Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

النموذج المعرفي الإسلامي وتجديد الخطاب الديني(١)

الكاتب

أ.د / علي جمعة

النموذج المعرفي الإسلامي وتجديد الخطاب الديني(١)

"النموذج المعرفي الإسلامي" ركيزة لتجديد الخطاب الديني وحفظ الهوية، عبر إجابات واعية عن أسئلة الوجود الكبرى (المبدأ، والغاية، والمصير)، وتتجلى هذه الرؤية في الربط بين التوحيد وعمارة الأرض وتزكية النفس، لإعادة صياغة عقلية "إنسان الاستخلاف" القادرة على استيعاب المعاصرة بقيم التكريم الإلهي ومنظومة الأسماء الحسنى.

تعريف النموذج المعرفي الإسلامي، والحاجة إليه

إننا في عصر قد تغير عن العصور السابقة في برنامج حياة الإنسان، وأصبح أكثر تعقدًا وسرعة وتطورًا، وقد يكون في بعض جوانبه أكثر تدهورًا، ولا بد للمؤمن الفَطِن أن يكون مدركًا لشأنه، عالمًا بزمانه.

ولنذكر ذلك في نظرة شاملة على الواقع، وعلى سمات العصر، وسنرى في هذا المجموع الذي بين أيدينا مقالات تحاول أن تتناول ذلك الواقع بالاقتراح، والتعامل، والاستفادة من جوانب الخير، ومحاولة البعد عن الشر، ومحاولة الحفاظ على الهوية في عالم متلاطم الأمواج سمي بـ "عالم ماك" وهو المقطع الأول من كلمات كثيرة شاعت في ثقافة العصر مثل: (ماكدونالد، وماكنتوش، ماكروييف) والتي ترمز للتطور والتغيير في الطعام، والتقنية، والاتصالات.

يبدو أننا في حاجة لصياغة النموذج المعرفي الذي يكون عقل المسلم بناء على عقيدته، ورؤيته الكلية للإنسان والكون والحياة وما قبل ذلك وما بعده، ذلك النموذج الذي يمثل الإطار المرجعي، والمعيار المعتمد في عقل المسلم ونفسيته، وهو المكون الأساسي لشخصية المسلم، والضابط لفكره.

نريد أن نعيد صياغة ذلك النموذج حتى نجيب به على الأسئلة الكلية الكبرى في حياة الإنسان، ورؤيته لنفسه ولما حوله، وحتى نواجه به متطلبات العصر، وحتى يفهمنا الآخرون على أقل تقدير، إذا لم ينبهروا بهذا النموذج، ويسعوا إلى اعتناقه، والإيمان به، وتبنيه.

والنموذج المعرفي هذا سنراه موجودًا في وجداننا، ومصادر بنائه في عقائدنا، وأحكامنا، ولكن إعادة الصياغة ستمكننا من تفعيله، ومن جعله أساسًا للحياة.

والذي سنفعله مع القارئ الكريم هي رحلة في عقل المسلم نستكشف فيها أسس تفكيره، ومميزات عقله ووجدانه، ونبيِّن كيف أثَّر ذلك في الآداب والفنون والحياة، وكيف يمكن أن يؤثر مرة ثانية، فيخرج المسلم من حزنه، ويمارس عمارة الأرض مع الآخرين؛ ليمنحهم ما هم في أشد الحاجة إليه.

الإجابة على سؤال المبدأ (من أين نحن؟)

١-أجاب المسلم بموجب عقيدته على السؤال الكلي الأول؛ من أين نحن؟ وهو سؤال متعلق بالماضي، ولكنه نشأ من حيرة الإنسان، وجهله الحسي بنشأته ومبتدأه كالطفل الصغير يسأل من أين أتيت؟ إنه لا يتذكر يوم ولادته، ولم تكن عنده القدرة على ذلك قال تعالى: ﴿مَّاۤ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّینَ عَضُدࣰا﴾ [الكهف: ٥١].

