ونريد أن نشير هنا إلى بعض نماذج من القيم الحضارية التي أكد عليها الإسلام- والتي تعد قيمًا أساسية لبناء حضارة ثابتة الأركان شامخة البنيان - تؤتي أكلها تقدمًا ورقيًا، وتقدم عطاءها الحضاري للبشرية جمعاء، سلامًا وأمنًا واستقرارًا، ومنها:
١- التفكير: التفكير من أهم القيم التي حث عليها القرآن الكريم في العديد من الآيات الكريمة، ومن ذلك قوله تعالى: {لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: ٢١٩] ، وقوله: {أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: ٥٠]، وأكثر التعبيرات التي وردت في هذا الصدد قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: ٣] ومن خلال النظر في الأساليب القرآنية الواردة في هدا الشأن نجد القرآن الكريم يحفز الناس على التفكير، ويأمرهم به في سياقات متنوعة، وعادة يأتي ذلك عقب ذكر العديد من آيات الله الكونية أو الإنسانية، أو الحديث عما يتضمنه القرآن الكريم من حكم بالغة، أو بعد الإشارة إلى بعض الأمثال، أو القصص؛ أو حتى بعد التنبيه إلى ما بين الزوجين من المودة والرحمة، أو غير ذلك من أمور تتطلب من الإنسان أن يشحذ ذهنه وعقله لفهمها وإدراك ما تنطوي عليه من سنن وأسرار إلهية.
ومن استقراء التاريخ نعلم أن المسلمين عندما توقف تفكيرهم وانتشرت بينهم المقولات الخطأ مثل: "لم يترك الأول للآخر شيئا"، و "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، وراجت في أوساطهم الخرافات والأوهام، توقفت حضارتهم وتوقف إبداعهم، واكتفوا بثقافة المحفوظات، وترديد ما قاله السابقون، وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى توقف عطائهم الحضاري وإخلاء الميدان لغيرهم من الأمم لتحمل راية التقدم.
ومن هنا فإن تقدم الآخرين وتخلف المسلمين الحضاري في القرون الأخيرة يرجع بوجه عام إلى أن الآخرين قد مارسوا التفكير أو استخدموا عقولهم جيدًا بينما توقف المسلمون عن التفكير، والقرآن الكريم يقول في هذا الصدد {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: ١٣] فهذا التسخير للسموات والأرض وما بينهما يعد حقلًا واسعًا ومجالًا لا حدود له لكل من يستخدم عقله وفكره كما جاء في ختام الآية {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ}.
٢ - العلم: إن اهتمام القرآن الكريم بالعلم لا يحتاج إلى تأكيد، أولهما: وجدنا القرآن الكريم يوصي النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يدعو ربه الاستزادة من العلم{وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا} [طه: ١١٤]، وفي ذلك حفز لنا بالسير على منواله والاقتداء به، والعلم - كما هو معروف - نقيض الجهل، فإذا كان الإسلام يعتبر العلم فريضة، فإن الجهل يعد رذيلة ونقيصة، والحديث عن العلم يعني الحديث عن التفكير العلمي، ويعفي ضرورة الالتزام بالمناهج العلمية، ولكن الأمر المؤسف أنه لا يزال يشيع في أوساط، جماهير أمتنا الإسلامية اللجوء إلى تفسير الأحداث بغير أسبابها الحقيقية، وتصور أسباب وهمية لا صلة لها بالعلم ولا بالحقيقة، وهذا أمر حذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد تصادف أن حدث كسوف للشمس عندما توفي إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - فربط بعض الصحابة بين هذه الظاهرة الطبيعية وبين حزن النبي صلى الله عليه وسلم - بحسن نيته منهم - لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفض هذا القول بشدة، قائلًا: «إن الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكسفان لِمَوْتِ أَحد وَلَا لِحَيَاتِهِ».
ومن ثم فإن تفسير الأحداث بغير أسبابها الحقيقية، واللجوء إلى الأساليب غير العلمية وغير العقلية في العلاج، واتخاذ القرارات الشخصية، أو ما شابه ذلك يعد تخلفًا عقليًا وردة جاهلية، وانتكاسة فكرية، فضلًا عن أنه أمر مخالف للدين جملة وتفصيلًا.
