يقوم العقل المسلم على التمييز الدقيق بين الذات الإلهية المطلقة، والقيم الثابتة وبين المتغيرات النسبية المرتبطة بالزمان والمكان، وهذا التوازن هو ما يحمي الهوية الإسلامية من الذوبان في سيولة النسبية المطلقة التي تروج لها الفلسفات المادية.
يقوم العقل المسلم على التمييز الدقيق بين الذات الإلهية المطلقة، والقيم الثابتة وبين المتغيرات النسبية المرتبطة بالزمان والمكان، وهذا التوازن هو ما يحمي الهوية الإسلامية من الذوبان في سيولة النسبية المطلقة التي تروج لها الفلسفات المادية.
المتأمل في الفكر الإسلامي يجد أن المسلمين قد آمنوا بالمطلق، واعترفوا بالنسبي، وإيمانهم بالمطلق تمثل في إيمانهم بالله، فالله سبحانه وتعالى كان قبل الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهي الجهات الأربع التي تحكم الواقع المعيش والتي ينسب إليها؛ ولذلك نسمي هذا المتغير بالنسبي، نسبي في الزمان أو نسبي في المكان، أو نسبي في الأشخاص أو نسبي في الأحوال، والله سبحانه وتعالى هو المطلق الفرد الذي لا يحده شيء من ذلك كله.
وآمنوا بإطلاقية القيم، فالعدل عدل في كل ذلك - أعني هذه الأربع - والرحمة رحمة، والظلم ظلم، والقسوة قسوة، ولذلك نرى في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِینَ لِلَّهِ شُهَدَاۤءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَءَانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ۚ ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
ويقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَأَوۡفُوا۟ ٱلۡكَیۡلَ وَٱلۡمِیزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُوا۟ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُوا۟ۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فالإيمان بالمطلق بهذا المعنى أحد أركان الإسلام، والمكون الأساسي للعقل المسلم، فهو من النموذج المعرفي الذي يواجه به المسلم الواقع ويفسره به، ويقومه من خلاله.
وقد نستطيع أن نعرف العلمانية، بأنها تؤمن بالنسبية المطلقة، وأن الإيمان بالنسبية المطلقة هو الذي يمثل ما أسماه الدكتور عبد الوهاب المسيري بـ (العلمانية الشاملة) وحينئذ فلا بأس عند ذلك المعتقد أن يذكر الله، ولا بأس عنده أن ينحيه من التلقي منه سبحانه وتعالى، أو من تهميشه من الحياة، وتحويل مسألة الإيمان بالله إلى مسألة شخصية جانبية تمثل إيمانا خاصا، ولا تمثل قضية للوجود.
وهذه النسبية المطلقة تؤثر كثيرًا في التفسيرات اللغوية، وتجعل الكون لا حقيقة له في نفسه، بل إنه كما يراه الراصد وكما يراه كل إنسان على حدة، فليس للأشياء حقيقة ثابتة، وهو ما ينقلنا إلى مذهب السوفسطائية القدماء وإلى مذهب الغنوصية الحلولية، والتي يتصور الإنسان فيها الله - جل جلاله - داخل الكون، وليس مفارقًا له.
وهو التيار الذي شاع في أواسط حركة مع بعد الحداثة، وكاد يتحكم في التيار العام للفكر الغربي في العصر الحديث. وعليه يمكن لنا أن نطبق هذا المدخل على تفصيلات تزيده وضوحا في كيفية التعامل بواسطته مع النصوص الشرعية ومع الواقع المعيش.
