القرآن الكريم كتاب هدايةٍ ومنهج حياةٍ، منه آيات محكمات وأخر متشابهات، ويختلف العلماء في تأويل المتشابه، وقد أدى هذا الاختلاف إلى مذاهب متعددة، في فهم هذه الآيات، ومعرفة المحكم والمتشابه ضرورة لفهم القرآن وتفسيره.
القرآن الكريم كتاب هدايةٍ ومنهج حياةٍ، منه آيات محكمات وأخر متشابهات، ويختلف العلماء في تأويل المتشابه، وقد أدى هذا الاختلاف إلى مذاهب متعددة، في فهم هذه الآيات، ومعرفة المحكم والمتشابه ضرورة لفهم القرآن وتفسيره.
الإِحكام في اللغة: الإتقان والمنع.
قال ابن منظور في (لسان العرب) [لسان العرب، لابن منظور ١٢/١٤٣]: أحكم الأمر: أتقنه، وحَكَمَ الشيء وأحكمه: منعه من الفساد. اهـ.
والمحكم: هو المتقن الذي لا يعتريه لبس ولا خلل.
وقد عرّفه علماء الشريعة بتعريفات كثيرة:
فقال بعضهم: المحكم: هو الحكم الشرعي الذي لم يتطرق إليه النسخ.
وقال بعضهم: المحكم: هو ما ورد من نصوص الكتاب أو السنة دالًّا على معناه بوضوح لا خفاء فيه.
وقال كثيرٌ من أهل السنة: المحكم: ما عُرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل.
ونسب إلى ابن عباس في تعريف المحكم: أنه الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا من التأويل.
وقيل: المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. ويُحكى هذا القول عن الإمام أحمد - رضي الله عنه-.
وقيل: المحكم: ما كانت دلالته راجحةٌ، وهو النص والظاهر. وينسب هذا القول للفخر الرازي، واختاره كثير من المحققين.
والتشابه في اللغة: التماثل المؤدّي إلى الالتباس غالبًا.
والمتشابه: هو الملتبس بغيره؛ لمشاكلته له في بعض أوصافه.
والمتشابه من القرآن: ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره، إما من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى.
وقال الفقهاء: المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده.
وحقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكمٌ على الإطلاق، ومتشابهٌ على الإطلاق، ومحكمٌ من وجه متشابهٌ من وجه؛
فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب:
١- متشابه من جهة اللفظ فقط .
٢- ومتشابه من جهة المعنى فقط.
٣- ومتشابه من جهتهما.
(١) والمتشابه من جهة اللفظ ضربان:
أحدهما: يرجع إلى الألفاظ المفردة، وذلك إما من جهة غرابته نحو {الأَبّ}، وهو نبات ترعاه الإبل، و {يَزِفُّون} يسرعون.
وإما من جهة مشاركة في اللفظ، كاليد والعين: "فإن اليد تطلق على العضو، وعلى القدرة، وعلى النعمة، والعين تطلق على عضو الإبصار، والجاسوس، والذهب والفضة، وعين الماء، وغير ذلك".
والثاني: يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب:
أ- ضربٌ لاختصار الكلام نحو: {وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} [النساء: ٣] ، فإن المراد باليتامى في الآية: اليتيمات، فلما جاء اللفظ عامًّا أشكل على بعضٍ ارتباط الشرط بالجواب، فأخبرتهم عائشة -رضي الله عنها- بأن المراد به ما ذكرنا. [صحيح البخاري رقم٢٤٩٤ – صحيح مسلم رقم٣٠١٨ ]
ب- وضربٌ لبسط الكلام نحو: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: ١١]؛ لأنه لو قيل: ليس مثله شيء، كان أظهر للسامع، لكن في هذا التعبير معنى بلاغي لا يخفى على علماء التفسير، وهو نفي مثل المثل.
جـ- وضربٌ لنظم الكلام، نحو: {أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيِّماً} [الكهف: ١]. تقديره: الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا.
(٢) والمتشابه من جهة المعنى: أوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة؛ فإن تلك الصفات لا تُتَصوّر لنا؛ إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه، أو لم يكن من جنس ما نحسه.
(٣) والتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعًا خمسة أضرب:
الأول: من جهة الكمّية، كالعموم والخصوص نحو: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة:٥].
والثاني: من جهة الكيفية، كالوجوب والندب، نحو: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء:٣].
والثالث: من جهة الزمان، كالناسخ والمنسوخ، نحو: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ} [آل عمران: ١٠٢]، فإنه منسوخ على ما قيل: بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: ١٦].
