Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فوائد معرفة أسباب النزول

الكاتب

أ. د/ محمد السيد جبريل

فوائد معرفة أسباب النزول

تُعدّ أسباب النزول أساسًا لفهم وتفسير آيات القرآن الكريم، فهي تمنحنا السياق التاريخي والاجتماعي للنصوص، مما يساعد على استخلاص الأحكام والتوجيهات الإسلامية بدقة.

أهمية أسباب النزول

مخطئ من يظن أنه ليس من وراء البحث في أسباب النزول فائدة، إذ يبني ظنه على أن هذا الموضوع من قبيل ما يجري مجرى التاريخ الذي مرت أحداثه، وانتهت ملابساته، وعليه فإن معرفة سبب النزول لا تزيد عن كونها نوعًا من الاطلاع والعلم المجرد بما وقع من أحداث، وكان سببًا في نزول بعض الآيات، ولا شك أن هذا الظن خاطئ، بل لمعرفة أسباب النزول في القرآن الكريم فوائد جليلة، منه ما يلي:

أولًا: بيان الحكمة الباعثة على تشريع كثير من الأحكام، ومن ثَمَّ إدراك أن روح التشريع الإسلامي وجوهره يقوم على مراعاة هذ التشريع الحكيم لمصالح العباد في معالجة ما يعرض لهم من أحداث ووقائع، وأن مراعاة هذه المصالح أمر ينطلق من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده، ورأفته بهم، وتيسيره عليهم.

ولقد تجلت هذه الحكمة واضحة فيما ورد في حادثة سبب نزول آية التيمم من جهة، وفي النص عليها في نفس الآية من جهة أخرى، وهذه الآية هي قول الله عز وجل: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} [المائدة: ٦] .

فعن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «خَرَجْنا مع رَسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَعْضِ أسْفارِهِ، حتّى إذا كُنّا بالبَيْداءِ، أوْ بذاتِ الجَيْشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فأقامَ رَسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ على التِماسِهِ، وأَقامَ النّاسُ معهُ، ولَيْسُوا على ماءٍ، وليسَ معهُمْ ماءٌ، فأتى النّاسُ أبا بَكْرٍ فَقالوا: ألا تَرى ما صَنَعَتْ عائِشَةُ؟ أقامَتْ برَسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبِالنّاسِ معهُ، ولَيْسُوا على ماءٍ، وليسَ معهُمْ ماءٌ؟ فَجاءَ أبو بَكْرٍ ورَسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ واضِعٌ رَأْسَهُ على فَخِذِي قدْ نامَ، فَقالَ: حَبَسْتِ رَسولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ والنّاسَ، ولَيْسُوا على ماءٍ، وليسَ معهُمْ ماءٌ، قالَتْ: فَعاتَبَنِي، وقالَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ، وجَعَلَ يَطْعُنُنِي بيَدِهِ في خاصِرَتِي، فلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلّا مَكانُ رَسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ على فَخِذِي، فَنامَ رَسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتّى أصْبَحَ على غيرِ ماءٍ، فأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقالَ أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ: ما هي بأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يا آلَ أبِي بَكْرٍ، فَقالَتْ عائِشَةُ: فَبَعَثْنا البَعِيرَ الذي كُنْتُ عليه، فَوَجَدْنا العِقْدَ تَحْتَهُ» [رواه البخاري].

والمقصود بآية التيمم هنا: هي آية المائدة التي مر ذكرها قبل قليل، لأنه قد ورد في نفس الباب عند البخاري رواية من طريق ابن وهب: عن عمرو عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه في نفس القصة جاء في نهايتها قول أم المؤمنين رضي الله عنها: « ثُمَّ إنَّ النبيَّ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ اسْتَيْقَظَ وحَضَرَتِ الصُّبْحُ، فالْتُمِسَ الماءُ فَلَمْ يُوجَدْ فَنَزَلَتْ: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ} [المائدة: ٦] الآيَةَ، فَقالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ: لقَدْ بارَكَ اللَّهُ لِلنّاسِ فِيكُمْ يا آلَ أبِي بَكْرٍ، ما أنتُمْ إلّا بَرَكَةٌ لهمْ».

