Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السنن الإلهية في خلق الأرض

الكاتب

أ.د/ مصطفى الشكعة

السنن الإلهية في خلق الأرض

السنن الإلهية في خلق الأرض تجلٍّ لعظمة الخالق وقدرته المطلقة، تتضح في تكريم الإنسان وتيسير سُبل الحياة، فالأرض مهيأة للعيش، محصنة بأمر الله، مشحونة بالآيات التي تدعو إلى التفكر والتسليم لله تعالى في سنن الخلق.

الأرض مستقر لآدم وذريته من البشر

الأرض هي الكوكب الوحيد الذي خصّه الله سبحانه وتعالى بعنايته وفضله بين ملايين الكواكب والنجوم، في ملايين المجرات التي يضمها الكون، الذي لا يعرف حقيقته إلا الله الذي خلقه.

لقد هيأ الله الأرض للحياة بكل أنواعها لجميع مَنْ مَنَّ عليهم بالحياة فيها برًّا وبحرًا وجوًّا وظاهرًا وباطنًا، وشرَّفها بما لم يشرف به كوكب آخر مع قدرته غير المتناهية على خلق ما يشاء، وذلك طبقًا لمعلوماتنا المحدودة كبشر؛ المستمدة من كتابه العزيز وسنة رسوله وخاتم أنبيائه -صلى الله عليه وسلم- لقد أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون الأرض مستقرًّا لآدم وذريته من البشر، بعد أن وسوس الشيطان لكل من آدم وزوجه أن يقربا الشجرة التي حرمها الله عليهما وذلك في قول الله عز وجل: {فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهيٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ * فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ * قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ * قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ} [الأعراف: ١٩ - ٢٥].

قصة آدم وخروجه وزوجه من الجنة

ولما كانت قصة آدم وخروجه وزوجه من الجنة وهبوطهما إلى الأرض من الأهمية بمكان، فقد وردت مرة أخرى في سياقها من سورة البقرة في قول الله عز وجل: {وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} [البقرة: ٣٠].

لقد اقتضت المناسبة والإرادة الإلهية تذكيرًا للبشرية بوجودها في الأرض، ذلك الحوار الذي أجراه المولى مع ملائكته على النحو الذي ذكرنا، فقال جل ثناؤه: {فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: ٣٦].

وإذا كانت الآيات السابقة قد اقتصر الخبر فيها على نزول آدم إلى الأرض واستقراره وزوجه فيها إلى حين، فإن الآيات الأخرى من الكتاب العزيز قد أوضحت أن الله سبحانه قد خلق البشر من الأرض، ثم يعيدهم إليها بعد الموت، ثم يخرجهم منها مرة أخرى يوم النشور، جاء ذلك في الحوار الذي جرى بين موسى وهارون من ناحية وفرعون من ناحية أخرى في قوله عز وجل: {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ * قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ * قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى * ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ * كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهيٰ *مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ} [طه: ٤٩- ٥٥].

ذلك خبر نزول آدم وزوجه إلى الأرض، ومن وجود البشر جميعًا فيها: مولدًا ومستقرًّا وبعثًا ونشورًا، وإذا كان بعض البشر يرون في خروج آدم من الجنة وإنزاله إلى الأرض حرمانًا لهم من البقاء في الجنة التي أخرج آدم منها وشرًّا أصابهم، فإنهم بذلك يكونون قد ارتكبوا خطأً وإثمًا كبيرًا؛ لأن تلك إرادة الله والإرادة الإلهية لا يصدر عنها إلا ما فيه صالح البشرية، وصالح البشرية يقتضي - وقد وهبهم الله العقل وأرسل إليهم النبيين والمرسلين - أن يعملوا بتعاليمه التي حملها إليهم المرسلون، فمن آمن فقد استحق الجنة ومن لم يؤمن فحسابه عند ربه، وربنا لا يظلم مثقال ذرة: {مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [النحل: ٩٧].

أما وقد جعل الله الأرض سكنًا ومستقرًّا لعباده من الجن والإنس فقد جرت مشيئته بتحصينها وكمال السيطرة عليها وعلى ساكنيها، فلا يستطيعون العبث بها أو النفاذ منها أو الانعتاق من بقائهم بين ظهرانيها إلا بسلطان هو باعثه ومسيطر عليه، جاء ذلك في صيغة التحدي من القول والحسم في الخطاب، حيث يقول جل شأنه: {فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرۡسَلُ عَلَيۡكُمَا شُوَاظٞ مِّن نَّارٖ وَنُحَاسٞ فَلَا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: ٣٣- ٣٦].

