وهذه العناصر لم تكتمل لدى العرب إلا بعد ظهور الإسلام، صحيحٌ انهم عرفوا الكتابة في العصر الجاهلي، بدليل ما عثر عليه المُنَقِّبون من نقوشٍ في شمال بلاد العرب مثل نقشيّ زُبد وحَرَّان المؤرخَيْن بسنة ٥١٢م، - ٥٦٨م، وبدليل ما تذكره المصادر التاريخية عن أناسٍ كانوا يعرفون الكتابة، كالذي يرويه البَلاذُرِي في "فُتوح البلدان" من أن الإسلام دخل وفي قريشٍ سبعةَ عشرَ نفرًا يكتبون، وكان في الأوس والخزرج بالمدينة أحد عشر كاتبًا على رأسهم سعد بن عبادة، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وبدليل الإشارة إلى الكتابة وأدواتها في الشعر الجاهلي، مثل قول امرئ القيس:
لمن طلل أبصرته فشجاني كخط زبور في عسيب يمان
وقول حاتم الطائي:
أتعرف أطلالًا ونُؤْيًا مهدمًا كخطك في رقٍ كتابًا منمقًا
والقرآن الكريم يثبت للعرب معرفتهم بالكتابة كقوله سبحانه: {وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا} [الفرقان: ٥]، وقوله تعالى: {وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا} [الإسراء: ٩٣]، وقوله تعالى: {وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} [الأنعام: ٧]،
وقوله تعالى: {قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ} [الأنعام: ٩١]؛ بل إن الله سبحانه وتعالى يأمرهم بكتابة الدَيْن في قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ} [البقرة: ٢٨٢]، وهذه المعرفة بالكتابة أكدها أن القرآن الكريم حين نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وُجِد من يكتبونه، وهم كُتاب الوحي؛ بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد اتخذ كُتَّابا للكتابة إلى الملوك، وللكتابة في شئون المسلمين، ولكتابة المغانم والصدقات حتى لقد بلغ عدد كُتَّابه صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين في أقل الروايات، وارتفع عددهم عند البرهان الحلبي في (إنسان العيون) إلى ثلاثة وأربعين كاتبًا.
والعنصر الثاني: وهو المواد الصالحة لتلقى الكتابة وتكوين الكتب، فلم يعرف العرب منها قبل الإسلام غير الرقّ، فقد كانوا يكتبون على العسب، والعظام، واللخاف، (وهي الحجارة البيضاء الرقيقة) ولكن هذه المواد وأمثالها لا تُكَوِّنُ كُتبًا، أما المادة التي تصلح لتكوين الكتب فهي الرّق، وهو ما يرقق من الجلد ليكتب فيه، وقد كتبوا عليه في هذا العصر بدليل أن القران الكريم يذكره في قوله سبحانه: {وَٱلطُّورِ * وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ * فِي رَقّٖ مَّنشُور} [الطور: ١-٣]، وبدليل الإشارة إليه في الشعر الجاهلي، وبدليل ما يرويه الرامهرمزي في كتابه (المحدث الفاصل) "عن أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِأَدِيمٍ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عِندَهُ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْلِي، وَعَلِيٌّ يَكْتُبُ، حَتَّى مَلَأَ بَطْنَ الأَدِيمِ وَظَهْرَهُ وَأَكَارِعَهُ".
والعنصر الثالث: وهو التراث الذي يحرص الناس على تدوينه واقتنائه، فمعروف أن العرب في جاهليتهم لم يكن لهم تراث غير الشعر، ولذًا قيل إن الشعر ديوان العرب وسجل مفاخرهم؛ فبه حكوا أخبارهم وتاريخهم وبطولاتهم، وفيه عبروا عن قيمهم الأخلاقية، ولكن هذا الشعر لم يدون إلا في القرن الثاني الهجري؛ والدليل على ذلك ظاهرة الرواة الذين كانوا يتولون نقل هذا الشعر عبر الزمان من عصر إلى عصر، وعبر المكان من قبيلة إلى قبيلة، ومن بلد إلى بلد، وهذه الظاهرة يؤكدها أمران:
أولهما: ما نجده في هذا الشعر من إشارات إليها، كقول النابغة الذبياني:
أَلِكْنِي يا عُيَيْنُ إليك قولًا ستهديه الرواة إليك عني
وقول المسيب بن علي:
فلأُهدين مع الرياح قصيدةً مني مُغلغلةً إلى القعقاعِ
تَرِدُ المياه فما تزال غريبةً في القوم بين تمثلٍ وسماعِ
وثانيهما: ما نجده من خلاف في رواية كثير من أبيات هذا الشعر، وهو خلافٌ لم تسلم منه المعلقات التي قيل إنها كُتبت وعُلقت على أستار الكعبة: ولو كان هذا الشعر مدونًا ما وجدنا هذا الخلاف.
نخرج من هذا كله بأن العرب في العصر الجاهلي لم تكتمل لهم المقومات والأدوات التي تنتج الكتب، فقد كان عدد الكتاب قليلًا، وكانت المواد الصالحة للكتابة محدودة، ولم يكن لهم تراث يستدعي الكتابة، ولهذا لم يكتبوا في هذا العصر غير نصوصٍ قصيرةٍ كالعهود والمواثيق، ولم يعرفوا من النصوص المكتوبة غير النصوص الدينية.
ولعل هذا هو ما يفسر لنا أن لفظ الكِتَاب في القرآن الكريم لا يخرج في مدلوله عن كُتُب الدين، فهو يطلق أحيانًا على القرآن الكريم نفسه كما في قوله تعالى: {ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ} [البقرة: ٢]، وقوله تعالى: {وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ} [الأنعام: ١٥٥]، وقوله تعالى: {وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَة} [النحل: ٨٩]، ويطلق أحيانًا أخرى على الكتب السماوية السابقة في مثل قوله سبحانه: {وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓئيلَ} [الإسراء: ٢]، وقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا} [مريم: ٣٠]، وقوله تعالى: {فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ} [النساء: ٥٤]، وقد اجتمع تخصيص اللفظ وتعميمه في قوله تعالى: {وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ} [المائدة: ٤٨]، ولعل هذا هو ما يفسر لنا ايضًا إطلاق تعبير (أهل الكتاب) على أصحاب الديانات السماوية التي سبقت الإسلام.