جسّد علم البيطرة في الحضارة الإسلامية اهتمامًا بالغًا بصحة الحيوان وسلوكه، ودمج بين الخبرة العلمية والملاحظة الدقيقة، وقد ترك لنا العلماء تراثًا ثريًّا من المؤلفات التي تناولت التغذية، والعلاج، والوقاية، والطفيليات، وسلوك الكائنات بدقة لافتة.
جسّد علم البيطرة في الحضارة الإسلامية اهتمامًا بالغًا بصحة الحيوان وسلوكه، ودمج بين الخبرة العلمية والملاحظة الدقيقة، وقد ترك لنا العلماء تراثًا ثريًّا من المؤلفات التي تناولت التغذية، والعلاج، والوقاية، والطفيليات، وسلوك الكائنات بدقة لافتة.
يُعنى علم البيطرة أو طب الحيوان بدراسة أحوال الحيوانات من جهة ما يصح وما تحفظ به صحته أو يمرض ويعالج من مرضه، وقد اهتم علماء الحضارة الإسلامية بالثروة الحيوانية، وكل ما يتعلق بتطورها ونمائها، يشهد على ذلك ما تضمنته مؤلفاتهم من دراسات قيمة تتعلق بتغذية الحيوان وتربيته ومداواته من الأمراض التي تصيبه.
فقد أورد أبو بكر أحمد بن وحشية في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) كتابًا للحيوانات المعينة على الفلاحة، مثل: البقر والغنم والإبل وغيرها، وجعل بابًا خاصًّا للحمام والطيور والكراكي، كذلك خصص ابن العوّام الأبواب الأخيرة من كتاب (الفلاحة الأندلسية) لتربية الماشية، وتحدث عن أمراض الحيوان، وكيفية اختيار الجيد، ومدة الحمل، وما يصلح من العلف، ثم تحدت عن التسمين ورياضة الأمهار وعلاج بعض علل الدواب، وخصص فصلًا لمعالجة اقتناء الطيور في البيوت، مثل الحمام والأوز والدجاج ونحل العسل ثم اقتناء الكلاب للصيد أو الزرع.
وقد سبق علماء الحضارة الإسلامية إلى الحديث عن سلوك الحيوان، وهو من المباحث المعروفة حديثًا في علم البيطرة، فعرض داود بن عمرو الأنطاكي في تذكرته فصلًا إضافيًّا عن أخلاق الحيوان، وذكر الجبلي منها والاكتسابي وكيفية خروج ذلك بالعلاج، فمنها سرعة الانتقال من حالة إلى أخرى، كالوقوف بعد المشي ويسمى في الخيل (حرنًا) وسببه سوء المركوب وجهل المروض لها، وقد تمس الحاجة فيه إلى الكي، وقد يعتري غير الخيل ويدخل في الوحوش، وخصوصًا الأسد والفهد، وأشد الحيوانات انحرافًا البغل، ينسى في كل يوم خصلة محمودة ويحفظ خصلة مذمومة، وذكر داود الأنطاكي أن من الأخلاق الرديئة - أيضًا – (الكلاد) وهو العض والنهش مع هيجان، وأكثر ما يكون في الجِمال، وقد تدعو الحاجة إلى برد أسنانه لكنه أنكر ما قاله آخرون في علاجه بأن يلقم نحو الحنظل والصبر؛ لأنه يفضي إلى إدباره عن الأكل فيكون سببًا لتغير جسمه.
واتبع علماء الحضارة الإسلامية أسلوبًا رائدًا في التعرف على أمراض الحيوانات والتماس علاجها مع ملاحظة ما بينها وبين الإنسان من اختلاف في الأغذية والتركيب، وما يجب لذلك من تعديل في أنواع العلاج وكميات الدواء، وتناولت الكتب التراثية بالشرح والتحليل مختلف الأمراض التي تصيب الحيوانات من خيول وأبقار وثعالب وكلاب وطيور وغيرها، فذكروا البرص والبهق والسعال واليرقان والخناق والاستسقاء ووجع القلب وضعف الكلى وآلام المفاصل والنقرس والقرح وأمراض العين والحافر وآلات التناسل ومعالجة السموم وغير ذلك.
وامتد اهتمام بياطرة المسلمين ليشمل بعض أنواع الطفيليات التي تصيب الحيوانات والطيور، فقد قدم الصاحب تاج الدين في كتابه (البيطرة) وصفًا تفصيليًّا لعلامات الديدان في بطن الخيول والقروح المتولدة عنها، وتطرق - أيضًا - إلى تطفل العلق الذي يصيب الدواب، فإن هي وقعت في جوفه ذبل لحمه وهلك.
كذلك تكلم الجاحظ في كتاب (الحيوان) عن دور الذباب في نقل الأمراض البيطرية، ووصف طرق علاج وجود الديدان في بعض الحيوانات، وحرص الغطريف الغساني أن يدَوِّن في كتابه (ضواري الطير) ملاحظاته الهامة عن أنواع الطفيليات التي تصيب الطيور الجارحة منها قوله عن ديدان الحوصلة: "إذا رأيت الطائر قد ألقى ريمجه فكان له الدود"، فاعلم أن في حوصلته دودًا، وقوله عن الديدان المعوية: "إذا رأيت الطير قد ورم ما فوق كتفيه فاعلم أن في بطنه ديدانًا عراضًا مثل حب القرع (الديدان الشريطية) التي تكون في الصبيان.
وتحدث البلدي في كتابه (الكافي في البيرزة) عن القمل من الذي يصيب الطيور الجارحة بقوله: "القمل قملان: صغار وكبار، والصغار أشدها على الجارح مضرة وأذية له من الكبار؛ لأن الصغار تذيبه وتنهكه وتسقم جسمه وتمنعه من الأكل والنوم للصوقها بجلده، والكبار تسعى في بدنه، وتنتقل من مكان إلى مكان فيجد لذلك راحة، والقمل الكبار يأكل القمل الصغار، والقمل ينشف رطوبة الطير حتى يتركه جلدًا وعظمًا إن لم يعالج".
مراجع للاستزادة:
١- عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، تقديم أ.د. أحمد فؤاد باشا، سلسلة ذخائر (٧٤) الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة ٢٠٠٣م.
٢- الغطريف بن قُدامة الغسّاني، كتاب ضواري الطير، منشورات معهد تاريخ العلوم العرببة والإسلامية، فرانكفورت ١٩٨٤م.
علم البيطرة في الحضارة الإسلامية كان متقدمًا وركز على صحة الحيوان وعلاجه ووقايته من الأمراض، واهتم العلماء بتربية وتغذية الحيوانات ودرسوا سلوكها بدقة، وتناولت كتبهم أمراض الخيول والماشية والطيور وطرق علاجها، مع التركيز على الطفيليات والديدان، واعتمدوا على الملاحظة والتجربة العلمية في تشخيص الأمراض ووضع العلاجات المناسبة، وهذا الإرث العلمي ما زال له أثر كبير في الطب البيطري الحديث.
عبارة عن مكان بها نباتات تنمو طبيعيًا في منطقة معينة ولا تستخدم لأغراض أخرى غير الرعي.
عقدٌ زراعيٌّ يُحقق التعاون بين صاحب الأرض والزارع.
تطورت الزراعة في الحضارة الإسلامية من ممارسة تقليدية إلى علم منظم له قواعده.