إن هناك فارقًا بين معنى إطلاقية القرآن، وبين تفسيره بصورة واقعية، وبين تفسيره من خلال منظومة النسبية المطلقة، فإطلاقية القرآن عرفها تاريخ الفكر الإسلامي في صورة القول بأنه غير مخلوق، وكلنا يتذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل - إمام أهل السنة والجماعة، وأحد الأئمة الأربعة المتبوعين إلى يومنا هذا - حيث وقف وقفة صُلبة في قضية الدعوة لخلق القرآن، والتي تؤدي مباشرة إلى أنه محصور في زمانه، أو مكانه، أو للأشخاص الذين خاطبهم، أو في الحال الذي نزل فيه، وهو الأمر الذي رفضه جماهير المسلمين؛ لأنهم يعلمون لازم ذلك المذهب وهو ما يسميه بعضهم في العصر الحاضر بتاريخية القرآن، بمعنى أنه نزل لعصر بعينه، وأن العصر قد انقضى بظروفه وأشخاصه ومصالحه، وأنه لم يبق لنا من القرآن إلا ما يمكن أن نؤمن به، أو نستعمله في عصرنا الحاضر، ويتم بذلك تنحية القرآن عن واقع الناس، وتنحيته عن كونه كتاب هداية، وتنحية الإسلام عن عالميته وعن مفهوم النسق المفتوح الذي جاء به، ولم يفرق فيه بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض وأسود، ولا بين رجل وامرأة، كما أنه يفتح القول بالنسبية المطلقة التي نراها قد أدت إلى نفي حقائق الأشياء.
أما التفسير الواقعي فهو يؤمن بإطلاقية القرآن، وأنه متجاوز للجهات الأربع المذكورة، وأنه غير مخلوق، بل هو كلام الله الذي ما زال سبحانه وتعالى يتكلم، وكأن القرآن قد نزل الآن، وكأنه دائما يخاطب قارئه، وهو دائما كتاب هداية، لا يختلف عن الواقع المعيش، لكنه يقيده بأخلاق مطلقة، وبقيم ثابتة، وفيه من الأنظمة ما جعله الله سبحانه وتعالى ثابتا كنظام الشهادات، وفيه من الإجمال ما جعله الله صالحا لكل زمان ومكان، وبذلك نراه حمَّال أوجه، كما وصفه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه عندما قال لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو يفاوض الخوارج: "لا تخاصمهم بالقرآن؛ فإن القرآن حمّال ذو وجوه، تقول ويقولون". ["نهج البلاغة" شرح الإمام محمد عبده، وصية رقم ٣١٥].
وكما وصفه رسول الله ﷺ فيما يرويه عَليّ بن أَبي طَالب الله أنه قال: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ»، قال: قُلْتُ: فمَا المَخْرَجُ؟ قَالَ: " كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الهُدَى- أو قال : العلم - من غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبࣰا * یَهۡدِیۤ إِلَى ٱلرُّشۡدِ﴾ [الجن: ١-٢]، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».[ أخرجه الترمذي في كتاب "فضائل القرآن" باب "ما جاء في فضل القرآن" حديث (۲۹۰٦)، والدارمي في كتاب "فضائل القرآن" باب "فضل من قرأ القرآن" حديث (۳۳۳۱) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه].
ونحن نرى في القرآن دساتير كثيرة تنظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بوضع المبادئ والأسس لهذه المناحي من مناحي الحياة، ولكنها لا تدخل في التفاصيل الجزئية لمرونتها، وهي التي في هذا المقام يمكن أن نسميها بـ (نسبية جزئية) أي أنها ليست نسبية مطلقة تصل إلى حد اختلاف التضاد، بل هي نسبية جزئية، تشتمل على اختلاف التنوع الذي نقدر معه على تحصيل تلك المرونة.
كل هذا كان مقدمة لابد منها لمناقشة هذه القضية، التي نرجو أن نتوصل فيها إلى أسس تميز بين الغث والثمين، في قضية تفسير القرآن في العصر الحديث.
ينتهي المقال بضرورة التفريق بين الثوابت المطلقة التي تمثل جوهر الدين وبين التفسيرات البشرية النسبية، فإدراك هذا الفرق هو المعيار للتمييز بين الغث والثمين في التعامل مع النصوص الشرعية وفهم الواقع المعيش بعيدًا عن الانحرافات الفكرية المعاصرة.
يعتبر فهم مصطلح "مفهوم الأمة" في الإسلام المنطلق الأساسي لترتيب أولويات عمارة الأرض.
يؤصل الدكتور علي جمعة لكون التفكير نعمةً ومسئوليةً شرعية تستوجب إظهار أثرها بالبيان.
قامت الحضارة الإسلامية على مركزية العلم وتوليده كضرورة لفهم النص والواقع.