والرابع: من جهة المكان والأمور التي نزلت فيه نحو: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها} [البقرة: ١٨٩]، وقوله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: ٣٧]، فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية.
والخامس: من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح.
وهذه الجملة إذا تصورت عُلِمَ أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم.
نحو قول من قال: المتشابه {الٓمٓ}. وقول قتادة: المحكم هو الناسخ، والمتشابه: هو المنسوخ [تفسير الطبري ٦/١٧٥]. وقول الأصم: المحكم ما أُجمع على تأويله، والمتشابه ما اختُلف فيه.
ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب:
١- ضربٌ لا سبيل للوقوف عليه، كوقت الساعة، وخروج دابة الأرض، وكيفية الدابة، ونحو ذلك.
٢- وضربٌ للإنسان سبيلٌ إلى معرفته، كالألفاظ الغريبة، والأحكام الغلقة.
٣- وضربٌ مترددٌ بين الأمرين، يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على من دونهم، وهو الضرب المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «اللَّهُمَّ فَقِّههُ في الدِّين وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيل». [صحيح البخاري رقم١٤٣ – مسند أحمد رقم٢٣٩٧]
وإذا عرفت هذه الجملة عُلِم أن الوقف على قوله: {وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ}، ووصله بقوله: {وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ} [آل عمران: ٧] جائز، وأن لكل واحد منهما وجهًا؛ حسبما دل عليه التفصيل المتقدم.
وقوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً} [الزمر: ٢٣]، فإنه يعنى ما يشبه بعضه بعضًا في الأحكام والحكمة واستقامة النظم. اهـ.
هذا ما أفاده الراغب في "مفرداته" [ص٤٤٣- ٤٤٥]، مع إضافات توضيحية على بعض ما قال، وهو كما ترى قد أنهى إلينا ما كنا نبتغيه في تفسير المتشابه، وتمييزه عن المحكم بتعريف جامع لأطرافه ومسائله، مانع من دخول الغير فيه، فقد عرفه بالحد والرسم والتقسيم؛ فأفاد وأجاد وحقق المراد.
ونسبة المتشابه، وإن كثرت أقسامه وفروعه بالنسبة للمحكم من نصوص الشريعة قليل، وذلك لأمور:
أحدها: النص الصريح على أن الآيات المحكمات أم الكتاب، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ} [آل عمران: ٧]، وأمُّ الشيء: معظمه وعامته، والأمُ أيضًا: الأصل والعماد، كما في القاموس، ولذلك قيل لمكة: (أم القرى)؛ لأن الأرض دُحيت من تحتها. فإذا كان ذلك كذلك فقوله تعالى: {وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ} إنما يراد بها القليل.
والثاني: أن المتشابه لو كان كثيرًا لكان الالتباس والإشكال كثيرًا، وعند ذلك لا يطلق على القرآن أنه بيانٌ وهدى.
وقد نزل القرآن ليرفع الاختلاف الواقع بين الناس، والمشكل الملتبس إنما هو إشكال وحيرة، لا بيان وهدى، ولولا أن الدليل أثبت أن فيه متشابهًا لم يصح القول به، وما جاء فيه من ذلك المتشابه الذي لم يتعلق به حكمٌ بالمكلفين من جهته زائدٌ على الإيمان به يجب أن نقرّه على ما جاء، ولا نخوض في تأويله.
الثالث: استقراء المجتهد إذا نظر في أدلة الشريعة جرت له على قانون النظر، واتسقت أحكامها، وانتظمت أطرافها على وجهٍ واحدٍ، كما قال تعالى: {كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١} [هود: ١]، وقال تعالى: {الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ} [يونس: ١]، وقال تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا} [الزمر: ٢٣]، يعنى يشبه بعضه بعضًا، ويصدّق أوله آخره، وآخره أوله، أعنى أوله وآخره في النزول [المفردات في غريب القرآن، لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني ت ٥٠٢ هـ مادة (شبه) ص ٢٥٤ ط مصطفى البابي الحلبي وشركائه (١٣٨١ هـ/ ١٩٦١ م)] اهـ.
والتشابه لا يقع في القواعد الكلية، ولكن يقع في الفروع الجزئية، وقد عُرف ذلك بالاستقراء والتتبع لأصول الشريعة أصلًا أصلًا، وإنما كان التشابه في الفروع والجزئيات دون الكليات؛ لأن الأصول لو دخلها التشابه لكان أكثر الشريعة من المتشابه.
وقد عرفنا في المسألة السابقة أن المتشابه بالنسبة إلى المحكم قليل، وبَسْطُ هذه المسألة في كتب الأصول.