ويتبع المولى سبحانه هذا التحدي الحاسم بتسجيل ألوهيته المكينة في تثبيت قدرته المتينة في أن كل شيء في السماوات والأرض يسجد له، من شمس وقمر ونجوم وجبال ودواب وأناس إلا من انحرف من البشر عن الصراط القويم، فيقول عز من قائل: {أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ} [الحج: ١٨].

وفي إطار من مزيد تأكيد قدرته وتمكين إرادته إزاء خلقه الذين منهم المؤمن الطائع والمنكر، فيسجل قدرته العظمى في خلق السماوات وبنائها، وبسط الأرض وإثرائها، وذلك في قوله عز وجل: {رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا * وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا * وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ * أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا * وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا * مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ} [النازعات: ٢٨- ٣٣].

بهذا الخطاب القرآني المعجز الحاسم يبدي منزل القرآن آياته الحاسمة حكمًا، القاطعة مشيئة، المترعة بفضله وكرمه، وبيان مننه الإلهية ليس على الإنسان وحده، وإنما هي للإنسان وما يملك من أنعام وحيوان.

تكريم الله الأرض وساكنيها

هذه الأرض التي خلقها ومَنَّ بها على الإنسان خلقًا من طينها ومستقرًا في بيوتها ومساكنها واستمتاعًا بخيرها من زرع وضرع، ثم بعد ذلك استخلافًا فيها وسواء في ثراها، قد غمره تكريمًا وأنعم عليه بالمنة العظمى، بأن جعل لذاته العلية بيتًا فيها يؤمه الناس حجًّا وعمرة وصلاة وعكوفًا، وينزل الآيات البينات في تكريم بيته وتأمين من يعيشون حوله، رزقًا في الدنيا وثوابًا في الآخرة.

لقد كرم الله الأرض وساكنيها بأن جعل لذاته العلية أول بيت بني فيها، إنه كما وصفه الله مبارك وهدى للعالمين، وإن فيه مقام إبراهيم، وإن من دخله كان آمنًا. وإن على كل مسلم مستطيع أن يحج إليه، وكيف لا يكون آمنًا من دخله وهو بيت الرحمن، وإن كل من حج إليه أو طاف به فهو ضيف الرحمن، فهل هناك منة إلهية في هذا المجال أعظم وأجل من تلك المنة التي سجلها القرآن الكريم بقول الله عز وجل: {إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ * فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ * قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ} [آل عمران: ٩٦- ٩٧].

ويؤكد المولى سبحانه أن الكعبة هي البيت الحرام، وجعلها قيامًا للناس وصلاحًا لحالهم واطمئنانًا لمعاشهم، وفي هذا البيت يلوذ الخائف ويأمن المطارد ويربح التاجر، وكذلك جعل الله الشهر الحرام - وهو شهر ذي الحجة وتلحق به ثلاثة شهور أخرى - حرمة وأمنًا وهي ذو القعدة والمحرم ورجب، يقول الله سبحانه وتعالى: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ * ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [المائدة: ٩٧-٩٨].

ومرة أخرى يزيد الله بيته تكريمًا، وهو دعاء يدعو به المسلم أوّل ما يقع بصره على الكعبة، فيدعو الله كما كان يدعوه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهمَّ زِدْ هذا البيتَ تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا». يقول الله عز وجل: {وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ *وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [البقرة: ١٢٥-١٢٦].

في الآية السابقة يذكر المولى سبحانه أنه - تكريمًا لإبراهيم وإسماعيل - أمرهما بتطهير بيته جل وعلا من الأصنام والأوثان حتى تقر أعين الطائفين حول البيت والمعتكفين فيه والراكعين والساجدين من أن تقع على علامات الشرك وذرائع الكفر، ثم تكون بعد ذلك منة ما يعرف عند المسلمين بدعوة إبراهيم التي سأل فيها رب العزة قائلًا: {وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [البقرة: ١٢٦].