وقد أشكل على العلماء المقصود بآية التيمم في قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وقد ساق ابن حجر- رحمه الله تعالى - هذا الإشكال من خلال مقولات العلماء في المقصود بالآية، ثم حقق أنها آية المائدة، قال رحمه الله تعالى: قال ابن العربي: هي معضلة ما وجدت لدائها من دواء، لأنا لا نعلم أي الآيتين عَنَت عائشة - رضي الله عنها - قال ابن بطال: هي آية النساء[ وهي قول الله تبارك وتعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: ٤٣] أو آية المائدة، وقال القرطبي: هي آية النساء، ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء، فيتجه تخصيصها بآية التيمم، وأورد الواحدي في (أسباب النزول) [أسباب النزول: ص١١٣]، هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضًا، وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد، لرواية عمرو بن الحارث، إذ صرح فيها بقوله: فنزلت {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ} [المائدة: ٦] الآية [فتح الباري: للحافظ ابن حجر العسقلاني: دار المعرفة - بيروت، بدون تاريخ: (٤٣٤/٢)].

ثانيًا: تخصيص الحكم فيما نزل بصيغة العموم بصورة السبب التي نزل فيها -أي بالحادثة التي كان وقوعها سببًا في نزول الحكم- وذلك عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.

ومعنى هذا الكلام: أن النص العام الوارد على سبب خاص لا يبقى على عمومه بعد نزوله على سببه الخاص، بل يكون مقصورًا على حالة هذا السبب، بمعنى أن استفادة الحكم في هذا السبب بذاته مما نزل تكون بطريق النص، فإذا عمل بهذا الحكم في حادثةٍ أو حوادث تشابه حادثة صورة السبب كان استفادة الحكم في هذه الحوادث المشابهة بطريق القياس لا بطريق النص.

ثالثًا: إذا كان اللفظ النازل في سبب ما عامًا، وقام الدليل على تخصيصه، فإن معرفة سبب النزول تجعل التخصيص الوارد قاصرًا على ما عدا الحادثة التي كانت صورة السبب، ذلك لأن صورة حادثة السبب لا يجوز إخراجها بالاجتهاد قياسًا على صورة أخرى لا يجري فيها الحكم الوارد في ذلك النص، ذلك أن دخول الحادثة التي هي صورة السبب في اللفظ العام قطعي، فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد وهو ظني.

مثال ذلك: ما ذكره المفسرون في سبب نزول قول الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} [النور: ٢٣].

فقد أوردوا عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى، وابن عباس رضي الله عنهما: أن هذه الآية نزلت في رُماة عائشة رضي الله عنها خاصة، أو فيها وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عامة. [راجع تفسير القرطبي: طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب ٩٨٧ ١ (٢ ١ /٩ ٠ ٢)، وفتح القدير: للشوكاني: دار الوفاء، الطبعة الأولى: ١٤١٥ هـ ١٩٩٤م (١٩/٤)]. وهو وعيد لهؤلاء الرُماة، عام في عذابهم في الدنيا والآخرة، مما يفيد عدم قبول توبتهم، ولكن هذا العموم قد خصص بقبول توبة من يقذف غيرهن من المؤمنات إذا تاب بدليل قول الله تعالى {وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ * إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ } [النور: ٤-٥]  فهذه الآية مخصصة لعموم الآية السابقة، ولكن لا ينبغي أن يقاس في هذا التخصيص قبول توبة من يقذف عائشة رضي الله عنها أو إحدى أمهات المؤمنين على قبول توبة قاذف غيرهن، لأن قذف أزواج النبي صلي الله عليه وسلم  هو صورة السبب التي نزل عليها الحكم في قول الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ } الآية وعليه فيمتنع أن تخرج صورة السبب من النص العام النازل عليها بالتخصيص الوارد في الآية الثانية، بل يقتصر هذا التخصيص على ماعدا صورة السبب، فلا يكون لقاذف أزواج النبي صلي الله عليه وسلم توبة.

قال السيوطي رحمه الله تعالى: "إن اللفظ قد يكون عامًا ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ماعد صورته، فإن دخول صورة السبب قطعي، وإخراجها بالاجتهاد ممنوع، كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب، ولا التفات إلى من شذ فجوز ذلك" [ راجع تفسير القرطبي: طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب ٩٨٧ ١ (٢ ١ /٩ ٠ ٢)، وفتح القدير: للشوكاني: دار الوفاء، الطبعة الأولى: ١٤١٥ هـ ١٩٩٤م (١٩/٤).]؛ لكن الآية التي معنا قد تخرج على اعتبار أن الوعيد الوارد فيها إنما هو لمن أصر على القذف ولم يتُب، وأن ذلك يكون في حق القاذف المصر عمومًا سواء كان قذفه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أو لغيرهن.

