علم الحياة هو أحد فروع العلوم الطبيعية الذي يعني بدراسة الكائنات الحية، وقد ازدهر في الحضارة الإسلامية نتيجة دعم الإسلام للبحث العلمي.
علم الحياة هو أحد فروع العلوم الطبيعية الذي يعني بدراسة الكائنات الحية، وقد ازدهر في الحضارة الإسلامية نتيجة دعم الإسلام للبحث العلمي.
علم الحياة في مفهومه الحديث هو أحد فروع العلوم الطبيعية الذي يعنى بدراسة الأحياء النامية من جميع جوانبها الوصفية والبيئية والمملوكية والتشريحية والفسيولوجية والوراثية، وقد ازدادت أهميته كثيرًا في العصر الحديث لارتباطه المباشر بفروع العلوم الطبيعية وأبحاث الفضاء وغيرها، والإسلام خير دافع وحافز للمسلمين على البحث العلمي السليم في مختلف فروع علم الحياة، وزاد هذا الدافع ما كانت عليه البيئة العلمية في عصر النهضة الإسلامية من حصن رعاية للعلم والعلماء وتوفير كل الإمكانيات اللازمة للإبداع والتأليف الأصيل، وكان الاهتمام بعلوم الحياة لا يقل عن الاهتمام بباقي فروع العلم والمعرفة، خصوصًا لما للنبات من فوائد طبية وللحيوان من فوائد اقتصادية واجتماعية وجمالية، وظهر الكثير من المصنفات العلمية القيمة التي تعكس هذا الاهتمام وتقدم مادة غنية بالمعلومات المبنية على الملاحظة واستمرار تتبع مظاهر الحياة في النبات والحيوان، غير أن معظم هذه التصانيف لم تكن كتبًا مستقلة بعلوم الحياة وحدها بل تضمنت جوانب أدبية وتاريخية كثيرة، واستخدمت لخدمة الطب والصيدلة والفلاحة.
كما اهتم بعض العلماء في عصر الحضارة الإسلامية أن ينهجوا نهج الفلاسفة الإغريق في محاولة تفسير الكون وأصل الحياة ونظرية التطور، ومن هؤلاء إخوان الصفا الذين جعلوا مراتب الحياة أربعة تبدأ بالمعادن، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان، وابن الطفيل الذي يرى الحياة نشأت نشوءًا طبيعيًا تلقائيًا في جزيرة عند خط الاستواء حيث يوجد أعدل بقاع الأرض ويتوفر الماء والحرارة اللازمين للحياة في طورها الأول، وابن خلدون الذي أجمل نظرية التطور بإسهاب ووضوح في المقدمة، لكننا سنغفل الحديث عن هذا الجانب في علوم الحياة لعدم اقتناعنا بنظرية التطور التي نسبت فيما بعد إلى دارون وثبت فشلها الجذري في العصر الحديث.
وفيما يلي سنوضح كيف تطورت علوم الحياة من أفكار نظرية قديمة إلى دراسات علمية عملية، وسنحاول أن نستخلص أهم ما توصل إليه المسلمون من معلومات نباتية وحيوانية بالمعنى المعروف لدينا، وذلك من خلال العديد من المؤلفات العامة والمتخصصة التي يحفل بها تراثنا الإسلامي.
أولا: علم النبات:
ومن أهم ما كتب فيه (كتاب النبات) لأبي حنيفة الدينوري الملقب بشيخ علماء النبات، ويقع هذا الكتاب في ستة أجزاء تجمع كل ما جاء عن النبات في اللغة العربية حتى أواخر القرن التاسع الميلادي، ويعنينا من هذا الكتاب مخطوطة تقع في ثلاثمائة وثلاث وثلاثين صفحة من الجزء الخامس، قام بتحقيقها ونشرها في عام ١٩٥٣ م المستشرق السويدي لوين بجامعة أوبسالا، وفيها بوضح أبو حنيفة منهجه في تأليف كتابه فيقول "قد أتينا فيما قدمنا من أبواب كتابنا هذا على ما استحسنا تقديم ذكره قبل ذكر النبات نبتًا نبتًا، فلم يبق إلا ذكر أعيان النبات، ونحن آخذون في تسميتها، ومحل كل واحد منها بما انتهى إلينا من صفته أو شاهدناه، وإن كان في شيء، من ذلك اختلاف مما يُرى أنه ينبغي أن يُذْكَر ذكرناه إن شاء الله، وجعلنا تصنيف ما نذكر منها على أوائل حروف أسمائها وإن اختلط جل الشجر فيه بدقة، واختلط أيضًا الشجر بالأعشاب وبقلها وغير ذلك من أصنافها التي جنسناها فيما سلف وصنفناها؛ لأن وصفنا إياها نبتًا نبتًا سيلحق كل واحدة منها بجنسه عند من فهم عنا ما قدمنا وما أخرنا، وإنما آثرنا هذا التصنيف على توالي حروف المعجم؛ لأنه أقرب إلى وجدان المطلوب، وأهون مؤونة على الطالب من كل تصنيف سواه".