تلك الدعوة التي استجاب الله لها، وهذه الاستجابة ماثلة إلى يومنا هذا وإلى يوم تقوم الساعة، واستجابة المولى لدعوة إبراهيم هذه من المنن العظمى؛ لأن هذا البلد - مكة - آمن إلى يوم الدين، وأهله مرزوقون رزقًا موسّعًا بإذنه تعالى إلى يوم الدين. وتتجلى عظمة الخالق وفيض كرمه بألا يقف أثر دعوة إبراهيم على من آمن منهم بالله واليوم الآخر، بل يقول رب العزة: {وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [البقرة: ١٢٦].

أي في الدنيا؛ لأن هؤلاء الكافرين يسري عليهم كرم الله لأنهم يعيشون في كنف بيته الآمن، ولأنه تعالى يرزق المؤمن والكافر في الدنيا فهو الرزاق الكريم، فإذا ما حلت الآخرة كان جزاء الكافرين متكافئًا مع كفرهم، أما المؤمنون فجزاؤهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا.

ثم تتواكب الآية التالية مع أخواتها الآيات سالفات الذكر من كلام رب العالمين، وهي ليست آيات متواكبة متتابعة وحسب، وإنما هي منن عظمى متتالية متزاحمة يجود بها رب العزة على إبراهيم وذريته -ونحن جميعًا وقراء هذه الكلمات منهم بإذن الله–: {وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ * رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [البقرة: ١٢٧-١٢٩].

إن ضمن هذه الآيات المتواكبة بل المنن المتوالية دعوة عظمى أخرى لسيدنا إبراهيم، ذلك أنه دعا ربنا أن يبعث فيهم - أي في ذريته - رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم كتابك والحكمة ويزكيهم، فاستجاب له ربنا وبعث فينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فبلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ووضعنا على المحجة البيضاء: تلا علينا آياتك وعلمنا كتابك ووجهنا إلى صراطك المستقيم، وهو الرسول الخاتم الذي اخترته مبلغًا لأسمى رسالة: خاتمة الرسالات التي سوف تظل تحرسها بهدى من كتابك العظيم، ويسهم في التذكير بها والعمل على حفظه ونشرها من اخترته من أتباع دينك المستقيم، إلى أن ترث اللهم الدنيا ومن عليها وأنت أكرم الأكرمين وخير الوارثين.

السير في الأرض

إن الأرض التي خلقها الله للإنسان لكي تستقر حياته فيها مليئة بمنن الله على خلقه، مكتظة بآيات خالقها التي ما إن يتفكر الإنسان فيها وفيما تقع عليه عيناه في أرجائها الواسعة لن يملك إلا أن يؤمن بالله ربًّا واحدًا خالقًا مبدعًا، هذا فضلًا عن آيات أخرى كثيرة، ومنن ربانية لا حصر لها، فيكون بين أمرين لا ثالث لهما: إيمان، وحسن جزاء، أو نكران وسوء عقاب، وإذن فلا مفر له من أن يطيع أمر خالقه بالسير في أكناف الأرض حتى لا يكون له عند الله حجة إذ لم يستجب لأمره ويذعن إلى الاتجاه إلى الخالق الأعظم.

يقول جل شأنه وتباركت مشيئته، الخطاب هنا موجه إلى الرسول صلي الله عليه وسلم: {قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ * فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ * مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ} [الروم: ٤٢-٤٤].

هكذا يكون مصير الخلق، من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحًا فقد وطأ لنفسه مكانًا في الجنة، وهو ما تشير إليه الآية المعقبة على الآيتين السابقتين، وذلك في قول الله تعالى: {لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [الروم: ٤٥].

ويقول المولى موجهًا الخطاب مرة أخرى وفي نفس الغرض إلى عبده ورسوله ومبلغ رسالته، أن يطلب إلى الذين لا يؤمنون أن يسيروا في الأرض ليتفكروا كيف بدأ الله الخلق، وكيف أن الله يميتهم ثم يحييهم مرة أخرى أو ينشئهم نشأة أخرى، وأنهم جميعًا إليه ينقلبون: {قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ * يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ * وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ } [العنكبوت: ٢٠-٢٢].

ويظل التوجيه الإلهي بصيغة الخطاب الموجه من الله إلى عبده ورسوله، في إطار من التشجيع والمواساة وذلك في قوله تعالى: {وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ} [الأنعام: ١٠].