كما يمكن تخريجها على اعتبار أن الوعيد الوارد فيها خاص بمن قذف عائشة رضي الله عنها، أو إحدى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن جميعًا، بعد نزول ما نزل في شأن عائشة رضي الله عنها من القرآن.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبةً على أن من سبها يعنى بذلك عائشة رضي الله عنها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن وفي بقية أمهات المؤمنين قولان، أصحهما: أنهن كَهِي، والله أعلم [تفسير القرآن العظيم: دار المعرفة - بيروت ٤٠٣ ١هـ ١٩٨٣م (٢٧٦/٣)].

 رابعًا: من أهم فوائد معرفة أسباب النزول، بل من دواعي هذه المعرفة والحاجة إليها: أنها تعين في كثير من المواطن على فهم معنى الآيات، وإزالة ما قد يبدو فيها من إشكال، وبدون معرفة سبب النزول يمكن أن يخطئ المفسر في فهم معنى الآية فيحمله على غير المراد، وقد لا يعرفه على الإطلاق، وفي هذا من الخطورة ما فيه، لأن الجهل في هذا الصدد يفتح الباب على مصراعيه أمام الفتاوى الخاطئة، ويُلبس على المؤمنين أمر دينهم، ولهذا نبه العلماء على أهمية معرفة سبب النزول من هذه الحيثية.

فقد أشار الواحدي رحمه الله تعالى إلى امتناع معرفة تفسير الآية، ومعرفة ما تعنيه، دون الوقوف على قصتها والعلم بسبب النزول [راجع أسباب النزول: ص٣].

وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن [انظر الإتقان: (٩٣/١).]

وقال بعض العلماء: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. خامسًا: ومن الفوائد المترتبة على معرفة سبب النزول: ما ذكره الزركشي من دفع توهم الحصر المتبادر من بعض الآيات، وقد فصل ذلك بقوله: "قال الشافعي ما معناه في معنى قوله تعالى: {قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [الأنعام: ١٤٥]: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة والمحادة، جاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلًا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول لا آكل اليوم إلا الحلاوة، والغرض المضادة، لا النفي والإثبات على الحقيقة، فكأنه قال: لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل، قال إمام الحرمين: وهذا في غاية الحسن، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكر في الآية" أ.هـ. ما قاله الزركشي [البرهان في علوم القرآن:(٤٦/١، ٤٧)].

وهذا يتوقف على ورود سبب صحيح في نزول الآية، يقضي بأن الكفار أحلوا ما حرمته تلك الآية فجاءت الآية ردًا عليهم، ولكن الزركشي لم يورد مثل هذا السبب صريحًا، كما أن السيوطي في نقله ذلك عنه لم يصرح بهذا السبب كذلك، بل نقل عبارة الزركشي بنصها كما ذكرها صاحبها في البرهان.

أمثلة على أثر أسباب النزول في التفسير

وهناك أمثلة كثيرة من أسباب النزول توضح كيفية إزالة الإشكال في فهم كثير من آيات القرآن الكريم، التي لم يكن يتأتى فهم معناها بدون معرفة هذه الأسباب.

 ومن بين الآيات التي يتضح فيها ذلك ما يلي:

١ - قول الله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ[البقرة: ١٥٨]. فإن ظاهر هذه الآية لم ينص على فرضية السعي بين الصفا والمروة، مما يفهم منه أن السعي بينهما مباح، من شاء فعله، ومن شاء تركه ولا حرج عليه، لأن رفع الجناح يفيد الإباحة لا الإلزام، وهذا الفهم قد تبادر إلى عروة بن الزبير بن العوام (ت ٩٤هـ) رحمه الله تعالى، وصرح به لخالته أم المؤمنين الصديقة عائشة رضي الله عنها، فلما سمعت منه ذلك بينت له ما تفيده الآية الكريمة على الوجه الصحيح، وكان ذلك ببيان سبب نزولها.

وقد أوردت الصحاح قصة طويلة في بيان ذلك نوردها بتمامها لما فيها من الفائدة.

