(د)
لا بد من التخلص من عقلية الخرافة، وهي العقلية التي لا تفرق بين المجالات
المختلفة، ولا تقيم الدليل المناسب لإثبات القضية محل النظر، ولا تتبع منهجًا
واضحًا محددًا من قبل في التعامل مع الحقائق، ولا تعتمد مصادر للمعرفة، وهذه
العقلية الخرافية التي نريد أن نتخلص منها لا بد أن يكون ذلك في مجال الحس، ومجال العقل،
ومجال الشرع، فهذه المناهج المختلفة التي تدعو إلى الانتحار، أو الانبهار، أو
الاجترار، أو الانحسار، أو الاغترار مناهج مرفوضة، فمنهج الانتحار الذي يؤدي إلى
التكفير المؤدي في نهاية الطريق إلى التدمير والتفجير مرفوض، ومنهج الانبهار
بالآخر، والتعدي على مصادر الشرع من كل غير متخصِّص بين الإفراط والتفريط حتى يخرج
علينا من ينكر الإجماع، أو يخرج عن مقتضيات اللغة، أو عن هوية الإسلام، أو يحول
الإسلام إلى لاهوت التحرر أو لاهوت العولمة.
ومنهج الانحسار
الانعزالي الذي يؤدي إلى الفرار من الواقع الذي يشبه الفرار يوم الزحف منهج مرفوض
أيضًا؛ باعتبار أن مخالطة الناس والصبر عليهم خير عند الله من العزلة؛ قال
تعالى: ﴿فَصَبۡرࣱ جَمِیلࣱۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ
مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وقال رسول الله ﷺ: «المُسْلِمُ
إِذَا كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ
المُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» [أخرجه
الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، حديث: (٢٥٠٧)، وابن ماجه في "كتاب الفتن"،
باب "الصبر على البلاء"، حديث: (٤٠٣٢)].
أما منهج
الاجترار فإنه يتمثل في التمسك بمسائل التراث تمسكًا يحكي صورتها دون الوقوف عند
مناهج التراث والتجريد أمامها، حتى يمكن تطويرها إن احتاجت إلى تطوير، أو
الاستفادة بها حتى على حالها إن كانت تصلح لذلك.
فهو منهج
(ماضوي) - إن صح التعبير - يريد بإصرار أن نتغاضى عن واقعنا، وأن نستمر في واقع قد
تغيرت عليه الحياة، حتى رأينا كثيرًا من الناس يخرجون من دين الله أفواجًا؛ لظنهم
أن هذا هو دين الله، وأن دين الله بذلك من طبيعته ألا يصلح لزماننا هذا، وهو وهم
خاطئ ومخطئ، خاطئ لأنه مخالف للحق، ومخطئ لأنه مخالف للواقع.
أما منهج
الاغترار؛ فنراه عند كثير من خارج الدراسات الدينية الأكاديمية، الذين أقحموا
أنفسهم في مجال الكلام في الشرع الشريف؛ تشهيًا لإصلاح الدين بزعمهم تارة، أو
للإدلاء بآرائهم التي يرونها مهمة تارة أخرى، وقد نراه أيضًا عند الدارسين
الدراسات الشرعية في مراحلها الأولى، مع ظن لا يتناسب مع ظن العلماء الراسخين في
العلم؛ حيث يعتقدون أن لهم الحق في تجديد الدين، غافلين عن قلَّة بضاعتهم الشرعية
من ناحية، والمسافات الشاسعة بينهم وبين إدراك الواقع من ناحية أخرى، وهنا يجدر
بنا أن ننبه على فارق مهم بين البحث (في) علم ما، وبين الكلام (عن) ذات العلم،
والفرق بين (في) و (عن): أن (في) تستلزم استكمال العملية التعليمية بعناصرها
الخمسة: الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي، وهي عملية تهتم
بالمعرفة، وبالقيم، وبتربية الملكات، وتحتاج لكي يبرز نتاجها في الواقع إلى التفرغ، والتخصص،
والأدوات، وطول الزمان، بالإضافة إلى الاستعدادات الفطرية من الذكاء باعتباره قوة
ربط المعلومات، والحرص على تلقِّي العلم الذي يمكن أن نسمِّيه بالهمَّة، وبذل
الجهد المستمر.
ولقد أشار
الشافعي منذ القدم إلى هذا مما يبين أن المنهج العلمي لا يختلف في ذاته، وإنما قد
يتطور في صياغاته، حيث قال:
أخي لن تنال
العلم إلا بستةٍ سأُنبيكَ عن تأويلها
ببيــــانِ
ذكاءٌ وحرصٌ
واجتهادٌ وبُلْغَةٌ وإرشادُ أستاذٍ وطولُ زمانِ
والبُلغَةُ تعني
التفرغ لطلب العلم، وأن عنده ما يكفيه من الأرزاق، وهو المعنى الذي قامت به
الأوقاف الإسلامية عبر القرون، فكان من أهم جهاتها الصرف على التعليم، وعلى الصحة،
وعلى الأمن الداخلي.
وهذا النمط من
الاغترار هو أخطر الأنماط؛ لأنه قد حصل شيئًا من العلم الشرعي، إلا أنه لم تكتمل
أدواتــه حتـــى يصل إلى مرتبة المجددين.