فأجاب المسلم بناء على إيمانه أن الله خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان، وهو خالق كل شيء ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ * عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ *خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٣]. 

٢- والمسلم يؤمن بالتوحيد ليس فقط توحيد الإله، بل توحيد شمل كل شيء في بنائه العقائدي، فنبيه صلى الله عليه وسلم واحدٌ؛ لأنه خاتم المرسلين قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَاۤ أَحَدࣲ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِیِّۦنَۗ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وكتابه واحدٌ؛ ولذلك حفظه من التحريف والتغيير، وجعله واحدًا لا تعدد له قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، والأمة واحدة قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦۤ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةࣰ وَٰحِدَةࣰ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، والقبلة واحدة قال سبحانه : ﴿وَحَیۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ﴾ [البقرة: ١٤٤]، والرسالة واحدة عبر الزمان قال سبحانه: ﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ مِن قَبۡلُ وَفِی هَٰذَا لِیَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِیدًا عَلَیۡكُمۡ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ ﴾ [الحج: ٧٨]. 

والتوحيد بهذا المعنى الذي اشتمل على الأشياء والأشخاص، وتعدى الزمان والمكان، لا بد أن يؤثر في عقل المسلم المعاصر، وأن يكون أساسًا؛ لفهمه للحياة، وفي تعامله مع الأكوان؛ خاصة الإنسان.

الإجابة على سؤال الغاية والتكليف (ماذا نفعل هنا؟)

وهو يؤمن بأن الله لم يدع الخلق بلا تكليف، فهناك شرائع وكتب ووحي قال سبحانه: ﴿لِكُلࣲّ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةࣰ وَمِنۡهَاجࣰاۚ﴾  [المائدة: ٤٨]، ولكنه جعل الإسلام هذا اسم الديانة التي يرضاها عبر التاريخ من لدن آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّینَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال سبحانه: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ﴾  [المائدة: ٣]. 

وقضية التكليف تجيب - أو ينبغي أن تجيب - على السؤال الثاني؛ ماذا نفعل هنا؟ وأسس هذا التكليف ثلاثة، أولها: عبادة الله، تلك العبادة التي يجب أن تنشئ إنسان العمارة والحضارة قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ *مَاۤ أُرِیدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقࣲ وَمَاۤ أُرِیدُ أَن یُطۡعِمُونِ * إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِینُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]، وثانيها: عمارة الأرض، وذلك بنشاط التعمير، والامتناع عن نشاط التدمير قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١]، أي: طلب منكم عمارتها، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَعۡثَوۡا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِینَ﴾ [البقرة: ٦٠]، وثالثها: تزكية النفس؛ قال عز من قائل: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠].

الإجابة على سؤال المصير (اليوم الآخر)

ويؤمن أن هناك يومًا آخر للحساب - الثواب أو العقاب - قال سبحانه: ﴿فَمَن یَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَیۡرࣰا یَرَهُۥ * وَمَن یَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةࣲ شَرࣰّا یَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وهذا الإيمان يؤثر في سلوك المؤمن بالإحجام والإقدام، فتراه يقدم على الشيء الذي فيه مشقة أو فوات لذة إذا رأى أن ذلك يقرِّبه من الجنة، ويترتب عليه الثواب، وتراه يمتنع عن شيء فيه لذة، ويحجم عنه؛ لأنه يراه يقربه من النار، وهذا مرتبط بقضية الإيمان بالله، والإيمان بالتكليف، ويؤثر على الحياة، ويجب أن يؤثر عليها بصورة إيجابية وإلا تحول الخوف والرجاء أسبابًا لإعاقة الحياة، وفي الحقيقة أن الله شرعها؛ لحماية الحياة، ولدفعها، فإذا كانت تصرفاتنا قد حولتها إلى عائق للحياة كان ذلك ضد مقصود الشرع الشريف.