فعن ابن شهاب الزهري رحمه الله تعالى: قال عروة: « سَأَلْتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقُلتُ لَها: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}[البقرة: ١٥٨]، فَواللَّهِ ما على أَحَدٍ جُناحٌ أَنْ لا يَطُوفَ بالصَّفا والمَرْوَةِ، قالَتْ: بئْسَ ما قُلْتَ يا ابْنَ أُخْتِي! إنَّ هذِه لو كانَتْ كما أَوَّلْتَها عليه، كانَتْ: لا جُناحَ عليه أَنْ لا يَتَطَوَّفَ بهِما، ولَكِنَّها أُنْزِلَتْ في الأنْصارِ؛ كانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ، الَّتي كانُوا يَعْبُدُونَها عِنْدَ المُشَلَّلِ، فَكانَ مَن أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بالصَّفا والمَرْوَةِ، فَلَمّا أَسْلَمُوا، سَأَلُوا رَسولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن ذلكَ، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، إنّا كُنّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ} الآيَةَ. قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: وقدْ سَنَّ رَسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ الطَّوافَ بيْنَهُما، فليسَ لأحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوافَ بيْنَهُما، ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبا بَكْرِ بنَ عبدِ الرَّحْمَنِ فَقالَ: إنَّ هذا لَعِلْمٌ ما كُنْتُ سَمِعْتُهُ، ولقَدْ سَمِعْتُ رِجالًا مِن أَهْلِ العِلْمِ يَذْكُرُونَ: أنَّ النّاسَ -إلّا مَن ذَكَرَتْ عائِشَةُ- مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ بمَناةَ، كانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بالصَّفا والمَرْوَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الطَّوافَ بالبَيْتِ، ولَمْ يَذْكُرِ الصَّفا والمَرْوَةَ في القُرْآنِ، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، كُنّا نَطُوفُ بالصَّفا والمَرْوَةِ وإنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوافَ بالبَيْتِ فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفا، فَهلْ عَلَيْنا مِن حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ بالصَّفا والمَرْوَةِ؟ فأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ}الآية [البقرة: ١٥٨]، قالَ أَبُو بَكْرٍ: فأسْمَعُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما؛ في الَّذِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بالجاهِلِيَّةِ بالصَّفا والمَرْوَةِ، والذينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بهِما في الإسْلامِ؛ مِن أَجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أَمَرَ بالطَّوافِ بالبَيْتِ، ولَمْ يَذْكُرِ الصَّفا حتّى ذَكَرَ ذلكَ بَعْدَ ما ذَكَرَ الطَّوافَ بالبَيْتِ ».[ هذ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه: ك: الحج، ب: وجوب الصفا والمروة، وجعل من شعائر الله حديث/ ١٦٤٣ ومسلم في صحيحه: ك: الحج، ب: بيان أن السعي بين الصف والمروة ركن لا يصح الحج إلا به حديث/ ٢٧٧ ا] .

٢ - قول الله سبحانه {وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ} [الطلاق: ٤]  فقد أشكل معنى هذا الشرط {إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ} على البعض، حتى قال الظاهرية [الظاهرية: هم أصحاب المذهب الظاهري الذي أسسه داود بن علي الأصبهاني رحمه الله (ت. ٢٧هـ) الذي عرف بالظاهري لانتحاله القول بظاهر الشريعة، فالمذهب الظاهري يقرران المصدر الفقهي هو النصوص، فلا رأى في حكم من أحكام الشرع، وقد نفى المعتنقون لهذا المذهب الرأي بكل أنواعه، فلم يأخذوا بالقياس ولا بالاستحسان، ولا بالمصالح المرسلة ولا الذرائع، بل يأخذون بالنصوص وحدها، وإذا لم يكن النص اخذوا بحكم الاستصحاب، الذي هو الإباحة الأصلية الثابتة بقول الله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} [البقرة: ٢٩]  ومن فرسان هذا المذهب كذلك: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت٤٥٦هـ) رحمه الله تعالى، راجع في ذلك: (تاريخ المذاهب الإسلامية) للإمام محمد أبي زهرة، طبع: دار الفكر العربي، بدون تاريخ: ص ٥٤٤] بأن الآيسة لا عدة عليها إذا لم ترْتَب [ الإتقان: (٩٤/١)] وسبب ذلك أنهم فهموا أن الشرط مرتبط بالحيض، فحسبوا أن المعنى: إن ارتبتم في حيضهن؛ ولكن ما ورد في سبب نزول هذه الآية يزيل هذا الإشكال، لأنه يجعل الارتياب في حكم عدة الآيسة وليس في حيضها.