٣ - الوقت: يُعد الوقت قيمة من القيم الحضارية الأساسية التي نبه إليها الإسلام، وحض على الالتزام بها، وحسن التصرف فيها، وقد أقسم الله تعالى بالوقت (مثل الفجر والضحى.. إلخ) في العديد من آيات القرآن الكريم ليبين لنا مدى الأهمية البالغة لهذه القيمة في حياة الإنسان، وتأكيدًا على أهمية الوقت يخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الوقت يدخل ضمن المسئوليات الكبيرة التي سوف يسأل عنها الإنسان يوم القيامة «عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أفْنَاهُ».
وهناك أمر مهم في هذا الصدد ينبغي أن ندركه جيدًا، وهو ضرورة التفرقة الواضحة بين وقت الجد ووقت اللهو، وعدم الخلط بينهما، فلكل وقته، والإسلام في الوقت الذي يدعو فيه إلى العمل وإلى استغلال الوقت فيما يفيد، فإنه يدعو إلى الترويح المقبول عن النفس استعدادًا لاستئناف العمل من جديد، كما جاء في بعض الأحاديث النبوية: «رَوِّحُوا القُلُوبَ سَاعَةً فَسَاعَةً».
وأخيرًا فإن الإسلام يعول كثيرًا على ضرورة الوعي بالزمن، وأهمية الاستغلال الأمثل للوقت في كل مجالات الحياة، إذ بدون ذلك لا تقوم حضارة.
٤- العمل: من القيم التي ترتبط ارتباطًا عضويًا بالوقت قيمة العمل: فالوقت هو الوعاء الذي يمارس فيه الإنسان العمل، ولا يمكن فصل هاتين القيمتين عن بعضهما، فالوقت بلا عمل فراغ، والعمل لا يمكن أن يتم إلا إذا كان هناك وقت لإنجازه، وإذا قلنا إن الوقت يشكل عنصرًا أساسيًا في تكوين الحضارة؛ فإن المقصود بذلك هو الوقت المرتبط بالعمل الجاد المثمر، والعمل لا يكون جادًا أو مثمرًا؛ إلا إذا كان قائما على علم وفهم وإدراك، وكما أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين الوقت والعمل، فإن هناك ارتباطًا لا يقل أهمية بين العلم والعمل بمعنى أن العمل المنتج بعد تنفيذا لتخطيط علمي وتطبيقًا عمليًا لما حصل عليه الإنسان من علم ومعرفة، وبذلك يكون العلم والعمل وجهين لعملة واحدة.
ولعله من نافلة القول التأكيد على مدى اهتمام الإسلام بقيمة العمل، فالعمل لون من ألوان العبادة لله سبحانه وتعالى بالمعنى العام للعبادة، والعمل المقصود ليس أي عمل، وإنما هو العمل الصالح الذي يفيد الفرد والمجتمع دينيًا كان أم دنيويًا، ونضيف هنا أمرين مهمين أكد عليهما النبي - صلى الله عليه وسلم- تأكيدًا واضحًا لا لبس فيه ولا غموض.
أولهما: إتقان العمل والإخلاص فيه، وفي ذلك يقول النبي – صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِل أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»
ثانيهما : استمرارية العمل حتى آخر لحظة في حياة الإنسان، وحتى عندما توشك الدنيا على الفناء، وفي ذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم- :« إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ»، وهذا يعني أن الإسلام في تأكيده على قيمة العمل يؤكد في الوقت نفسه على رفض التواكل بكل أشكاله وصوره، فالحياة حركة ونشاط، والأخذ بالأسباب سنة من سنن الله في الكون والتواكل مضاد لذلك كله، وعندما ساد هذا التواكل المرزول مجتمعاتنا الإسلامية تخلفت عن ركب الحضارة والتقدم.
