ويمكن تصنيف موضوعات فروع علم الفلك التي أضاف إليها علماء الحضارة العربية الإسلامية إسهامات مهمة إلى قسمين كبيرين هما:
(أ) علم الفلك النظري، ويُعْنَى بوضع نموذج لهيئة الكون كما يتصورها العلماء، وبدراسة الحركات الظاهرية للأجرام السماوية، وكان القدماء يطلقون على النجوم التي تبدو ثابتة (نسبيًا) في السماء لتعبدها، كما تراها العين اسم (الكواكب الثابتة)؛ لتمييزها عن الكواكب السبعة السيارة حول الأرض، وهي طبقًا للنظام الذي وضعه بطليموس: الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشترى وزحل، أي أن الأرض في هذا النموذج البطلي كانت تعتبر مركز الكون، وأن الحركة الكوكبية دائرية منتظمة.
وكان يطلق على الكواكب الخمسة الأخيرة اسم (الكواكب المتميزة) نظرًا لأنها تتميز في السماء بين النجوم من حين لآخر، وتكون حركاتها في اتجاه واحد، فتسمى الحركة المستقيمة، ثم لا تلبث أن تغير اتجاه الحركة عائدة إلى الجهة المضادة، وذلك هو (الرجوع)، ولم يكن معروفًا لدى القدماء ما نعرفه الآن من حركة الأرض والكواكب حول الشمس (وهو نظام مركزية الشمس المنسوب لكوبرنيكوس في القرن السادس عشر الميلادي)، وأن الكواكب أجرام مظلمة تستمد ضوؤها من الشمس، والأساس النظري الذي طوره المسلمون كثيرًا لهذه الدراسات هو حساب المثلثات الكروية باعتبارها الوسيلة الرياضية الرئيسية لحل مسائل الفلك الكروي.
الأمر الذي ساعدهم على الإسهام بإضافات مهمة إلى علم الفلك النظري باقتراح تعديلات جوهرية على النظام البطلمي، فحدد الحسن بن الهيثم (ت ١٠٤٠ م) في كتابه (الشكوك على بطليموس) ستة عشر اعتراضًا على النظرية البطلمية، وقدم نصير الدين الطوسي (ت٢٧٤١م) إصلاحًا أشمل باقتراح آلية تعرف باسم (مزدوجة الطوس) Al Tusis لتفسير التناقضات الواضحة بين تراكيب بطليموس النظرية وبين نتائج الأرصاد العملية.
وكان مؤيد الدين العرضي الدمشقي (ت١٢٦٦م) وابن الشاطر (ت١٣٧٥م) من أبرز فلكيي مدرسة مراغة الذين مهدت نتائج أبحاثهم لنظرية كوبرنيكوس الخاصة بمركزية الشمس في القرن السادس عشر الميلادي، وأسفرت مقارنات الباحثين بين النصوص والرسوم الواردة في مؤلفات كل من كوبرنيكوس وفلكيي مرصد مراغة، عن أن الشبه بلغ (باستثناء مركزية الشمس عند كوبرنيكوس) حدًّا يدعو إلى القول - دون تجاوز الحقيقة - بأن كوبرنيكوس قد تعلم نظرية مدرسة مراغة.
(ب) علم الفلك التطبيقي، حيث أجرى علماء المسلمين بحوثهم الفلكية وفق منهج علمي سليم وأفادوا كثيرًا من نتائج هذه الأبحاث في حياتهم العملية.
على سبيل المثال، ينتمي ابن الأعلم عبد الرحمن الصوفي إلى مدرسة الباحثين الفلكيين التي نشأت في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) في بلاد فارس بمدينة شيراز تحت رعاية الحكام البويهيين، ومن أشهر مؤلفاته كتاب (صور الكواكب الثمانية والأربعين).
وفيه قام بمراجعة النجوم التي وردت في كتاب المجسطي لبطليموس بدقة متناهية امتدحها (شيليرب) بقوله: (لقد أعطانا الصوفي عن السماء المرصعة بالنجوم بصورة أحسن مما توفر من قبل، وقد بقي هذا الوصف لتسعة قرون دون أن يوجد له نظير، وفي أوائل القرن الثاني عشر الميلادي صنف ابن يونس كتاب (الزيج الحاكمي الكبير) الذي أفاد منه العالم الفرنسي الشهير (لابلاس) في تحديد مسيل دائرة البروج والاختلافات بين المشترى وزحل.
كذلك استعمل الفلكي الأمريكي المعروف (سيمون نيوكومب) ملاحظات ابن يونس عن الكسوف والخسوف في بحوثه عن حركات القمر.
وعرف المسلمون أن القمر يختلف في سيره بين سنة وأخرى، واكتشف البوزجاني معادلة لتقويم مواقع سميت (بمعادلة السرعة)، وتجلت عبقرية البيروني في ما كتبه في (القانون المسعودي) عن حركة أوج الشمس، وهي أبعد المواقع السنوية بين الشمس والأرض.