ويتكرر الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يظل على صيغة أمر الكفار بالسير في الأرض لتتسع آفاق المعرفة عندهم فيعرفوا عاقبة المكذبين: {قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: ١١].

ويظل النهج الإلهامي العظيم على رسله في خطاب الرسول ولكن بصيغة (قل)، وذلك في قوله تعالى: {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} [الأنعام: ١٢].

وتتخذ آيات الكتاب العزيز نهجًا متغايرًا في السير في الأرض، فبعد أن كان (السير) أمرًا صار خبرًا استنكاريًّا؛ ذلك أن عقاب الله حاق بالكافرين لأنهم ساروا في الأرض وعلموا خبر الذين كفروا وخبر الذين آمنوا، ومع ذلك ظلوا مستمسكين بكفرهم، فدمر الله عليهم أسباب حياتهم، وذلك في قوله تعالى في سورة محمد: {أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا * ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ * إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ} [محمد: ١٠-١٢].

إن الأمر الإلهي للناس بالسير في الأرض ليؤمنوا منة كبري، لأن الذين يسيرون في الأرض فينظرون حكمة الله في خلقه وعظم آياته في الكون يسارعون إلى الإيمان، والذين يفعلون ذلك ثم لا يؤمنون لا يكون لهم على الله حجة في كفرهم، فقد رأوا مفاتيح الإيمان وبدائع صنع الله وظلوا على نكرانهم، وإن من فضل الله على الأمة الإسلامية أن جعل طلب العلم فريضة على المسلمين دون سائر الأمم السابقة، والعلم عند المسلمين لا تكتمل أسبابه إلا بالرحلة أو السير في الأرض بلغة القرآن الكريم، وإن كبار علماء المسلمين لم تكتمل لهم أسباب النبوغ العلمي - سواء أكان علمًا دينيًّا أو علمًا دنيويًّا وكلاهما مطلوب - إلا بالرحلة، وإن حديث العلم والعلماء في الإسلام وما قاموا به من رحلات وأسفار وسير في الأرض سوف يكون له مكانة في هذا البحث بمشيئة الله بعد قليل.

منحة إلهية مقرونة بمعجزات ربانية

إن معجزات الخالق سبحانه وتعالى كلها منن على خلقه، منها ما تفضل ربنا علينا مقرونًا بمعجزة، ومنها ما جاء فضلًا منه ورزقًا وكرمًا منه ولطفًا. فمن المعجزات المقرونة بمننه سبحانه وتعالى قوله جل وعز: {أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ} [الأنبياء: ٣٠].

 أما المعجزة فهي أن السماوات والأرض كانتا جسمًا واحدًا ضخمًا متماسكًا ففصل الله بقدرته بينهما، وجعل السماوات مستقلة والأرض كذلك، وتدخل معجزة (الرتق والفتق) في سلك معجزات الخلق الأولى، وبمعجزة الفتق يسر الله الأرض للناس وأنعم عليها بالماء الذي لا حياة فيها إلا به، وبغير الماء لا تكون حياة، وإتمامًا لمننه على الأرض وساكنيها ثبت أركان الأرض، وثبت كيانها بالجبال الضخمة التي جاء المصطلح الإلهامي فسماها (رواسي)؛ لأنها تجعل الأرض في ثبات واتزان، وجعل في هذه الجبال سبلًا وفجاجًا يسلكها الناس في تحركاتهم وتنقلاتهم وأسفارهم، وذلك فضل الله يلمسه كل من عاش أو زار أقطارًا في الأرض جبلية.

ومن المعجزات المقرونة بالمنن الإلهية أيضًا قول الله عز وجل: {وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ * وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ * أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: ١٥-١٨].

الله سبحانه يذكر الناس بالرواسي التي ألقاها في الأرض، للسبب الذي سلف ذكره في الآية السابقة، وكذلك السبل التي شقه فيها تيسيرًا على الناس، ثم يضيف المولى سبحانه منة خلق الأنهار التي يرتوي منها البشر والحيوان والنبات، وخلق النجوم التي يهتدون بها في سفرهم ليلًا برًّا وبحرًا.

ثم يوبخ المولى سبحانه الذين لم يؤمنوا به في كل من الآيتين، ففي معجزة (الرتق والفتق) تكون مؤاخذة الله للكفار في صيغة السخرية بهم وبعقولهم، وفي الآية التي نحن بصددها تكون السخرية أيضًا في صيغة الاستفهام الاستنكاري في قوله عز وجل: {أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: ١٧].