٥ - حسن المعاملة:
الدين ليس تقوى سلبية تقتصر على صاحبها، وإنما التقوى الحقيقية تعد ترجمة عملية للدين في التعامل مع الآخرين، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بأي وسيلة أخرى من وسائل التعامل، ونضيف هنا أمرين مهمين أكد عليهما النبي – صلى الله عليه وسلم - تأكيدًا واضحًا لا لبسٌ فيه ولا غموض، ومن ثم فإن القرآن الكريم أكد على حسن المعاملة في منهج الدعوة الى الله -عز وجل- ويبين أن قوام الدعوة ومنهجها يقوم على الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالحسنى قال تعالى: {ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ} [النحل: ١٢٥]
كما يحثنا الرسول على البشاشة في وجه الآخرين لما لذلك من تأثير كبير في الألفة بين الناس، ولذلك يقول- صلى الله عليه وسلم -: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ»، ويقول كذلك: «لا تَحقِرَنَّ مِن المعروفِ شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوَجهٍ طَلْقٍ» أي بوجه بشوش
هذا ولا يترك الإسلام فرصة للتعامل الحضاري مع الآخرين إلا ويغتنمها بهدف الوصول إلى غرس الثقة المتبادلة والألفة والمودة بين الناس من أجل الوصول إلى مجتمع إنساني التحقق فيه معاني الأخوة الإنسانية ويسوده العدل والسلام، ومن أجل ذلك يحض الإسلام باستمرار على حسن الخلق في التعامل مع الآخرين ويروى أن رجلًا سأل النبي –صلى الله عليه وسلم-: ما الدين يا رسول الله؟ فأجابه الرسول بقوله-صلى الله عليه وسلم-: «الدِّينُ حُسْنُ الْخُلُقِ»، وكرر الرجل السؤال عدة مرات وكانت الإجابة في كل مرة هي أن «الدِّينُ حُسْنُ الْخُلُقِ»، ولا تقتصر حسن المعاملة على التعامل بين المسلمين بعضهم البعض، وإنما ينسحب ذلك على التعامل مع غير المسلمين من كل الأجناس والشعوب مادام هؤلاء لا يريدون بالمسلمين شرًا، والقاعدة القرآنية في ذلك واضحة كل الوضوح في قوله تعالى: {لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} [الممتحنة: ٨] ، فالناس جميعًا قد خلقهم الله من نفس واحدة تجمعهم رابطة الأخوة الإنسانية يصرف النظر عن أعراقهم ومعتقداتهم وأشكالهم وألوانهم والحضارة الحقيقية هي التي يتحقق فيها معنى الإنسانية في التعامل بين البشر جميعًا.
٦- حقوق الإنسان:
إذا نظرنا بصفة عامة إلى قضية حقوق الإنسان في التاريخ الإنساني، والأساس الذي ترتكز عليه هذه الحقوق في التصورات العامة، نجد أنها تدور بين أن تكون مبنية على أساس الحق الطبيعي، أو التعاليم الدينية أو الأخلاقية، أو على أساس وضعي، وقد تطور مفهوم حقوق الإنسان في الفكر الإنساني على مدى قرون عديدة من خلال صراع طويل داخل الجماعات الإنسانية، وانتهى الأمر إلى التصور الحديث لهذا المفهوم، والذي يرتكز بصفة خاصة على الأسس والمبادئ التي نادي بها التنوير الأوربي.
وفي خضم المناقشات التي تدور حول حقوق الإنسان حتى يومنا هذا ترتفع بين حين وآخر بعض الأصوات التي تتهم الإسلام بأنه دين لا يعرف حقوق الإنسان، ويتم بقصد أو بغير قصد - تجاهل عطاء الإسلام في قضية حقوق الإنسان تجاهلًا تامًا، وهذا قول لا يؤيده الواقع ويعوزه الدليل فمن المعروف لكل دارس للشريعة الإسلامية أن مقاصدها - منذ كانت - تتمثل في قيام مصالح الناس في الدين والدنيا معًا، وقد رُوعي في كل حكم من أحكامها إما حفظ شيء من الضروريات الخمسة، وهي: (الدين والنفس والعقل والنسل والمال) والتي تعد أسس العمران المرعية في كل ملة، وإما حفظ شيء من الحاجيات كأنواع المعاملات، وإما حفظ شيء من التحسينات التي ترجع إلى مكارم الأخلاق، وإما تكميل نوع من هذه الأنواع بما يعين على تحققه، وحفظ هذه الأنواع الثلاثة المشار إليها يعني حمايتها من أي اعتداء عليها، وهذه الحماية حق لكل فرد، فهي إذن تمثل حقوقًا للإنسان بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى.
