الحديث عن مِصر حديث عن حضارةٍ امتدّت جذورها في أعماق التاريخ، وأهدت الإنسانية دروسًا في العمران والفكر والوعي والثقافة، فكانت وما زالت حافلة بكل معاني الرقي والتحضر والثقافة في كل العصور.
الحديث عن مِصر حديث عن حضارةٍ امتدّت جذورها في أعماق التاريخ، وأهدت الإنسانية دروسًا في العمران والفكر والوعي والثقافة، فكانت وما زالت حافلة بكل معاني الرقي والتحضر والثقافة في كل العصور.
ظلَّت مصر ملتقى للقارات، ومعبرًا للحضارات والثقافات بين الشرق والغرب؛ لتميُّزِ موقعها الجغرافي الذي حباها الله تعالى به في الشمال الشرقي لقارة إفريقيا، وامتداد أرضها -شبه جزيرة سيناء- في آسيا، وفوق ذلك وهبها الله تعالى نهرَ النيل الذي شكّل شريانَ حياةٍ وتنميةٍ، وصحراءَ، وعمرانَ؛ مما ألهم بفكرة البناء والبقاء.
الحضارة الفرعونية المصرية القديمة من أوائل الحضارات التي عرفها التاريخ، ولا أدلّ على ذلك من تلك الآثار الحضارية التي ورثناها عن الأجداد من مدنٍ ومعابدَ وأهراماتٍ شاهقةٍ شاهدة على ثقافة فكرية وعزيمة إنسانية فائقة الروعة والإتقان.
وتميّزت العمارة المصرية القديمة بعبقٍ فنيٍّ فريدٍ، يجمع بين الدقّة الهندسية والجمال الرمزي، حتى غدت الحجارةُ فيها لغةً تُعبّر عن روح الخلود والاتزان، وقد أشار سليم حسن إلى أنّ جدران المعابد والأهرامات كانت تميل ميلًا خفيفًا نحو الداخل، تحقيقًا للثبات الجماليّ والإنشائيّ، وأن مواد البناء من الحجر الجيريّ والجرانيت كانت تُستَمدّ من البيئة المصرية ذاتها [مصر القديمة، ج٢، صـ٨٧–٩٠].
ويؤكّد عبد المنعم أبو بكر أنّ هذه العمارة تفرّدت بضخامتها ودقّتها، وأن المعابد شيّدها المصريون لأغراضٍ دينيةٍ ومجتمعيةٍ متداخلةٍ [تاريخ الفن المصري القديم، صـ١١٢–١١٥]، كما فصّل محمد عبد القادر محمد في بيان استخدام الحجر الرمليّ واللبن في البناء، مبرزًا الوظيفة الطقسية للمقابر والمعابد بوصفها صلةً بين الحياة والموت [الفن المصري القديم، صـ٦٦–٧٠]، وخلص جمال الدين الشيال إلى أنّ هذا الميل البنائي للجدران سِمَةٌ أصيلةٌ في العمارة الدينية والجنائزية، تمثّل فلسفة المصريّ القديم في السكون والبقاء [تاريخ الحضارة المصرية القديمة، ج١، صـ١٤٥–١٥٠].
ويُنسب للمصريين القدماء السبق في اختراع الكتابة؛ حيث ظهرت أولى الرموز الهيروغليفية في مناطق نقادة وأبيدوس خلال مرحلة ما قبل الأسرات نحو ٣٤٠٠ – ٣٣٠٠ ق.م؛ أي قبل أقدم النصوص السومرية في أوروك بحوالي ٢٠٠ سنة [سليم حسن، ١٩٩٢، صـ٤٥–٤٧]، [عبد العزيز صالح، ١٩٨٨، صـ٧١–٧٢].
وقد أكد محمد بيومي مهران أنّ هذه النقوش لم تكن مجرد رسومات، بل كانت وسيلة لتدوين المعاملات الإدارية والطقوسية، دالة على وعي ثقافي متقدم [١٩٩٨، ج١، صـ٨٣]، وقد عُثر على رموز مكتوبة تمثل أقدم أشكال التدوين المصري المستقل عن حضارات أخرى [Günter Dreyer, ١٩٩٨]، ويشير توبي ويلكنسون وجيمس هنري برستد إلى أن المصريين كانوا أول من طور نظامًا كتابيًا متكاملًا، سابقين بذلك السومريين بنحو قرنين، ما يجعلهم مؤسسي حضارة التدوين المبكر في التاريخ الإنساني [Wilkinson, ١٩٩٩، صـ٤٢؛ Breasted, ١٩٣٣، صـ٢٥]، وبهذا المعنى، فإنّ مصر لم تبنِ عمرانها فحسب، بل صنعت أدوات التدوين، والتوثيق، والوعي المرتبط بالبقاء والتاريخ.
لم تبقَ مصر محطّ حضارةٍ واحدة فقط؛ بل كانت منطلقًا أو حاضنةً لمختلف الحضارات: الفرعونيّة، واليونانية، والرومانية، والقبطية ثم الإسلاميّة، وهذا التراكم الحضاري جعل مصرَ «مَهْدًا» للعمران بمعناه الواسع.
يظهر لنا من كل ما وصل إلينا من تراثٍ وآثارٍ للمصريين القدماء أنَّهم قد سبقوا عصرهم بوعيهم وفكرهم.
فهذا فنُّ العمارة عند المصريين لم يكن مجرّد بناءٍ أو تزيين، بل كان تجسيدًا لفكرةٍ أعمق -فكرة الخلود-، وفكرة التواصل بين الإنسان والأرض، وبين الحيّ والميت، وبين السماء والأرض [سليم حسن، مصر القديمة: الجزء الثاني – الدولة القديمة]، وإنَّ مصر حين تُشَيِّد، فهي تُشَيِّد وعيًا يتخطى بنيان الأحجار إلى بنيان الوعي والثقافة التي تربط حاضرها بماضيها ومستقبلها بحاضرها، بل ودنياها بأُخراها، وحضارتها بمُعتقدها، وأهدافها بعلومها.
