلال الكتابين الآتيين:
١ – كتاب (الفلاحة النبطية) لأبي بكر أحمد بن وحشية في القرن التاسع للميلاد، ويوضح المؤلف غرضه من تأليف هذا الكتاب بقوله في مقدمته: أنَّهُ يكتبه بقصد صلاح الأرض وإصلاح الزروع والشجر والثمار وعلاج آفاتها، ويقع الكتاب في ستمائة وعشر ورقات، قسمها المؤلف إلى أبواب عديدة في ذكر خواص الزيتون، واستنباط المياه، وكيفية حفر الآبار، والاحتيال في زيادة ماء البئر، وصفة إِطْلَاع الماء من عمق بعيد، وتغير طعم المياه، واختلاف طبائعها وأفعالها، وصفة إفلاح التلقيح وزرعه وغرسه.
وبعد ذلك ينتقل المؤلف لدراسة مختلف أنواع النبات وكيفية زرعها وريِّها وتسميدها، ثم يفسح مجالًا واسعًا لكيفية عمل البيادر وخزن الحنطة وأوقات الزرع ومعرفة الأهوية، ويُسهب في الحديث عن حبوب الحنطة والشليم والذرة والأرز والباقلاء والعدس والحمص واللوبيا والترمس والقطن وبذرة الكتان والسمسم والسيسبان والخشخاش والبصل والثوم والفجل الشامي والفجل البري والجزر والسلق والخيار والخس والحُمَّاض والنعنع والزعفران والخردل والجرجير والكرفس والكوسة والكزبرة والحلبة والكرنب الخراساني والقرفة والقرنبيط والباذنجان والكروم والرمان وجوز الهند واللوز والبندق والفستق وغيرها.
ثم يفصل بابًا خاصًّا لذوات النوى من الثمار مثل المشمش والخوخ والعناب والنبق والقراصيا، ويتحدث أيضًا عن التين والجميز والكمثرى والسفرجل والتفاح والتوت والصنوبر والقسطل والمر والحناء والملوخية وغيرها، ويختم ابن وحشية كتابه بأنه وجد فيه أجل المنافع وأكثر الفوائد بذكر إفلاح الموات وتدبيراتها، وصرف المهالك عن الشجر والنخل والكرم، بلغ الجهد ومقدار الطاقة، مع الذكر للمنافع والمضار من الأغلال وصروف الأدواء من أبدان الناس، أما البقر والغنم وغيرها من الحيوانات المعينة على الفلاحة فقد أفرد لها كتابًا، وأفرد فيه بابًا خاصًّا للحمام والطيور والكراكي، وكتاب (الفلاحة النبطية) لابن وحشية هو أول ما كُتب باللغة العربية عن الزراعة واعتمد عليه الكثير ممن كتبوا في هذا العلم بعد ذلك.
٢ - كتاب (الفلاحة الأندلسية) لأبي زكريا محمد بن العوام الإشبيلي، ويعتبر من أشهر ما كتب في هذا العلم، وقد ترجم في القرن الماضي إلى الإسبانية والفرنسية، وقال عنه (أنطوان باسي) في تقرير قدمه سنة ١٨٥٩ إلى الجمعية الوطنية الزراعية الفرنسية: إنه موسوعة تامة تفرد بها القرن الثاني عشر الميلادي.
ويقع كتاب الفلاحة لابن العوام في أربعة وثلاثين فصلًا، تبحث الفصول الثلاثون الأولى منها الفلاحة، بينما تبحث الفصول الأربعة الأخيرة في تربية الماشية، وأكد المؤلف أنه لم يثبت في كتابه إلا ما جربه مرارًا فصح، كما ذكر المراجع والمصادر التي استقى منها.
وتناول ابن العوام في كتابه معرفةَ نوعِ الأرض؛ فالسوادُ دليلُ الحرارة كذلك الحمرة، إلا أن حرارة الحمرة أقل من السوداء، ثم يتلوه الصفرة، ويقول: "إن أنت مارست الطِّين بيديك فوجدته شبيهًا بالشمع يلصق شديدًا فاعلم أنها أرض غير موافقة للقبول، وأجود الأرض البنفسجية، ثم شديدة الغبرة لأن فيها تخلخلًا (مسامية) وطعم ترابها عذب (خالية من الأملاح)"، ويعتمد ابن العوام على التجربة مهما كانت بدائية، ويهتم بدور الدراسة المقارنة؛ فيذكر لمعرفة نوع أرضٍ أنه قام بحفر بعمق نصف ذراع وجمع التراب في آنية من الخزف بعناية شديدة، ثم أخذ من أرض متخلخلة غير مُلْتَزَّة ووضع في الحفاير، فإن بقي شيء كانت مُلْتَزَّة، ويتحدث ابن العوام عن أنواع الأسمدة البلدية وكيفية استعمال الأزبال في الشجر والخضر، وعن أنواع المياه المستعملة في سقي الأشجار والخضر، ويستدل على قرب الماء بأنواع النبات وطعمه وبلون وجه الأرض.
ويصف ابن العوام عملية تذكير الأشجار ويتحدث عن الأشجار المتحابة والمتنافرة، ويوصي في غرس البساتين بألا يكون غرس الأشجار غرسًا مختلطًا، بل ينبغي أن تكون الفرج التي بين الغرس على قدر طبع الأرض وقوتها، وأجود جميع الغروس التي تحمل وخير غرس الشجر ما يكون من غصون، والغروس التي من البذور أضعف في الجملة من جميع الغروس.