وترجع حقوق الإنسان في الإسلام بصفة عامة إلى حقين أساسيين وهما: حق الإنسان في المساواة، وحقه في الحرية، وكل حقوق الإنسان الأخرى تنبثق من هدين الحقين، ويؤسس القرآن الكريم حق الإنسان في المساواة على قاعدتين أساسيتين هما: وحدة الأصل البشري، وشمول الكرامة الإنسانية لكل بني آدم.
ومن المعلوم أن حق المساواة في المجتمع الإسلامي مكفول للمسلمين ولغير المسلمين على السواء، وهنا تسري القاعدة التي استخلصها الفقهاء من النصوص الشرعية والتي صارت قانونًا إسلاميًا – "لهم مالنا وعليهم ما علينا".
أما المبدأ الثاني الذي ترتكز عليه حقوق الإنسان في الإسلام فهو مبدأ الحرية، والذي يشمل كل الحريات الإنسانية دينيةً كانت أو سياسيةً أو فكريةً أو مدنيةً، ولم تكن مقولة عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا" تعبيرًا عن موقف عارض، وإنما كانت ترسيخًا لتصور مبدئي ثابت في الإسلام.
٧- الجمال:
الإسلام دين يحب الجمال ويدعو إليه في كل شيء، والنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»، والقرآن الكريم في العديد من آياته بلفت الأنظار إلى ما في الكون من تناسق وإبداع وإتقان، وما يتضمنه ذلك من جمال وبهجة، وسرور للمناظرين، والإنسان مطبوع على حب الجمال، سواء كان هذا الجمال في الأشياء أو في الأشخاص.
ويُعرَّف الجمال بأنه صفة تُلحظ في الأشياء، وتبعث في النفس سرورًا أو رضًا، أو كما يقول ابن سينا: "جمال كل شيء وبهاؤه هو أن يكون على ما يجب له"، أو كما ينبغي أن يكون، وهذا يعني التناسق التام والنظام الكامل، وقد اكتمل ذلك في خلق الكون كله الذي خلقه الله فقدره تقديرًا وأبدع صنعه وأحسن كل شيء خلقه: {مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ} [الملك: ٣] ، ولفت القرآن الكريم انظارنا وعقولنا إلى هذا التناسق في خلق السماء بقوله: {أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ} [ق: ٦] ، وجعل لنا الحدائق بهجة لأنظارنا وسرورًا لأنفسنا: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ} [النمل: ٦٠]، والقرآن الكريم يدعونا لأن نتخذ زينتنا عند الخروج إلى المسجد حتى تكون في أبهى صورة وفي أجمل حال {يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ} [الأعراف: ٣١]
والجمال كما يكون في خلق الكون وفي خلق الإنسان يكون أيضًا في الأنعام، كما يقول القرآن الكريم {وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ} [النحل: ٦]، ويكون كذلك في مجال الأخلاق وفي الصفح على سبيل المثال: {فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ} [الحجر: ٨٥]، وفي الصبر: {فَٱصۡبِرۡ صَبۡرٗا جَمِيلًا} [المعارج: ٥] وغيرهما من صفات أخلاقية، ويكون أيضًا في الأفعال: {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا} [الأحزاب: ٤٩]، كما يكون الجمال في الأصوات فقد امتدح النبي –صلى الله عليه وسلم- صوت أبي موسى الأشعري، فقال له: «لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ»، كما كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يختار أجمل الأصوات للأذان، وامتدح بلالًا في الأذان واصفًا إياه بأنه: «أَنْدَى صَوْتًا»
إن الجمال إحساس داخلي ينعكس بدوره على ما يحيط بالإنسان فيرى كل شيء جميلًا، فالجمال إذن ليس في الشكل الظاهري فقط وإنما هو في المقام الأول في اعماق النفس الإنسانية، ويرتبط الإحساس بالجمال بالتفاؤل والإقبال على الحياة، وحب الناس، والاتجاه إلى عمل الخير، ومن أجل ذلك كان حرص الإسلام على تربية الذوق الجمالي لدى الإنسان المسلم.
ولم يكن ذكر الصور الجمالية البديعة في القرآن الكريم وصفًا دقيقًا وحقيقيًا للكون بما فيه من كائنات ومن فيه من البشر إلا ترسيخًا القيمة الجمال في النفوس، وتربية للذوق الجمالي لدى الأفراد والجماعات الأمر الذي من شأنه أن يرفق المشاعر ويرهف الإحساس ويعمق الإدراك، وليس هناك من شك في أن ذلك كله ينعكس بصورة إيجابية على سلوك الإنسان في الحياة ويجعله سلوكًا حضاريًا بكل معنى الكلمة.