وقد يسأل سائل فيقول: ما الحكمة من وجود المتشابه في القرآن؟ فيكون الجواب أن لله في كل شأن حكمة؛ قد يطلعنا عليها أو على شيء منها، وقد يخفيها عنا ؛ لحكمة يعلمها.
ونستطيع أن نفهم جانبًا من الحكمة في وجود المتشابه في القرآن الكريم، إذا عرفنا أنه كتاب هدايةٍ ومنهج حياةٍ، أنزله الله وافيًا بمطالب البشر جميعًا ، على اختلاف بيئاتهم وأزمانهم.
ومطالب الحياة كثيرةٌ، وحاجات الإنسان لا تحصى ولا تنحصر، فلا يكفيها تشريعٌ تحتويه ملايين الصفحات، فكان من حكمة الحكيم الخبير أن ينزل من القرآن نصوصًا؛ تحتمل وجوهًا من البيان، كل وجهٍ منها يمس جانبًا من جوانب الحياة، ويقضى مطلبًا من مطالب الإنسان، ويفتح له بابًا من أبواب التيسير، فيدفع عنه حرجًا، أو يجعل له مخرجًا مما يعاني منه أو يحبسه عن تحقيق أهدافه المشروعة، حتى يبدو وكأن النص الواحد جمع في طيّاته نصوصًا كثيرة، تأمر وتنهى، وتوصي وترشد؛ فأغنى ذلك عن كتابٍ عظيمٍ لا تستقصي صفحاته، ولا تنقضي كلماته وتشريعاته.
وقد أدى هذا التشابه إلى خلافٍ محمودِ العواقب بين العلماء الأفاضل، وجد الناس فيه رحمةً من الله واسعة؛ لأنه خلافٌ لم ينشأ بسبب تناقض في النصوص القرآنية أو اختلاف بين أحكامها، كلا، {وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء: ٨٢].
ولكنه خلاف مبني على قرائن شرعيةٍ وعقليةٍ ، استنبطوها من الكتاب نفسه، ومن السنة المطهرة، تجعل كل إمامٍ يرجح وجهًا على آخر.
والاجتهاد واجب على علماء الأمة بشروط مبسوطة في كتب أصول الفقه، لم يخرجوا - بحمد الله - عنها؛ فكان لمن أصاب منهم أجران، ولمن أخطأ أجرٌ واحد. وقد وجد الناس في هذا الخلاف تيسيرًا وتوسعةً ، أرادها لهم ربهم -عز وجل- ، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥].
هذه حكمةٌ ساميةٌ لوجود المتشابه في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة.
وفى وجود المتشابه -أيضًا- تدريب للعقول على التأمل والنظر، وفى هذا التدريب لذة؛ لا يعرفها إلا أولو الألباب، فكلما أدرك العالم بعقله وجهًا من وجوه الترجيح - وفق ما لديه من القرائن - شعر بنشوة غامرة، ورغبة ملحة في مواصلة البحث والاستنباط.
ولا شك أن البحث عن الحقائق من أوجب الواجبات، وهو يؤدي - إن شاء الله تعالى- إلى الوصول إليها من غير تقليد، فيكون إيمانه بها أتم وأكمل من إيمان المقلد قطعًا؛ قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ} [الزمر: ٩].
وفى وجود المتشابه – كذلك - نوع ابتلاءٍ من الله تعالى؛ ليعلم العبد من نفسه أهو مؤمن بما أخبره الشارع به من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل فيها، أم هو لا يزال في الطريق إلى هذا الإيمان السامي الذي جعله الله أول أوصاف المتقين في سورة البقرة حيث قال: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}[البقرة:٣]؟!.
وهذه الحكمة ظاهرة في المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وما ليس للعباد فيه علم كاف بوقته وقدره ونوعه وحقيقته [انظر دراسات في علوم القرآن للدكتور/ محمد بكر إسماعيل ط دار المنار الطبعة الثانية ١٤١٩ هـ- ١٩٩٩ م ص ١٩٠ وما بعدها].
والمتشابه الذي استأثر الله بعلمه، كالحروف المقطعة في فواتح بعض السور، وكآيات الصفات -التي لا ينبغي حملها على ظواهرها- اختلف العلماء في تأويلها على ثلاثة مذاهب.
الأول: مذهب السلف -رضوان الله عليهم- وهو أقومها طريقة، وأهداها سبيلا، فقد قرروا أن الإيمان بالمتشابهات، وتفويض أمر العلم بها إلى الله -تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم واجب، مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد؛ لقيام الأدلة القطعية على خلافه.