وهكذا يتضح منهج الدينوري العلمي في تأليف كتابه الذي شمل وصف بضع مئات من النباتات التي رآها بنفسه أو سمع عنها من الأعراب والثقات، ومع أن المقصود الأول من كتاب الدينوري كان الجانب اللغوي، فإنه أيضًا أصبح عمدة الأطباء والعشابين، ونقلت عنه أكبر كتب الصيدلة كمفردات الأدوية لابن البيطار.
وظهر بعد كتاب النبات للدينوري مؤلفات كثيرة تعرضت لعلم النبات، وكانت جميعها تقريبًا متشابهة من ناحية فن التأليف، فيُعنى مؤلفها بذكر كل ما ورد في الكتب السابقة والاجتهاد في الزيادة عليها.
وأما من ناحية المادة العلمية فكانت أحيانًا تهتم بالناحية الوصفية بهدف استعراض المقدرة اللغوية والأدبية، وإظهار جوانب الثقافة الموسوعية، ونضرب مثالًا على ذلك بكتاب "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" للقزويني الذي يحوي مقالات في كل فروع العلم المعروفة في عصره، ويجمع أشتاتًا من المعلومات عن البحار والأنهار والكواكب والرياح والفصول والأسماك والحيوانات والنباتات والهواء والطيور، ولا مانع من الكلام في علم الأجنة والتشريح ووظائف الأعضاء، ولكن بغرض تبيان حكمة الله في خلقه والدعوة إلى التأمل والاعتبار، على أن العدد الأكبر من الكتب النباتية كانت تتناول النباتات بغرض إثبات منافعها الطبية ومعالجتها الصيدلية، والأمثلة على هذه الكتب كثيرة منها:
كتاب (في الأدوية المفردة) وكتاب (تفسير أسماء الأدوية المفردة) لأبي العباس ابن الرومية، وكتاب (الجامع في الأدوية المفردة) لابن البيطار، وكتاب (الأدوية) لرشيد الدين الصوري، وكتاب (الجامع لصفات أشتات النبات وضروب أنواع المفردات من الأشجار والثمار والحشائش والأزهار والحيوانات والمعادن وتفسير أسمائها بالسريانية واليونانية واللطينية والبربرية) للشريف الإدريسي.
ولا بأس من الاستشهاد ببعض ما جاء في الكتابين الأخيرين لرشيد الصوري والشريف الإدريسي لتأكيد سبق العرب إلى المنهج العلمي التجريبي، فقد ذُكر أن رشيد الدين الصوري كان يصطحب معه مصورًا يصور له النبتة في بيئتها بألوانها الطبيعية، ويجتهد في محاكاتها وربما طلب منه أن يصور النبتة في أطوار مختلفة من حياتها أيام إنباتها ونضارتها وإزهارها وإثمارها وجفافها؛ فيكون التحقيق أتم والمعرفة أبين.