يظهر الوعي بالتاريخ عند المصريين القدماء من خلال ابتكارهم المُبكِّر لفكرة الكتابة، ثم استخدامها في إثبات الأحداث والمُجريَات المحورية في حياتهم، فكتبوا على الجدران نصوصًا دينية وأخرى طبية ليجمعوا بذلك بين طب الروح وطب البدن، وكتبوا نصوصًا اجتماعية وأخرى اقتصادية وتجارية وحقوقية، بل وسجلوا أيضًا بعض المناسبات الاجتماعية أو السياسية التي مرَّت بهم.
بل وتركوا للتاريخ سجلًّا حافلًا بأسماء الأُسَرِ والملوك الذين حكموا مصر، وأسماء أبناء وزوجات هؤلاء الملوك، كما سجَّلوا أسماء بعض الرموز من العلماء والمثقفين والوجهاء الذين أثروا في عصرهم وبناء حضارتهم، كما سجلوا معاركهم التي خاضوها منتصرين أو منهزمين، وما فاتهم أن يتركوا لمن بعدهم سجلًّا حافلًا بالاحتفالات والمراسم السياسية أو الاجتماعية التي نشأت في عصرهم. [عبد المنعم أبو بكر، تاريخ الفن المصري القديم، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧٤م].
ساعد الموقع الجغرافي المتميز لمصر على اتصالها الداخلي بين بلدانها؛ وذلك لطبيعة أرضها ووجود نيلها فقد ساعدا على سهولة الاتصال بالنقل النهري أو البري، فكانت مُتَّحدة في ثقافتها وعلومها وفنونها وعاداتها ومناسباتها، وانتشر التبادل التجاري بين جميع بلدانها، فنشطت أسواقها وازدهرت حياتها.
أمَّا التفاعل العالمي فلا يخفى أنَّ مصر بما وهبها الله تعالى من مُقَدَّرات وطاقات وإمكانيات قد استغلَّت ذلك كله في تقوية صلتها بشعوب العالم، بل ولأنها توسَّطت موقعًا يتصل بثلاث قارات -إفريقيا جنوبًا، وآسيا شرقًا، وأوروبا شمالًا- كانت محَطَّ اهتمام من العالم أجمعه، بين طامحٍ في صداقة يستفيد بها من معاملات تجارية واقتصاديَّة وسياسية وحربيَّة، أو طامعٍ في خيراتها يريد أن يتبوأ عرشها ويتقوَّى بأهلها.
فكانت مصر مركزًا للحضارات، وملتقى للثقافات، وموطنًا للعلوم والفنون الدولية، حتى غدت مرآة للعالم، ونبضًا حقيقيًّا لكل أحداثه، ولم تكن يومًا في مَعْزلٍ عن قضاياه الاجتماعية أو السياسية أو البيئيَّة. [محمود فوزي، الكتابة المصرية القديمة وتطورها، دار المعارف، القاهرة، ١٩٨٠م]
إنَّ التَّحدِّي الأكبر هو نقل السَّبقِ الحضاري من حَدَثٍ تاريخيّ إلى سياقٍ عصري، حتى لا تصبح الحضارة مجرد حكاية عن الماضي المجرَّد من الإلهام والتحفيز، بل واقعًا حيًّا، ومستقبلًا قويًّا.
وللتحوّل إلى هذا المستقبل لا بدّ أن نستثمر كلَّ الإمكانيات والطاقات في كل المجالات كالتعليم والطب والثقافة والتجارة والاقتصاد، والعمارة، وغيرها، وقد خَطَت مصرُ خطوات بناءة في هذا الاتجاه، فهذه قناة السويس الجديدة التي أضافت للموقع المتميز لمصر قيمة فوق قيمة، ثم جاءت العاصمة الإدارية الحضارية العصرية الحديثة التي عبَّرت عن وعيٍ وحضارةٍ ومواكبةٍ عصريةٍ للتطور الإداري والمعماري العالمي، ثم جاء المُتْحَفُ المصري الكبير الذي يُجَسِّد التقاء الماضي المُشَرِّف بالحاضر الواعِدِ في هذا التناغم الباهر بين ثروة قوميَّة ورؤية حضارية، يجمع بين عَرَاقة تاريخية وفكرة واعية، بل وهو رسالة محبة وثقافة أهدتها مصر للعالم بأسره، فقد كانت مصر وما زالت مهدًا للحضارات ومنبعًا للإبداع الإنساني.
جمعت مصر منذ القِدَمِ بين عناصر العمران والحضارة، كالكتابة والعمارة والفكر والتاريخ والوعي، وجعلت من ذلك كله وسيلة للتواصل مع العالم في سائر المجالات، وغَدَت بذلك رائدة للركب في التطور والاستفادة من كل جديد، تحيا مصر بسواعد أبنائها، وعزيمة رجالها، وتضحيات نسائها، عاصمة للتقدم والتطور والازدهار.
يستند إلى ترسيخ القيم الإنسانية والأخلاقية، والعمل على تحقيق التقدم من خلال العلم والاجتهاد والإبداع.
مصرُ التي خاطبها التاريخُ بلسان الحجر، فأنطقه الإيمانُ بيانًا ودهشةً في عقول العلماء.
لا خلاف بين العلماء أن المصريين القدماء كانوا كبقية شعوب الدنيا منهم المؤمن ومنهم غير المؤمن.