فما دلت عليه النصوص الشرعية الصريحة عملوا به، وما تشابه عليهم فهم المراد منه آمنوا به، وفوّضوا علم كمّه وكَيْفه وحقيقته إلى الله -تعالى-، وأثبتوا له -جل شأنه- ما أثبته لنفسه من غير خوض في تفصيله؛ تأدبًا مع خالقهم -جل وعلا-، ووقاية لأنفسهم من وعيد من أفتى بغير علمٍ، وتَقَوَّلَ على الله ما لم يقله.
فالمتشابهات بوجهٍ عامّ لا يتعين المراد منها على التحقيق إلا بنصٍ صحيحٍ من الشرع، وحيث لا يكون هناك نصٌّ صحيحٌ صريحٌ بقي المتشابه على حاله، فتكون دلالته على المراد ظنيّة.
والأمور الاعتقادية لا يكفي فيها الظن، بل لا بد فيها من اليقين، ولا سبيل إلى معرفة اليقين في المتشابه من الصفات، وهي من الأمور العقدية، فوجب التوقف فيها وعدم الخوض في تأويلها، وردها في جملتها إلى المحكم الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا. وعماد المحكم في باب الصفات قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:١١].
هذا هو خلاصة مذهب السلف الصالح من أصحاب النبي -صلّى الله عليه وسلم- والتابعين لهم بإحسان.
وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بنصوصٍ من الكتاب والسنة، وأقوال علمائهم الأعلام، ووجدوا فيها السلامة لدينهم والنجاة من عذاب ربهم.
أما الكتاب فقوله تعالى من سورة آل عمران [آل عمران: ٧] : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ}، فقد أخبر الله -عز وجل- أنه لا يتبع المتشابه، ولا يعمد إلى تأويله ابتغاء الفتنة إلا الذين في قلوبهم زيغٌ، وأما الراسخون في العلم فيقولون: آمنا به كل من عند ربنا، ولا يخوضون في تأويل ما لا علم لهم به على التعيين، ويقفون في قراءة الآية على لفظ الجلالة، ويبتدئون بقوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا}.
وقد جاءت في أفضلية الوقف على لفظ الجلالة في الآية رواياتٌ عن القراء من الصحابة، ذكرها ابن جرير وابن كثير في تفسيريهما. [تفسير الطبري٦/٢٠٢و٢٠٣ – تفسير ابن كثير٢/٨]
وجوَّز بعض العلماء الوقف على {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} بناءً على أنهم يعلمون المتشابه؛ ولكن هذا فيما لم يستأثر الله بعلمه، أما ما استأثر الله بعلمه فلا يعلمه أحد سواه.
الثاني: مذهب الخلف، ويسمى مذهب المؤوّلة -بتشديد الواو وكسرها- وهم فريقان:
فريق يؤولها بصفات سمعية غير معلومة على التعيين، ثابتة له -تعالى- زيادة على صفاته المعلومة لنا بالتعيين.
وفريق يؤولها بمعان نعلمها على التعيين، وذلك بأن يحمل اللفظ الذي استحال ظاهره من هذه المتشابهات على معنى يسوغ لغةً، ويليق بالله عقلًا وشرعًا.
فقد قالوا في تأييد مذهبهم هذا: إن المطلوب شرعًا هو صرف اللفظ عن مقام الإهمال؛ إذ لم يخاطب الله المكلفين بشيء لا يفهمون معناه، ولا يعقلون المراد منه على الجملة، وما دام في الإمكان حمل كلام الشارع على معنى سليم؛ فالنظر قاضٍ بوجوبه، انتفاعًا بما ورد عن الحكيم العليم.
الثالث: مذهب المتوسطين بين السلف والخلف.
وهؤلاء يقولون: إن التأويل نوعان: تأويلٌ قريب، وتأويلٌ بعيد، فالقريب نقول به، والبعيد نتوقف عنه.
وقد نسب السيوطي في "الإتقان" [الإتقان في علوم القرآن، للحافظ جلال الدين السيوطي تحقيق/ محمد أبو الفضل إبراهيم ط الهيئة المصرية العامة للكتاب. (١٣٩٥ هـ/ ١٩٧٥ م) ج ٣ ص ١٦]، هذا المذهب إلى ابن دقيق العيد، ونقل عنه قوله: "إذا كان التأويل قريبًا من لسان العرب لم ينكر، أو بعيدًا توقفنا عنه، وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه، وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرًا مفهومًا -من تخاطب العرب- قلنا به من غير توقيف، كما في قوله تعالى: {يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ} فنحمله على حق الله وما يجب له" اهـ.