ويكمن سر هذه العبقرية في أن نقطة الأوج التي كتب عنها تتحرك بمقدار درجة واحدة كل حوالي ثلاثمائة سنة، وقد حددها بناء على أربعة أرصاد بواسطة الحساب التفاضلي.
ولفت الحسن بن الهيثم الأنظار إلى دراسة الأثر الذي يظهر في وجه القمر، كما كان الفيلسوف ابن رشد أول من رأى (كلف الشمس) عمليًا عندما عرف بالحساب الفلكي وقت عبور كوكب عطارد على قرص الشمس، فرصده ورآه بقعة سوداء على قرصها في الوقت الذي حدده.
وللبتاني أرصاد عن الكسوف والخسوف اعتمد عليها العلماء المحدثون سنة ١٩٤٧م في تحديد تزايد عجلة تحرك القمر خلال قرن من الزمن من ناحية أخرى، يعتبر (علم الميقات جزءًا أساسيًا من الممارسة الفلكية الإسلامية.
فلقد فرض الإسلام على أتباعه فروضًا تستلزم دراسة الكون وظواهره ومعرفة الزمن والأوقات لتحديد مواقيت الصلاة وظهور الهلال ومواعيد الأعياد وتأدية المناسك والعبادات وتحديد اتجاه القبلة ومواقع البلدان.
ومع بداية القرن الثالث عشر الميلادي ظهر نظام (الموقت) كفلكي محترف مسئول بالدرجة الأولى عن تنظيم أوقات الصلاة.
وصنف الفلكي شهاب الدين الصوفي (أو المقسي) جداول لبيان الوقت منذ الشروق كدالة في ارتفاع الشمس وخط طولها لخط عرض مدينة القاهرة.
وفي القرن الرابع عشر الميلادي أنجز (المزي) في سوريا مجموعة جداول لمواقيت الصلاة في مدينة دمشق على غرار مدينة القاهرة.
وصنف ابن يونس طريقة دقيقة لتحديد القبلة: وجدها (كارل شوي) ملفتة للنظر من حيث إنها تعطينا بلغة العصر تعريفًا لمعادلة جيب الزاوية وجيب التمام في حساب المثلثات الكروية.
وطور (المزي) جداول للمواقيت، بالنسبة إلى الشمس وإلى تحديد أوقات الصلاة في دمشق ظلت مستخدمة هناك حتى القرن التاسع عشر الميلادي، وكان أحد الأغراض الرئيسية لتطوير الساعات المائية هو أن تساعد هذه الساعات على إعلان الأوقات المحددة للصلاة عندما تكون السماء مظلمة أو ملبدة بالغيوم؛ نظرًا لأن سرعات تشغيلها كانت تعدل يوميًا لتتوافق مع طولي النهار والليل، ولاتزال الأجزاء الخارجية لهذا النوع من الساعات المصممة في القرن الرابع عشر الميلادي، موجودة في إحدى الغرف العليا في مسجد القرويين بمدينة فاس في الغرب.
أما اتجاه القبلة من مكان معين فهو عبارة عن دالة مثلثية لخط العرض المحلي وخط عرض مكة المكرمة والفرق بين خطي طول مكة والموقع.
وكان اشتقاق معادلة اتجاه القبلة بدلالة هذه الكميات إحدى المسائل الأكثر تعقيدًا في علم الفلك الكروي الإسلامي، وكانت أيضًا من أهم المسائل الدينية الخالصة.
وقد استطاع فلكيو الحضارة الإسلامية استنباط معادلات رياضية مكافئة للصيغة المستخدمة حاليًا، وقد حسب اتجاه القبلة بالدرجات وبالدقائق بخطأ في حدود ± ١-٢ دقيقة فقط.
وهكذا نجد أن علم الفلك بقسميه: النظري والتطبيقي قد تطور كثيرًا على أيدي علماء الحضارة العربية الإسلامية باستخدام المنهج التجريبي الذي يستند إلى الأرصاد والحساب في تفسير الظواهر الفلكية وتعليل حركات الكواكب والنجوم.
ولقد كان لهذه الإنجازات الإسلامية أكبر الأثر في إثراء النتائج التي جمعها (تيخو براهي) واستخدمها من بعده (كبلر) في صياغة قوانينه المشهورة عن حركة الكواكب، وترتب على ذلك كله استنتاج نيوتن لقانون الجاذبية الشهير، ثم تطور علم الميكانيكا الكلاسيكية إلى الميكانيكا النسبية والميكانيكا السماوية وتقدم أبحاث الفضاء التي يزهو عالمنا المعاصر بنتائجها.
ولقد شهد مؤرخ العلم المعاصر (جورج سارتون) بأن بحوث العرب الفلكية هي التي مهدت الطريق للنهضة الكبرى التي ازدهرت (بكبلر وكوبرنيكوس)، وتأتي هذه الشهادة منسجمة مع حقيقة أن العلم تراث مشترك للإنسانية.
وأن تاريخ الاكتشافات العلمية كتاريخ الحضارة يمر بدورات ومراحل لكل منها أهميتها وأثرها في تطور الفكر البشري.