فقد أخرج الحاكم وصححه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد من عدد النساء، قالوا: قد بقي من عدد النساء لم يذكرن، الصغار والكبار، ولا من انقطعت عنهن الحيض، وذوات الأحمال، فأنزل الله عز وجل: {وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ} [الطلاق:٤]  [المستدرك: (دار الباز للنشر والتوزيع - بدون تاريخ) ك: التفسير، ب: تفسير سورة الطلاق (٤٩٢/٢) وأقره الذهبي على تصحيحه في التلخيص].

٣ - قول الله عز وجل: {لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} [[آل عمران: ١٨٨].

 فقد أشكل أمر هذه الآية على مروان بن الحكم، فأرسل إلى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فأجابه فيها ببيان سبب النزول، الذي أزال الإشكال واللبس.

فعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أن مروان ابن الحكم قال: (اذهب يا رافع - لبوّابه - إلى ابن عباس، فقل له لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي - في رواية مسلم: فرح بما أُتي - وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنُعذّبن أجمعون، قال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما أنزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس، {وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ} [آل عمران: ١٨٧]   وتلا: {لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ} [آل عمران: ١٨٨]   ثم قال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أنهم أخبروه بما قد سألهم عنه فاستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه) [الحديث أخرجه البخاري في صحيحه. ك التفسير، باب: ولا تحسين الذين يفرحون بما أتوا ) حديث / ٤٥٦٨ ومسلم في صحيحه : ك:صفات المنافقين حديث / ۲۷۷۸ والترمذي في سننه ك تفسير القرآن ب: ومن سورة آل عمران حديث / ٢٠١٤ واللفظ للترمذي، ولا ينبغي أن يفهم من كلام ابن عباس رضي الله عنهما تخصيص الوعيد الوارد في الآية بفعل اليهود، فليس هذا التخصيص من مقصودها، بل هي عامة في كل من فَعل فِعل اليهود من ارتكاب الشر وإبهام فعل الخير، وطلب الحمد عليه، والفرح بكل هذه الآثام].

٤- قول الله تبارك وتعالى: {وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [البقرة: ١٨٩] .

 فإن هذه الآية يصعب التوصل إلى المقصود فيها من قول الله تعالى: {وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} إلا بمعرفة سبب نزولها، أو في أي شيء نزلت.

 وبالفعل فإنه قد ورد سبب يوضح المعنى المراد، أخرج البخاري [في صحيحه. ك. العمرة. ب (وأتوا البيوت من أبوابها) حديث / ١٨٠٣] عن أبي إسحاق السُبَيْعي قال: سمعت البراء -رضي الله عنه- يقول: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها [وذلك حتى لا يحول بينهم وبين السماء حائل من سقف أو نحوه، كما ذكر ابن حجر عن الزهري في شرح الحديث، انظر كتاب فتح الباري: (٦٢٢/٣)] فجاء رجل من الأنصار، فدخل من قبل بابه، فكأنه عُيّر بذلك فنزلت: {وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ}.

الخلاصة

معرفة أسباب نزول الآيات القرآنية أداة أساسية لفهم النص بشكل صحيح وتطبيق الأحكام الشرعية بدقة، وتساعد في فهم الحكمة التشريعية وتخصيص الأحكام وتجنب سوء الفهم، ومن خلال دراسة أسباب النزول، نكتسب فهمًا أعمق للتشريع ونزيل الغموض حول التفسيرات، وهذا العلم يبرز عمق التشريع الإسلامي وشموليته في معالجة مختلف القضايا.

موضوعات ذات صلة

تتنوع أسباب نزول آيات القرآن بين عامة تخص سورًا كاملة، وخاصة تخص آيات معينة

العموم والخصوص في أسباب النزول هو موضوع يبحث في دلالة النص القرآني وتأثير أسباب نزوله على عموم ألفاظه

  أسباب النزول توضح الحكمة من نزول آيات القرآن الكريم، وهي مرتبطة بالأحداث أو الأسئلة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم

موضوعات مختارة