Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

توليد العلوم فرض على المسلمين (١)

الكاتب

أ.د/ علي جمعة

توليد العلوم فرض على المسلمين (1)

يؤصل الدكتور علي جمعة لضرورة الانتقال من العشوائية إلى العلمية في تبليغ الدين، وذكر في هذا المقال أن توليد علوم جديدة كـ "علم الخطاب الإسلامي" هو فريضة وقتية تضبط الفوضى الدعوية، وتستعيد بها الحضارة الإسلامية ريادتها وقدرتها على مخاطبة الواقع ببصيرة ومنهج.

الضرورة الشرعية والواقعية لتدشين "علم الخطاب الإسلامي"

من أراد أن يطلع على مثال يُولّد به علما يخدم الإسلام والمسلمين، فليبدأ في علم يمكن أن نطلق عليه علم الخطاب الإسلامي، وما أشد الحاجة إلى هذا العلم الذي يدرسه الخطيب والمدرس والداعية والمتصدر للإفتاء والمرشد الديني الذي يتخذه الناس أسوة حسنة؛ فإذ بهم يدركون كيف يتعاملون مع الناس، ويشعرون بمشكلاتهم، وبكيفية الدخول إليها من المدخل الصحيح. ونحن نسمع كثيرًا عن اعتراض الناس على كثير من الخطباء والدعاة، وعلى تلك الحالة من الفوضى التي اكتنفت الفضائيات، وهذه الحالة من الفوضى التي اكتنفت الصحافة في التعامل مع الدين، ولو كان مثل هذا العلم موجودًا بهذه الصفة التي سنشرحها، لكان المرجع والمقياس الذي يقاس عليه المعرفة الخطأ من الصواب، ولكان الضابط المانع لأي انحراف أو قصور أو تقصير، والدافع للأداء المتميز المستمر الذي يؤتي أكله كل حين بإذن ربه.

الهيكل المنطقي لبناء العلوم (الموضوع والمحمول)

والعلوم تتمايز موضوعاتها، وموضوع العلم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية حتى تتكون المسائل في هذا العلم من الموضوع والوصف المناسب له، والمسائل هي الجمل المفيدة التي عرفناها في اللغة العربية في علم النحو وغيره، والتي تتكون إما من مبتدأ وخبر، وإما من فعل وفاعل، وكلاهما واحد في الدلالة على الجملة المفيدة التي يستفيد منها سامعها مراد المتكلم من كلامه؛ ولذلك نرى البلاغيين والمناطقة يجعلونها واحدًا، فيسمى البلاغيون ركني الجملة: المسند والمسند إليه، ويسمي المناطقة ركني الجملة: الموضوع والمحمول.

فموضوع علم الطب جسم الإنسان من حيث الصحة والمرض، وعلى ذلك يكون جسم الإنسان مبتدأ، وما يعرض عليه من أحوال الصحة والمرض وكيفية العلاج وأسباب ذلك كله هو الخبر الذي يكون الجمل المفيدة في علم الطب، فجسم الإنسان مسند إليه - مبتدأ أو فاعل - فهو موضوع، وما يخبر عنه المسند - خبر أو فعل - وهو محمول أي: محمول على ذلك الموضوع، فقولنا: جسم الإنسان يمرض بالميكروب ويصح بالدواء - جمل مفيدة تكون العلم، وكذلك علم الفقه موضوعه فعل الإنسان المكلف مثل الصلاة والزكاة أو حتى السرقة والقتل، ويأتي الخبر في صورة الحكم فنقول: الصلاة واجبة، والسرقة حرام، واللغو مكروه؛ فتكون هذه الجمل مسائل علم الفقه.

أركان الخطاب الإسلامي وروافده المعرفية الحديثة

فما موضوع الخطاب الإسلامي؟ يمكن أن تجعل موضوعه (تبليغ الدعوة)، وهنا سنحتاج إلى تجديد مفهوم التبليغ، وأنه مكون من ثلاثة أركان: المتكلم، والسامع، والرسالة أو الخطاب أو الكلام، ونبدأ في بيان صفات المتكلم، والشروط التي يجب توافرها فيه، والعلوم التي يجب أن يتزود بها، والحقائق التي يجب أن يعرفها، والأدوات التي يجب أن يمتلكها، والطرق والمناهج والمصادر والكيفيات التي يجب أن يتحقق بها، والسامع ما أنواعه؟ وما مستوياته؟ وطريقة الاتصال التي تناسبه، ووسائل القياس لبيان تحقيق الهدف معه، والوسائل التي من خلالها الاتصال، والتي تتواءم مع السامع بأنواعه، ثم ننتقل إلى الخطاب فندرس شكله ومضمونه، وأنواعه وأساليبه، ولغته ومستواه وقياسه وتقويمه، واختلافه وتطوره وترتيبه. ثم ننتقل الدراسة مفهوم الدعوة وخصائصها التي تعطي الخطاب المجرد مذاقا آخر وخصوصية قد لا تكون في غيرها من أنواع الخطاب، وكيفية وصل القول بالعمل والمثال الصالح، والمشكلات التي تكتنف ذلك وطرق معالجتها أو التعامل معها أو الوقاية منها ... إلخ.

كل ذلك يحتاج إلى علوم أخرى تستمد منها علمنا الجديد، منها علوم الاتصال Communication وقياسات الرأي العام، والإعلام Information Media، وعلم الخطابة، وعلوم الشريعة واللغة والسيمانتيكس Semantics وتحليل المضمون والأبحاث الميدانية، مع الاستعانة ببعض الأدوات التي تستعمل في العلوم الاجتماعية والإنسانية، من الرصد والتحليل، والجداول والمنحنيات ووسائل الإيضاح، وكذلك استغلال المتاح من وسائل الاطلاع كشبكة المعلومات الدولية والقنوات الفضائية، والأساليب النفسية في علم نفس الجماهير وعلم نفس الاتصال... إلخ.