وقد اتفق هؤلاء وأولئك على أمرين:
الأول: صرف هذه الآيات عن ظواهرها المستحيلة في حق الله -تعالى-؛ لكونه مغايرًا لجميع الخلق، كما هو معلوم من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١]، وحملها على معانٍ تليق بذاته -جل وعلا-، وذلك برد المتشابهات إلى المحكمات، وهي التي لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا من التأويل، وهو الوجه الذي يريده الشارع الحكيم دون سواه.
الثاني: أن المتشابه إن كان له تأويلٌ واحدٌ يُفْهمُ منه فهمًا قريبًا وجب القول به إجماعًا. وذلك مثل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ} [الحديد:٤]، فإن الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلةٌ قطعًا، وليس لها بعد ذلك إلا تأويلٌ واحد، وهو الكينونة معهم بالإحاطة علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرة وإرادة.
وكقوله تعالى: {أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ} [الزمر: ٥٦]، فالمراد بجنب الله: حقه وما يجب له، كما تقتضيه لغة العرب، ليس له معنى يجب أن يحمل عليه غيره.
والقرآن الكريم كله محكمٌ؛ باعتبار أنه متقنٌ في نظمه وأسلوبه وأحكامه، مانع من دخول غيره فيه، ومن طروء الخلل في ألفاظه والتناقض في معانيه.
وكله متشابه؛ باعتبار أنه متماثلٌ في فصاحته وبلاغته وحلاوته وطلاوته.
وبعضه محكمٌ وبعضه متشابهٌ؛ باعتبار أن بعضه أحكامٌ نصيةٌ، لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا، ولا يختلط الأمر في فهمها من هذا الوجه على أحد، وبعضه أحكام تحتمل أكثر من وجهٍ لحكمةٍ ساميةٍ، ذكرناها من قبل، وهي التي يقع فيها الاشتباه، ويتأتى في فهمها الاختلاط والالتباس عند النظرة الأولى في ألفاظه ومعانيه.
ويدل على أن القرآن محكمٌ كله بهذا الاعتبار قوله تعالى: {كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: ١].
والدليل على أنه متشابهٌ كله قوله تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ} [الزمر: ٢٣].
والدليل على أن بعضه محكمٌ وبعضه متشابهٌ قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ } [آل عمران: ٧].
فلا تعارض -كما علمت- بين هذه الآيات؛ لأن كلًّا منها قد وصِف فيها القرآن بالأوصاف التي تخصه على وجه من الوجوه السابقة.
فالمحكم من الآيات -بهذا الاعتبار- يجب العمل به. والمتشابه -بهذا الاعتبار- قد جاء للإيمان به والاجتهاد في معرفة تأويله على النحو الذي يُردُّ فيه إلى المحكم.
فقوله تعالى -مثلًا- {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، وقوله: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ} [الأنعام:١٠٣] لا يترتب عليه حُكْمٌ شرعي يجب العمل به، بل هو من الأمور الاعتقادية التي يكفي الإيمان بها مع التوقف في تأويلها ، أو تأويلها على المعنى الذي لا يتعارض مع قوله- جل وعلا-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
ودليل ذلك قوله تعالى: {وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ}. والراسخون في العلم هم المتثبّتون في العلم، لا تزيغ قلوبهم عن الحق، ولا تدفعهم أهواؤهم إلى التأويل البعيد، ولا يطلبون للمتشابه علة؛ بل يؤمنون به؛ لأنه من عند الله وكفى.
محكم القرآن ومتشابهه: هو أحد العلوم التي يتعين على المفسر معرفتها حتى يتسنى له تمييز ما كانت دلالته راجحة – وهو المحكم – مما في تفسيره إشكالٌ لمشابهته بغيره: إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى، أوهما معا – وهو المتشابه –، وهو أحد الأسرار البلاغية في القرآن الكريم؛ بحيث إن النص الواحد يحتمل وجوهًا متعددة من البيان، فيجد كل فرد بغيته، ويفي بمطالب البشر جميعًا على اختلاف بيئاتهم وأزمانهم، على أن نسبة المتشابه، وإن كثرت أقسامه وفروعه، بالنسبة للمحكم من نصوص الشريعة قليل؛ ولهذا لا يقع المتشابه في القواعد الكلية، ولكن يقع في الفروع الجزئية.
يُشير مصطلح المحكم والمتشابه في القرآن إلى نوعين من الآيات: المحكم واضح المعنى، بينما المتشابه يحتمل أكثر من تأويل
الفواصل القرآنية تُمثّل نهايات الآيات، وهي ركيزة فنية تجمع بين الإيقاع الصوتي والبلاغة التعبيرية في نظم القرآن الكريم
المد والقصر: من أهم قواعد علم التجويد، وقد ثبتت مشروعيته من قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وللمد أنواع كثيرة