وعن الشريف الإدريسي فنكتفي بما قاله بنفسه في كتاب (الجامع لصفات أشتات النبات): "إنني نظرت في كتب من سبق قبلي وقابلت بعضها ببعض فرأيت بعضها طوّل وبعضها قصّر، وبعضها جمع بين الأقوال ونص على الاختلاف، وبعضهم ترك المجهول وذكر المعلوم، وأيضًا فإني نظرت إلى البحر الذي منه اغترفوا والكنز الذي منه استلفوا فإذا هو كتاب ذياسقور يذوس اليوناني الذي وضعه في الأدوية المفردة من نبات وحيوان ومعادن، فحفظت علمه جملة بعد أن بحثت ما أغفله كالأهليج الأصفر والهندي والكابلي والتمر هندي، والكبابة والقرنفل والآس والمحلب والبهمن الأبيض والأحمر وغيرها، واستوفيت ذكر جميع النباتات وذكر منافعها وخواصها حسب ما وجدته مفيدًا عند الثقات المتقدمين والنبلاء المتأخرين، وجئت بكل ذلك ملخصًا ومخلصًا"، وفي هذين المثالين إشارة كافية إلى الاعتراف بفضل الأقدمين، والاعتماد على المشاهدة والتجربة والتحقيق العلمي في الأخذ بالآراء والنظريات.
كتاب (الشفاء) لابن سينا، ويقع في ثمانية وعشرين مجلدًا، ويحتوي على فصول في المنطق والطبيعيات والفلسفة، وقد ترجم إلى اللاتينية واللغات الأوربية، وفي الجزء الخاص بالطبيعيات تناول ابن سينا دراسة جوانب مختلفة تتعلق بعلمي النبات والحيوان، فبالنسبة للنبات، أورد ابن سينا كثيرًا من النظريات والآراء حول تولد النبات وذكره وأنثاه وأصل مزاجه، وذكر أن النبات يشارك الحيوان في الأفعال والانفعالات المتعلقة بالغذاء إيرادًا على البدن وتوزيعًا، ويكون الغذاء على سبيل جذب الأعضاء منها للقوة الطبيعية، فليس هناك شهوة جنسية، وليس له من الغذاء إلا ما ينجذب إليه، لا عن إرادته كالأعضاء، فليس هناك شهوة، بالحري إن لم يعط النبات أشياء، إذ لا سبيل له إلى البعد عن الضار والطلب لنافع، وأبعد الناس عن الحق من جعل للنبات مع الحياة عقلًا وفهمًا، فالتصرف في الغذاء يدل على الحياة، ولكنه لا يدل على الإدراك والإرادة.
وكذلك تناول ابن سينا موضوع الذكورة والأنوثة في النبات وتحدث عن الثمار في النباتات المختلفة وعن الأشواك وعن النباتات الساحلية والسبخية والرملية والمائية والجبلية، وعن التطعيم، والنباتات المستديمة الخضرة وتلك التي تسقط أوراقها في مواسم معينة.
كما أن اهتمام ابن سينا بالنباتات والحيوانات من الناحية الطبية والصيدلية جعلته يخصص لهذا الغرض جزءًا كبيرًا من كتابه (القانون في الطب) الذي فضلته العرب على ما سبقه من مؤلفات، لما وجدوا فيه من حسن التبويب وصدق الخبرة ودقة الملاحظة والتجربة، ففي تناوله لموضوع الأدوية المفردة ذكر النباتات التي تتخذ منها الأدوية، وبعض الحيوانات والمعادن التي تستخلص منها عقاقير نافعة، واتبع مع النبات منهاجًا يبدأ فيه بشرح ماهية النباتات ويصف الأجزاء الأساسية من أصل وجذور وزهر وثمر وورق، ويقدم مقارنة بين هذا النبات ونظائره، وينقل ما ذكره الأقدمون من أمثال ذياسقوريذوس وجالينوس وغيرهما، وبعد ذلك يتناول ابن سينا اختبار النبات وطبعه وخواصه، وتضمن هذا الجزء معلومات قيمة من الوجهة النباتية البحتة، فقد استقصى ابن سينا نسبة كبيرة من النباتات المعروفة آنذاك وذكر أجناسها وأنواعها، وعَرَّف النباتات الشجرية والعشبية والزهرية والفطرية والطحلبية، ودرس تأثير الموطن والتربة التي ينمو فيها النبات، إن كانت ملحة أو غير ملحة، أو كان النبات ينمو على الماء.