فالحج شُرِعَ؛ لحفظ النفس في كل صورها، فلا ينبغي أن نحوله إلى ما يدعو إلى قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، حيث يجب علينا أن ندرك الزمان وما حدث فيه، والمكان وسعته والأشخاص، ومدى علمهم بدينهم، والأحوال وما طرأ عليها من تغير، فنحقق مقصود الشرع منه.

هذه الأسئلة الثلاثة الكبرى أنشأت مجموعة من المكونات العقلية التي أسست شخصية المسلم، والتي نرجو أن يعود إليها المسلمون على وجهها التي أنزلها الله من أجله، وأن يفهموا مراد الله من وحيه الشريف.

منظومة الأسماء الحسنى (الجمال والجلال والكمال)

ويؤمن المسلم بالمطلق؛ لأنه آمن بأن الله لا نهائي ولا محدود، واللانهائي اللامحدود أتى من إيمانه بأسمائه، وصفاته، فأسماء الله الحسنى التي وردت في القرآن والسنة تمثل الهيكل التربوي للمسلم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، والأسماء التي وصف الله بها نفسه في كتابه أكثر من (١٥٠) اسمًا، وقد ورد في السنة أكثر من (١٦٠) اسمًا، ومجموعهما (٢٢٠) اسمًا بعد حذف المكرر، وهذه الأسماء والصفات يمكن تقسيمها إلى صفات جمال: كالرحمن والرحيم والعفو والغفور، وصفات جلال: كالمنتقم والجبار، والشديد المحال، وصفات كمال: كالأول والآخر والظاهر والباطن، وكل ما يوصف به الله.

والمؤمن يتخلق بصفات الجمال، ولا يتخلق بصفات الجلال بل يتعلق بها، فيعفو ويصفح، ويمسك نفسه عند الغضب قال تعالى: ﴿وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَءَانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ۚ ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: ٨]، وقال سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِیرࣱ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ یَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِیمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدࣰا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُوا۟ وَٱصۡفَحُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ * وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَیۡرࣲ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ﴾ [البقرة: ١٠٩ - ١١١]، ومن هنا وصف الله الصبر على أمره الكوني أو أمره الشرعي بالصبر الجميل فقال تعالى: ﴿فَصَبۡرࣱ جَمِیلࣱۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وقال أيضاً: ﴿فَٱصۡبِرۡ صَبۡرࣰا جَمِیلًا﴾ [المعارج: ٥]، وقال سبحانه: ﴿وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا یَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرࣰا جَمِیلࣰا﴾ [المزمل: ١٠]، والتخلق بالجمال، والتعلق بالجلال، والإيمان بالكمال من مكونات العقل المسلم.

مكانة الإنسان، وتكريمه (الاستخلاف والأمانة):

- والمؤمن يرى أن الإنسان مكرمٌ، وأنه ليس مجرد جزء من الكون قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا﴾ [الإسراء: ٧٠].

  فالإنسان كائن فريد في هذا الكون؛ لأنه متحمل للأمانة قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَیۡنَ أَن یَحۡمِلۡنَهَا وأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومࣰا جَهُولࣰا﴾ [الأحزاب: ٧٢].

ويرى المؤمن أن الإنسان سيد في هذا الكون، وليس سيداً له، فالسيد هو الله، قال صلى الله عليه وسلم : «السيدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» [أخرجه أحمد في "مسنده" رقم (١٦٣٤٩)، وأبو داود في كتاب "الأدب"، "باب في كراهية التمادح" رقم (٤٨٠٦)، والنسائي في "السنن الكبرى" رقم (۱۰۰٧٤) من حديث عبد الله بن الشِّخِّير]، فإن الكون كله يسبح لله قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَیۡءٍ إِلَّا یُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِیحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِیمًا غَفُورࣰا﴾ [الإسراء: ٤٤]، ويسجد كذلك الله سبحانه: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ یَ̅سۡ̅جُ̅دُ̅ ̅لَ̅هُ̅ۥ̅ مَن فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِی ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَاۤبُّ﴾ [الحج: ١٨]، ولكن المؤمن وهو يسير في عبادة الله يسير سير السيد، وليس سير الجمادات قال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَءَایَٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣]، وقال سبحانه: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِی فِی ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَیُمۡسِكُ ٱلسَّمَاۤءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [الحج: ٦٥]. 