ثم تكون الإضافة القرآنية الشريفة تقريعًا للكافرين وتذكيرًا للمؤمنين في قوله جل وعز: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ} [النحل: ١٨] صدق ربي جلت قدرته فمن الذي يستطيع إحصاء نعمه وأفضاله ومننه وعطاياه.

وفي المقام نفسه يلفت المولى سبحانه عباده عن معجزة خلق السماوات، وما ميزها به من نجوم وكواكب جعلها زينة لها، ومعجزة خلق الأرض وتثبيتها بالجبال الرواسي وما منَّ به من خلالها على الناس من الغيث يتنزل من السماء، فأنبت فيها كل ما تشتهيه الأنفس من حدائق ونخيل، وبعث الحياة في الأرض الميتة، وتلك من المعجزات الكبرى، ويجعل ذلك مثالًا للبعث الذي كذب به الكافرون، هذا فضلًا عن بلاغة الإعجاز في وصف مننه سبحانه على تعدد أنواعها: {تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ} [ق: ٨].

وفي ذلك كله يقول جل من قائل: {أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ * وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ * تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ * وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ * وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ * رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ} [ق: ٦-١١].

ويتمثل الإعجاز الإلهامي المعبر عن المنن الإلهية فضلًا عن خلق الأرض وإنبات الثمر والزرع في جنات وأعناب وزرع ونخيل، أنها جميعًا تُسقى من ماء واحد مع أنها تختلف طعمًا وتتفاوت حسن مذاق، وهي قدرة لا يستطيع إنجازها إلا الله القادر الخلاق العظيم، لقد أنعم الله على خلقه بتلك المنن لتكون آيات للعاقلين على أن الله هو - وحده - الخلاق العظيم. يقول جلت قدرته في كتابه العزيز: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} [الرعد: ٣-٤].

ويزيد المولى من الأنعام بمننه الكثيرة بالتذكير ببعض ما ورد في آيات سابقات وبالجديد منها ما يمثل عِبرًا للعباد مثل عبرة الأنعام في إخراج لبنها من بين فرث ودم، ومثل معجزة النحل التي أوحى فيها إلى تلك الحشرة البديعة السخية بالعطاء أن تتخذ بيوتها في الجبال والشجر الكثيف، وأن تسلك سبيل ربها في جمع طعامها من كل الثمرات والازدهار، وإن سبيل خالقها في ذلك لا يكون إلا الطعام الطاهر النظيف الذي ينتهي بإخراج شراب مختلف ألوانه من بطونها فيه شفاء للناس، إنه النعمة الكبرى المتمثلة في العسل المختلف الألوان والنكهة والتي تسهم في شفاء الأجسام وإبراء السقام، يقول جل شأنه: {وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ * وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ * وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ * وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ}[النحل: ٦٥-٦٩].

إن الله سبحانه لطيف بعباده يغمرهم بفضله وينعم عليهم بمننه، ولا يحب لهم إلا الطيب من الطعام، وينأى بهم عن الأطعمة المحرمة لأنها من دس الشيطان ووسوسته، إن الشيطان لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء، وإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، يقول جلت قدرته وتباركت أسماؤه ودامت نعمه ومننه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} [البقرة: ١٦٨-١٦٩].

ومن المنن الكبرى التي أنعم الله بها على الإنسان تلك الأنعام التي نتخذ من جلودها بيوتًا، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا، يقول الله عز وجل: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ * وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ * فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ} [النحل: ٨٠-٨٢].

ومن آيات الله العظمى، ومننه الكبرى: الرواسي؛ التي هي الجبال التي تشكل ميزانًا للأرض في حركتها وثباتها، فضلًا عما تضمه هذه الجبال من نعم يتأمل العابد أمرها، وذلك في قول الله سبحانه وتعالى: {أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: ٢٧ - ٢٨].

إلى هذه النعم الكبرى التي احتوتها الآيتان سالفتي الذكر الدواب والأنعام التي خلقها المولى ورزقها، وجعل منها رزقًا لعباده في مختلف بقاع الأرض، وتصديقًا لهذا القول فإن الله سبحانه وتعالى يقول في سورة هود: {وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} [هود: ٦].