٨- الحفاظ على البيئة:
إن اهتمام الإسلام بالبيئة لم يقتصر على الجانب المادي لها فحسب، والذي يشمل التحذير من التلوث المادي الذي يضر بها وبما تشتمل عليه من كائنات، وإنما يشمل كذلك الجانب الأخلاقي الذي يهتم به الإسلام أعظم اهتمام، والإسلام يجعل الحفاظ على البيئة جزءًا أساسيًا من العقيدة، وهذا ما نقرؤه في الحديث النبوي الشريف: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»، ويشمل الأذى المشار إليه كل أنواع الإيذاء التي تلوث البيئة وتضر بمصالح الناس وصحتهم وأذواقهم ومشاعرهم فتكدس القمامة في الشوارع أذى يشر بالناس، والكلمة التي تخدش الحياء اذى يلوث البيئة الأخلاقية ويخدش حياء الناس ويفسد أذواقهم، ومكافحة هذا الأذى بكل صوره يعد من الواجبات الدينية التي يكتمل بها إيمان المؤمن، وليست أمرًا هامشيًا يمكن التغاضي عنه.
إن الإسلام في حرصه على الحفاظ على البيئة إنما يؤكد أنه دين جاء لخير الإنسان وسعادته في دنياه وأخراه، وإذا كان الحفاظ على البيئة يعد اليوم سمة من سمات الحضارة الحديثة، فإنه جدير بالمسلمين أن يعتزوا كل الاعتزاز بما اشتملت عليه تعاليم دينهم من حماية للبيئة وحفاظ عليها، ولكن الأمر لا يجوز أن يقف عند حد الاعتزاز، بل يجب على المسلمين أن يترجموا هذه التعاليم إلى ممارسة حياتية يومية ليبرهنوا بسلوكهم الحضاري على انتمائهم الحقيقي للإسلام.
٩- الرفق بالحيوان:
من منطلق خلافة الإنسان في الأرض، وتحمله المسئولية عن هذا الكون بما فيه ومن فيه، تأتي مسئولية الإنسان عن الحيوان، وللإسلام في هذا الصدد مواقف ثابتة في قضايا الرفق بالحيوان، وأسلوب التعامل معه، فالحيوان كائن حي، وقد خلقه الله الذي خلق الإنسان وخلق كل شيء في هذا الكون، والإسلام له قيمه وتعاليمه الراسخة في تعامل الإنسان مع الحيوان ومع الجماد أيضًا، فلا يجوز إساءة استخدام أي شيء من مخلوقات الله، ويعلّمنا الرسول -عليه الصلاة والسلام - أن الإساءة للحيوان والقسوة عليه أو تعذيبه بأي شكل من الأشكال يحبط أعمال الإنسان ويعرضه لغضب الله وعقابه، وأن الرفق بالحيوان والتعامل معه من منطلق الرحمة يجعل الإنسان جديرًا برضا الله وغفرانه فقد روى أن النبي –صلى الله عليه وسلم - قال: «عُذِّبَت امرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتهَا حَتَّى مَاتَت، فَدَخَلَت فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطعَمَتهَا وَسَقَتهَا إِذ حَبَسَتهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتهَا تَأكُلُ مِن خَشَاشِ الأَرضِ».
وفي المقابل يخبرنا النبي -عليه الصلاة والسلام - بما ينتظر المتعاملين مع الحيوان بالرفق والرحمة من الثواب العظيم والأجر الجزيل، وذلك في قوله –صلى الله عليه وسلم-: «بيْنَما رَجُلٌ يَمْشِي بطَرِيقٍ اشْتَدَّ عليه العَطَشُ، فَوَجَدَ بئْرًا، فَنَزَلَ فيها فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فإذا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرى مِنَ العَطَشِ، فقالَ الرَّجُلُ لقَدْ بَلَغَ هذا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الذي كانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ ماءً، ثُمَّ أمْسَكَهُ بفِيهِ حتّى رَقِيَ فَسَقى الكلبَ؛ فَشَكَرَ اللَّهُ له فَغَفَرَ له»، وتمتد الرحمة بالحيوان إلى طريقة ذبحه ويوصي النبي–صلى الله عليه وسلم - بتخفيف الألم على الحيوان عند ذبحه بقوله–صلى الله عليه وسلم -: «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».