حرمة الزمان والمكان والأشخاص

ويعتقد المؤمن أن للزمان والمكان والأشخاص والأحوال حرمة يراعيها في تعامله معها، فتراه يقدس ليلة القدر : ﴿إِنَّاۤ أَنزَلۡنَٰهُ فِی لَیۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ﴾ [القدر: ١]، ﴿إِنَّاۤ أَنزَلۡنَٰهُ فِی لَیۡلَةࣲ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِینَ﴾ [الدخان: ٣]، ويقدس الكعبة ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَیۡتࣲ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِی بِبَكَّةَ مُبَارَكࣰا وَهُدࣰى لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَطْيَبَكَ وَأَطْيَبَ رِيحَكَ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكَ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّد بيده، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِندَ الله حُرْمَةً مِنْكَ مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا» [ أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة باب ما جاء في تعظيم المؤمن حديث (۲۰۳۲)، وابن ماجه في كتاب "الفتن" باب "حرمة دم المؤمن وماله "حديث (۳۹۳۲) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، واللفظ لابن ماجه] ، ويقدس المصحف ﴿لَّا یَمَسُّهُۥۤ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وينزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلة عظيمة ﴿لَّا تَجۡعَلُوا۟ دُعَاۤءَ ٱلرَّسُولِ بَیۡنَكُمۡ كَدُعَاۤءِ بَعۡضِكُم بَعۡضࣰاۚ﴾ [النور: ٦٣]، وقال تعالى : ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرۡفَعُوۤا۟ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِیِّ وَلَا تَجۡهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. 

النموذج المعرفي كمنطلق لتجديد الخطاب

ومن مجمل ذلك كله تتكون عقلية المسلم، ونفسيته؛ لتكون شخصية متميزة، ترى أن الدعوة عامة، وأن الله سبحانه وتعالى كما أرسل الرسل بالعهد القديم، والعهد الجديد، فقد ختمهم برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنزل معه العهد الأخير، وجعل الله سبحانه الأمة واحدة من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَٰقَ ٱلنَّبِیِّۦنَ لَمَاۤ ءَاتَیۡتُكُم مِّن كِتَٰبࣲ وَحِكۡمَةࣲ ثُمَّ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مُّصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِیۖ قَالُوۤا۟ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِینَ﴾ [آل عمران: ٨١].

وهذا النموذج المعرفي ينبغي أن يكون منطلقًا للتقويم، ومعيارًا لقبول ما هنالك من أفكار البشر وتوجهاتهم، ومبدأً لتجديد الخطاب الذي يتوافق مع إدراك الواقع بعوالمه المختلفة.

الخلاصة

يدعو المقال إلى إعادة صياغة "النموذج المعرفي الإسلامي"؛ ليكون ركيزة لبناء عقل المسلم المعاصر، عبر الإجابة على تساؤلات الوجود الكبرى، وضبط ثنائية (العبادة والتعمير)، ويؤكد مولانا الأستاذ الدكتور علي جمعة أن هذا النموذج المستمد من قيم التوحيد، وتكريم الإنسان، هو المعيار الأساسي؛ لتجديد خطاب ديني يواكب تطورات العصر، ويحفظ الهُوية.

موضوعات ذات صلة

يعد إدراك الواقع بعوالمه المتداخلة ركيزة أساسية لتجديد الخطاب الديني المعاصر.

إنَّ نظام "فروض الكفاية" يُمثل جوهر المنهج الاجتماعي الإسلامي الذي حوَّل الواجب الشرعي إلى محرِّك ذاتي للنهضة.

الكتاب ليس حبرًا بين دفتين، بل هو نبض يتجاوز حدود الزمن.

موضوعات مختارة