وأظهر ابن سينا دقة بارعة في وصف ألوان الأزهار والثمار جافها وطريها، والأوراق العريضة والضيقة كاملة الحافة أو غير ذلك، وذكر الأسماء المختلفة لبعض النباتات من إغريقية وأسماء محلية، كما فرق بين النبات البستاني أو المنزرع والنبات البري، وكشف عالم النبات المصري الدكتور عبد الحليم منتصر عن أن ابن سينا عرف ظاهرة "المسانهة" في الأشجار والنخل، وذلك بأن تحمل الشجرة سنة حملًا ثقيلًا وسنة خفيفًا، أو تحمل سنة ولا تحمل أخرى، وأشار إلى اختلاف الرائحة والطعم في النبات، وسبق كارل متز الذي قال بأهمية التشخيص بوساطة في سنة ١٩٣٤م.
وقد اعتمد ابن سينا في وصفه للنبات على مصدرين:
الأول: الطبيعة فيصف النبات غضًا طريًّا، ويتكلم عن طوله، وغلظة ورقه، وزهرة ثمره، مما يتفق وعلم الشكل الحديث.
والثاني: ما يباع جافًا عند العطارين من أخشاب وقشور وثمار وأزهار، مما يتفق وعلم النبات الصيدلي، وبهذا يكون ابن سينا قد استوفى في أبحاثه ومؤلفاته عن النبات والحيوان كل عناصر المنهج العلمي الذي اتبعه في أبحاثه ومؤلفاته الطبية والصيدلية.
ثانيًا: علم الحيوان: ومن أهم ما كُتب فيه "كتاب الحيوان" للجاحظ، ويقع في سبعة اجزاء، ويعطي صورة لعلم الحيوان في القرن الهجري الثالث، بالإضافة إلى أنه يعكس الاتجاه العلمي الذي سلكه الجاحظ على أساس الملاحظة والتجربة.
وكتاب الجاحظ يقسم الحيوان إلى فصيح وأعجم، فالفصيح هو الإنسان والأعجم هو الحيوان، ومن الحيوان الأعجم ما: يرغو، ويثغو، وينهق، ويصهل، ويشمخ، ويخور، ويبغم، ويعوي، وينبح، ويزقو، ويصفر، ويهدر، وبصوص، ويقوق، وينعب، ويزأر، وينبح.
وقال الجاحظ كلامًا يقرب مما نعرف اليوم في علم الوراثة، وعرَّف النتاج المركب بأنه ولادة بين جنسين مختلفين من الحيوان ومن الناس، ووجد بعض النتاج المركب وبعض الفروع المستخرجة منه أعظم من أصيل، والنتاج المركب ممكن بين عدد من أجناس الحيوان: بين الذئب والكلبة، بين الحمار والفرس، بين الحمام البري والحمام الأليف، ثم هو غير ممكن بين عدد آخر من أجناس الحيوان كالتيس والنعجة، أو كالبقرة والجاموس على قرب ما ببينهما في الشكل.
والجاحظ فيلسوف، سار على غرار النظام في منهج وتحرير العقل، واعتبار الشك والتجربة أساسًا للبحث قبل الإيمان واليقين، وعدم التسليم بشيء إلا إذا استساغه العقل، حتى فلسفة أرسطو وغيره من فلاسفة اليونان لم تسلم من نقده.
وذكر الجاحظ في كتاب الحيوان المصادر التي اعتمد عليها فقال: "وهذا كتاب تستوي فيه رغبة الأمم وتتشابه فيه العرب والعجم؛ لأنه وإن كان عربيًا أعرابيًا وإسلاميًا جماعيًا، فقد أخذ من طرف الفلسفة وجمع معرفة السماع وعلم التجربة، وأشرك بين علم الكتاب والسنة وبين وجدان الحاسة وإحساس الغريزة، وقد نُقلت كتب الهند وتُرجمت حكم اليونان وحُولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسنًا وبعضها ما انتقص شيئًا، وقد نقلت هذه الكتب من أمة إلى أمة، ومن قرية إلى قرية، ومن لسان إلى لسان، حنى انتهت إلينا، وكنا آخر من وزنها ونظر فيها".