الأبعاد التشريعية والفلسفية لواضع العلم وهدفه الحضاري

فإذا وضعنا حد العلم وعرفنا موضوعه، وحددنا العلوم التي تستمد منها مسائله، وظهر لنا فهرس موضوعاته وأطلقنا عليه اسما بيننا؛ فإننا نعالج فوائده وثمراته وما يترتب عليه، وكيفية استعماله، ويجب أن يبنى بهيئة مفتوحة يمكن معها الزيادة فيه وتطويره وتجديده وتوليد علوم أخرى منه حتى تستقل بالدرس، ونضع أقدامنا على أرض صلبة ونحن ندعو إلى الله، قال تعالى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِیلِیۤ أَدۡعُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِیرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِیۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَاۤ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ ﴾ [يوسف: ١٠٨]. 

وتنفيذاً لهذه الآية وحتى ندعو على بصيرة يجب أن ندعو على علم، وأن ننشئ ذلك العلم ليدرس للمتصدرين للدعوة في كل مكان، ويكون حجة لهم وعليهم، وهذا هو هدف دعوتي لتوليد العلوم حتى تعود الحضارة الإسلامية إلى سابق عطائها، ولا تحتاج إلى أن تسمع من بعضهم التعبير بأنها كانت ولم تعد موجودة.

بعد ذلك ستجد مكانا لعلم الخطاب الإسلامي بين العلوم الاجتماعية من جهة، وبين العلوم الشرعية من جهة أخرى، وستعلم فضل هذا العلم وأن الاشتغال به من فروض الكفايات التي قد ترقى إلى فروض العين لمن تصدر للدعوة ونقل الدين لمن بعده.

أما واضع العلم فإنه سينسب إلى أول من ألف فيه، ولو ألفت جماعة مرة واحدة فسيحدث نزاع أيهم ألف أوّلًا، وترجع إلى حلاوة النقاش العلمي، والخلاف الثري الذي كان يحرك العقول، ويربي النفوس على قبول الرأي الآخر، ويدرب الطلاب والعلماء على البحث، وترتيب الأدلة، واستجلاب البراهين وبيان جهة دلالتها، ويخرج العقل المسلم من إسار التقليد والجمود والأزمة الفكرية، التي يمر بها إلى نوع آخر من العمق في الفهم والوعي بما يجري حوله، والقدرة على تهيئة الأجواء لعودة المجتهدين العظام مرة أخرى قادرين على عرض ما عندهم بالمنطق والبرهان، الذي يوافق عليه الجميع، حتى ولو لم يتخذوه سبيلًا لهم، ولكن يحترمون المنهج ويؤكدون على صحته بغض النظر عن النتائج وعن مشارب البشر.

تطور العلوم تاريخيًّا ونموذج العلماء في مواجهة الأزمات

والحقيقة أن العلم لا يولد كاملًا، حتى علم العروض - الذي ضبط به الخليل بن أحمد الفراهيدي الشعر العربي – لم يولد كاملًا بالرغم من أنه كان شبه كامل، إلا أننا رأينا الأخفش وهو يضيف إليه بحر المتدارك، ورأينا علماء هذا الفهم ينشئون أوزانا أخرى، صحيح أنه لم يتكلم بها العرب، ولم ينقل من شعرهم شيء على أوزانها، إلا أنها زادت في العلم، ووسعت من مفهوم الشعر كما أورده الدمنهوري في كتابه "الكافي في العروض والقوافي"، حتى ابتدع أمير الشعراء أحمد شوقي بعض الأوزان التي لم تكن من قبل، فقال:

مال واحتجب   وادعى الغضب

ليت هاجري      يشرح السبب

وهو يسير على ما فعله الأندلسيون من قبل في "كان كان" و"المواليا" وغيرها.

توليد العلوم منهج مناسب للخروج العملي من الأزمة الطاحنة التي تمر بها الأمة، ومن منهج الصالحين أنهم ذهبوا إلى العلم بكل فنونه وأنواعه عندما هجم التتار على بلاد المسلمين، وكانت لا تزال مدن تحت سيطرة الصليبيين.

ولندرس نموذج الإمام النووي الذي كان يعمل عشرين ساعة في اليوم لحفظ العلم ونقله لمن بعده؛ حتى إنه لم يسلم على جنبه لمدة عامين، ولم يتزوج لكثرة انشغاله بالعلم حتى مات صغيرا لم يتجاوز الخامسة والأربعين من عمره بحساب السنة الهجرية، ولتذكر نموذج النويري في "نهاية الأرب"، والقلقشندي في "صبح الأعشى"، وابن منظور في "لسان العرب"، وغيرهم من أصحاب الموسوعات، وكيف واجهوا الطغيان والعدوان وتقلب الزمان (يتبع).

الخلاصة

يخلص المقال إلى أن توليد العلوم هو المخرج العملي من الأزمة الفكرية الراهنة، مؤكداً أن تراثنا قام على أكتاف علماء واجهوا المحن بالانكباب على العلم وتأسيس المناهج، مما يجعل الاشتغال بهذا الفن من فروض الكفايات التي تُحيي الأمة.

موضوعات ذات صلة

يعد إدراك الواقع بعوالمه المتداخلة ركيزة أساسية لتجديد الخطاب الديني المعاصر.

إنَّ نظام "فروض الكفاية" يُمثل جوهر المنهج الاجتماعي الإسلامي الذي حوَّل الواجب الشرعي إلى محرِّك ذاتي للنهضة.

قامت الحضارة الإسلامية على مركزية العلم وتوليده كضرورة لفهم النص والواقع.

موضوعات مختارة