إن الإسلام يجعل قيمة الرحمة على رأس منظومة الأخلاق الإسلامية، ومن هنا وجدنا اهتمام القرآن الكريم بها اهتمامًا بالغًا لم تحظ به قيمة أخرى، فقد وردت بمشتقاتها المختلفة في القرآن الكريم ما يقرب من ثلاثمائة وأربعين مرة؛ بالإضافة إلى البسملة في أوائل السور القرآنية، والتي تشتمل على وصف الله سبحانه وتعالى بالرحمن الرحيم، وهذا الاهتمام الكبير يعني ضرورة التخلق بخلق الرحمة في جميع تعاملاتنا، سواءً كان ذلك مع أنفسنا أو مع غيرنا من البشر والحيوان
١٠- النظام:
النظام نقيض الفوضى والاضطراب والعشوائية والارتجال، وإذا انعدم النظام وسادت الفوضى في مجتمع من المجتمعات اختل كل شيء فيه، ولم تعد هناك حدود واضحة بين الحقوق والواجبات، ولا بين ما يجوز وما لا يجوز، وقد عنى الإسلام عناية فائقة بهذا الجانب المهم المنظم للحياة الإنسانية، من منطلق أنه دين للحياة بأبعادها المختلفة، ومن هنا جاء بأحكام وتشريعات منظمة الحياة الإنسان في صلته بالله أولًا، ثم في صلته بسائر أفراد البشر في مختلف شئونهم. وذلك حتى لا يترك النفس للأهواء والمصالح الذاتية تتحكم فيهم وتسيطر على تصرفاتهم وسلوكهم، مما يهدد كيان المجتمع وأمنه واستقراره، ومن هذا حرص الإسلام كل الحرص على أن يغرس في نفوس المسلمين حب النظام ويدربهم عليه حتى يصير سلوكًا يوميًا لهم.
وإن نظرة متأنية إلى بعض العيادات في الإسلام تجدها ترسم لنا صورة مُثلى في النظام، فالصلاة - على سبيل المثال - لها أوقات محددة لأدائها معروفة بكل دقة، ولها نظام مخصوص لا يجوز الخروج عنه أو الزيادة أو النقصان فيه، وهذا النظام المحكم في الصلاة وقوفًا وركوعًا وسجودًا وجلوسًا ...إلخ خمس مرات يوميا هو درس في الانضباط في الحياة، وكذلك الشأن في بقية العبادات.
وقد شملت النظم والتشريعات الإسلامية جميع جوانب الحياة في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والأخلاق وغيرها، والأمر الذي نريد أن نؤكد عليه في هذا الصدد هو أن الإسلام لم يجعل من هذه النظم - كما قد يتبادر إلى الأذهان - قيدًا على حرية الإنسان في تطوير الحياة وتجديدها فالإسلام في الوقت الذي وضع فيه أحكامًا في أمور لا تستقل العقول بإدراكها، ولا تختلف باختلاف الزمان أو المكان أو الأشخاص فوّض العقل الإنساني في الوقت نفسه فيما وراء ذلك، وأتاح له فرصة الاجتهاد في تقرير ما تقضى به المصلحة في حدود أصول الإسلام وثوابته، وبذلك حفظ للعقل الإنساني كرامته وصانه في الوقت نفسه من الاضطرابات والفوضى فالأمر يدور إذن حول الثوابت والمتغيرات، فالثوابت لیست محلًا للاجتهاد أو إعادة النظر أو التغيير والتبديل، أما المتغيرات فإنها ميدان فسيح النظر العقل واجتهاده وصولًا إلى ما فيه مصلحة المجتمع.
إن النظام هو الحياة الصحيحة بكل ما تعنيه من تخطيط سليم وتحضُّر ورُقي في الفكر وفي السلوك، أما الفوضى فإنها تعني التخلف والانفلات من كل القيم والنظم، وهذا أمر مضاد لكل تعاليم الإسلام ولكل القيم الحضارية المعتبرة.