أدرك الجاحظ المفهوم الحقيقي لعملية تطور الفكر البشري ودور الإرادة في دفع هذه العملية إلى الأمام باستمرار، فقال في كتابه الذي ببن أيدينا: "وينبغي أن يكون سبيلنا لمن بعدنا كسبيل من كان قبلنا فينا، على أنا قد وجدنا من العبرة أكثر مما وجدوا، كما أن من بعدنا يجد من العبر أكثر مما وجدنا، والمعارف كلها ضرورية، وليس شيء من ذلك من أفعال العباد، وليس للعباد كسب سوى الإرادة، وأن الأفعال تصدر عن الإنسان طباعًا، وكل علمه اضطراري، يأتيه من الله".
ويزداد المنهج التجريبي عند الجاحظ وضوحًا وتأكيدًا عندما نعلم عنه أنه كان يلجأ دائمًا إلى التجربة ليتحقق بنفسه من صحة نظرية من النظريات أو رأي من الآراء، ولكل تجربة عنده هدف وغرض، ففي بعضها كان يقطع طائفة من الأعضاء، وفي بعضها كان يلقي على الحيوان ضربًا من السم، وحينًا كان يرمي بتجربته إلى معرفة بيض الحيوان والاستقصاء في صفاته، وكان حينًا يقدم على ذبح الحيوان وتفتيش جوفه وقانصته، ومرة كان يدفن الحيوان في بعض النبات ليعرف حركاته، ومرة كان يذوق الحيوان، وكان في أوقات يبج بطن الحيوان ليعرف مقدار ولده، وفي أوقات كان يجمع أضداد الحيوان في إناء من قوارير ليعرف تقاتلها، وكان يلجأ في بعض الأحايين إلى استعمال مادة من مواد الكيمياء ليعلم تأثيرها في الحيوان، ويواصل الجاحظ شرح أبعاد منهجه فيبين أنه لم يقف عند حد إجراء التجارب بنفسه واتباع منهاج خاص لكل منها، بل كان في كثير من الأحيان يشك في النتائج التي يتوصل إليها، ويستمر في الشك وتكرار التجربة، بل ويدعو إلى ذلك كله حتى تثبت صحة النظريات والآراء، وتتجلى له الحقيقة، ويتعرف على مواضع اليقين والحالات الموجبة لها.
ونحن لا نحاول من خلال مناقشتنا لمحتويات كتاب الحيوان أن نثبت ممارسة الجاحظ للمنهج العلمي التجريبي كما يمارسه العلماء المعاصرون، فالجاحظ من علماء القرن التاسع للميلاد، وليس من الإنصاف أن نقيسه بمقياس العصر الحاضر، ولكننا نذهب إلى ما ذهب إليه قدري طوقان من أن الجاحظ يحمل صفات العالم المجرب والباحث المدقق، فهو من رواد الحقيقة ويحاول الوصول إليها عن طريق التجربة وبمساعدة المادة ومعونة العقل.
ولا شك أن نصيب علم الحيوان بمفهومه المعروف لدينا في الحاضر كان قليلًا جدًا في التراث الإسلامي إذا ما قورن بنصيب العلوم الطبيعية الأخرى، وكما هي الحال مع بعض كتب النبات التي ذكرناها للدينوري والقزويني كانت الكتابة في الحيوانات وأنواعها وطباعها غالبًا ما تدخل في إطار تغطية جوانب المعرفة الموسعة عند العلماء، ويكفي أن نضرب المثل على ذلك بكتاب "حياة الحيوان الكبرى" لكمال الدين الدميري الذي يقع في جزأين، ويحتوي على أسماء الحيوانات المائية والبحرية وأسماء الطيور والحشرات مرتبة حسب حروف الهجاء.