ويصف ابن العوام طريقة (الترقيد) المعروفة حاليًا فيقول: "ومن الناس من يعمد إلى زرع هذه الأشجار فيميلها ويطمرها في التراب حتى يصير لها أصول ثم ينقلها"، ويصف عملية التكاثر الخضري في الأشجار المختلفة بطريقة (المشاتل)، فينصح بأن تكون المشاتل في أرض جافة لم تفلح، وأن تكون الشمس مشرقة عليها وتصل إليها الرياح الجارية، وينبغي أن نقلب هذه قلبًا مستقصيًا لنزع أصول الحشائش، ويحفر حول الغروس مرة كل شهر، وأن تكون الآلات صغيرة جدًا لئلا يضر ذلك بالغرس، وينبغي أن تكون الأرض التي تحول إليها الغروس من موضع تربتها مقاربة في الصفة للأرض التي ابتدئ زراعتها فيها، أو مثلها، ولا تحول من أرض جيدة إلى أرض رديئة.
ويقول في أوقات الغرس: "إنها تختلف على قدر اختلاف البلدان والأمم أو الربيع أو الخريف"، ويقول أيضًا: "إذا أردت أن تأخذ الغرس من أي نوع شئت كان قصعًا أو خلعًا أو ملخًا أو وتدًا أو غرسًا بأصله، ولا تأخذ من الغرس إلا ما يلي الشمس فهي تَخْرِزُهُ وتدبغه، وكلما أجرته الشمس فهو أجود، ولا تأخذ أبدًا من ناحية الشمال وما جاوز الشمال فإنه ظليل قليل الحمل قليل التعلق، وينبغي أن تأخذ الأغصان من أعلى الشجرة، وتختار الغراسة من أكثر الأشجار حملًا وأطيبها طعمًا؛ فإن المؤونة والنفقة في غراس النوع الجيد وعمارته والرديء سواء، فغراسه الجيد أولى"، وخصص ابن العوام الأبواب الأخيرة من كتابه لتغذية وتربية الحيوان، وتحدث عن كيفية اختيار الجيد ومدة الحمل وما يصلح من العلف، وتحدث أيضًا عن رياضة الأمهار وعلاج بعض علل الدواب، كما خصص فصلًا عن اقتناء الطيور كالحمام والدجاج والأوز ونحل العسل.
وبذلك نرى أن الكتاب يعالج مختلف العلوم الزراعية بأسلوب علمي ومنهج تجريبي، وانتفع به عرب الأندلس والأوروبيون فيما بعد خصوصًا لما واكبه من تقدم في هندسة الري وتوزيع المياه، وقال عنه مؤرخ الحضارة ول ديورانت: "إن كتاب الفلاحة لابن العوام الإشبيلي كان أكمل بحث في علم الزراعة أُلِّفَ في القرون الوسطى برمتها"، كذلك عده مايرهوف من أحسن الكتب العربية في العلوم الطبيعية، وعلى الأخص في علم النبات.
ولقد جذبت بلاد الأندلس كل الأوروبيين بسحرها وجمالها وازدهار الحضارة الإسلامية فيها؛ بفضل المجهود الكبير الذي بذل في التعمير وري الأراضي وحفر الآبار وتخزين المياه لوقت الحاجة، ونترك خاتمة هذا الموضوع للمستشرقة الألمانية الدكتورة سيجريد هونكة التي تقول: "وهكذا عرف العرب المزارعين طرق ورعاية التفاح والخوخ واللوز والمشمش والبرتقال والكستناء والموز والنخيل والبطيخ. كما اهتموا اهتمامًا خاصًا بالقطن وقصب السكر وغيرها من النباتات والأشجار التي مازالت حتى اليوم تمثل جزءًا هامًا من صادرات إسبانيا، وما فتئت حتى اليوم أسماء كثيرة من الأدوات في الحقل الإسباني تحمل أسماءً عربية، ولم يترك العرب شبرًا من الأرض إلا استثمروه، وبفضل كل تلك الجهود في الزراعة كانت الأرض زمن عبد الرحمن الثالث تنتج ثلاثة أو أربعة مواسم كل عام، واهتم العرب أيضًا بتربية الحيوان وكانوا أول من أجرى التجارب ومارس التفريخ الصناعي على نحو ما نعرفه نحن اليوم في القرن العشرين".
وفي النهاية.. لقد حوّل المسلمون الزراعة من حرفة تقليدية إلى علم متكامل، يجمع بين النظرية والتطبيق، فبينما كانت أوروبا تعيش في ظلام العصور الوسطى، كان علماء المسلمين يضعون أسس الزراعة العلمية ويطورون تقنيات الري، ولم يكتفوا بنقل التراث الزراعي للحضارات السابقة، بل أضافوا إليه وأبدعوا فيه، فخلّفوا لنا إرثًا علميًّا لا يزال يثير الإعجاب، إن هذا الإنجاز الحضاري العظيم يؤكد أن الإسلام لم يكن دين عبادة فحسب، بل كان أيضًا دين علم وعمران، وبقدر ما نستلهم من هذا التراث ندرك كم كان أسلافنا عظماء في بناء الحضارة.
مراجع للاستزادة:
- د. أحمد فؤاد باشا: التراث العلمي للحضارة الإسلامية ومكانته في تاريخ العلم والحضارة، القاهرة ١٩٨٢م.
- د. أحمد فؤاد باشا: أساسيات العلوم المعاصرة في التراث الإسلامي - دراسات تأهيلية، دار الهداية بالقاهرة ١٩٩٧م.
- سيجريد هونكه: شمس العرب تسطع على الغرب، دار الآفاق الجديدة، بيروت.