وفي كتاب "الشفاء" لابن سينا، وفي الجزء الخاص بالطبيعيات تناول ابن سينا دراسة جوانب مختلفة تتعلق بعلمي النبات والحيوان، فبالنسبة للحيوان فقد تناوله ابن سينا في دراسات وملاحظات مختلفة تتعلق بوصف مختلف أنواع الحيوان والطير، وصنف الحيوانات المائية إلى لجية، وشطية، وطينية، وصخرية، ومن الحيوانات المائية ما تكون ذات ملاصق تلزمها كأصناف من الأصداف، ومنها ما تكون متبرئة أي متحررة الأجساد مثل السمك والضفدع، وبعد أن أسهب في الحديث عن الحيوانات المائية المختلفة انتقل إلى الحيوانات البرية، وتكلم عن الأعضاء المتشابهة، وغير المتشابهة، والعضلات، والربطات، والشرايين، والأوردة، والألياف العصبية، والرئة، والقلب، والحركة الإرادية وغير الإرادية، واهتم ابن سينا الطبيب كثيرًا بالتشريح والمقارنة بين الحيوانات المختلفة والطيور والأسماك، وسجل ملاحظاته عن الأجهزة العضلية والهضمية والدورية والتناسلية والتنفسية.
ويتضح من نماذج الكتب التي ذكرناها أن اهتمام العلماء بالنبات والحيوان كان ينبع أساسًا من الاستفادة منها في أغراض الطب والصيدلة، أو يأتي عرضًا ضمن اهتمام بعض العلماء باستعراض براعتهم اللغوية والأدبية وإظهار جوانب ثقافتهم الموسوعية، وقد دفع هذا ببعض المؤرخين إلى الاعتقاد بأن ما جاء في التراث الإسلامي من دراسات عن خواص النباتات والحيوانات وعجائبها وطبائعها ومنافعها لا يتعدى أن يكون اجتهادات فردية متناثرة لا ينتمي إلى علوم الحياة بمفهومها الحديث، ولم يكن لها أي تأثير في حركة إحياء العلوم إبان عصر النهضة الأوربية، ونحن لا نذهب إلى ما ذهب إليه هؤلاء، لأن هذه المؤلفات الإسلامية كانت بمثابة اللبنة الأولى التي قام عليها علم الحياة الحديث بمنهجه التجريبي السليم، وأن استقراء التاريخ يشهد بأن حضارة الإغريق اعتمدت على حضارات المصريين والبابليين والفينيقيين، والحضارة الإسلامية استفادت من حضارة الإغريق، والحضارة الأوربية الحديثة قامت على أكتاف الحضارة الإسلامية تمامًا مثلما قامت الحضارة في أمريكا على اكتاف الحضارة الأوربية.
مراجع الاستزادة:
١ – زكريا بن محمد القزويني: عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات. "ط الحلبي مصر الطبعة الخامسة القاهرة ١٤٠١هـ، ١٩٨٠م.
٢ -عمر بن بحر الجاحظ: الحيوان - ط بيروت ١٩٧٨م.
٣- د/أحمد فؤاد باشا: التراث العلمي للحضارة الإسلامية ومكانته في تاريخ العلم والحضارة. القاهرة ١٩٨٣م.
٤ –د/احمد فؤاد باشا: أساسيات العلوم المعاصرة في التراث الإسلامي - دراسة تأهيلية – دار الهداية بالقاهرة ١٩٩٧م.
٥- عبد الله بن العباس الجراري: تقدم العرب في العلوم والصناعات – دار الفكر العربي القاهرة ١٩٦١م.
٦ - الدوميلي: العلم عند العرب ترجمة عبد الحليم النجار ومحمد يوسف موسى - دار القلم - القاهرة ٩٦٢ ١م.
٧ - قدري طوفان: العلوم عند العرب -مكتبة مصر- ١٩٥٦م.
قد اهتم العلماء بالنبات والحيوان لأغراض طبية وصيدلية، وألّفوا كتبًا وصفية دقيقة، مثل كتاب "النبات" للدينوري و"الحيوان" للجاحظ، واستخدم العلماء المنهج التجريبي، فلاحظوا وجربوا ووصفوا بدقة كما فعل ابن سينا في "الشفاء" و"القانون"، وكانت هذه المؤلفات أساسًا لنشوء علم الحياة الحديث وأسهمت في النهضة العلمية الأوروبية.
تطورت الزراعة في الحضارة الإسلامية من ممارسة تقليدية إلى علم منظم له قواعده.
نبغ علماء الحضارة الإسلامية في علم الفلك، الذي أطلقوا عليه أسماءً عديدة كـ "علم الهيئة".
لم تولد الكيمياء من فراغ، بل نشأت من تجارب حرفية قديمة ترسخت في حضارات كبرى.