وقد يعرف الإنسان مكان الدواب التي ينتفع بها ويتملكها، ولكن ثمة دواب أخرى لا يعلم مسۡتقرها ومستودعها إلا الله، فتلك المخلوقات التي تعيش في باطن الأرض وبين الأحجار، وبعضها لا يعيش إلا داخل الحجر نفسه، وتلك آية من آيات الله التي لا يقدر عليها إلا الخالق الأعظم الذي خلق كل شيء، ورزق كل شيء.

ومنن الله سبحانه وتعالى في الأرض لا حدود لها، ففيها ألقى الرواسي، وفيها أنبت كل شيء مما يحتاجه العباد في معاشهم، بل إن الله سبحانه وتعالى أرسل الرياح لتعمل عملها بين السحاب الذي ينزله الله من السماء ماءً لسقيا خلقه من إنسان، وحيوان، ونبات؛ بل إنه سبحانه، يخزن بعضًا من هذا الماء في جوف الأرض لكي يتفجر من بين الأحجار ماءً عذبًا زلالًا يجري فيصنع أنهارًا يستقي منها الإنسان والحيوان والنبات، ويتمثل ذلك في قول الله عز وجل: {وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ * وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ * وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ * وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ * وَإِنَّا لَنَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَنَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثُونَ} [الحجر: ١٩-٢٣].

وفي فضل الجبال التي تُعد معلمًا خالدًا من معالم الأرض، يقول الله سبحانه وتعالى: {أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا * أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا * وَجَعَلۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ شَٰمِخَٰتٖ وَأَسۡقَيۡنَٰكُم مَّآءٗ فُرَاتٗا} [المرسلات: ٢٥-٢٨].

ولا يغيب عن فطنة القارئ لكتاب الله، الربط بين الجبال والمياه، لأن الجبال يتفجر منها المياه العذبة كما أوضحنا في الآيات السابقة.

وفي تسخير الخالق الأعظم ومننه التي مَنَّ بها على عباده؛ خلقه البحار والمحيطات التي تجري فيها الفلك كالأعلام، وأنه من فضله يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، رأفة منه بخلقه، ورحمة منه لعباده، وفي ذلك يقول جل وعز: {أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ} [الحج: ٦٥].

وإن الأرض على الرغم من مساحتها الواسعة التي يتخذ الناس منها معاشًا، وسكنًا، ومستقرًّا، يغلب عليها في مساحتها الواسعة عنصر الماء، بحيث إن هذا الماء يغطي نحو ثلاثة أرباع الأرض، وإن النعم التي تزخر بها البحار لمما يستعصي على الإنسان حتى اليوم إحصاؤه والتعرف عليه، وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى ببعضه، وذلك في قوله عز وجل: {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} [النحل: ١٤].

والماء الذي في البحار أكثره مالح وأقله عذب، وفي ذلك يقول جل وعلا: {وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} [فاطر: ١٢].

وهكذا كل من البحرين العذب الفرات والملح الأجاج يسوق المولى من كل منهم لخلقه، يأكلون أنواع الأسماك والأطعمة الأخرى، فضلًا عن الحلي التي تستخرج من كل من البحرين، وبخاصة اللؤلؤ الذي يعيش في الماء العذب مثلما يعيش في الماء الملح.

ومن المنن الكبرى التي ضمنها الله سبحانه وتعالى كتابه العزيز قوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا} [الفرقان: ٥٣].

وتلك الحقيقة من آيات الله العظمى، ومننه الكبرى بحيث يتدفق الماء العذب الفرات، ويموج الملح الأجاج، ويخلق بينهما فاصلًا قد لا يكون من الأرض، بل كثيرًا ما يكون من الماء نفسه، وهذه الحقيقة تتبدى بوضوح عند مصبات الأنهار الكبرى، مثل نهر الأمازون في أمريكا الجنوبية، الذي يندفع الماء العذب بين أحضان الماء المالح لمسافة تمتد لنحو ثلاثمائة كيلومتر في قلب المحيط، يستطيع الإنسان في أي موقع من هذه المسافة الطويلة أن يشرب ماء عذبا سائغًا، دون أن يختلط به قطرة واحدة من الماء المالح، وكنا نحن قبل ثلاثة عقود من الزمان نرى ذلك في نهر النيل أيام فيضانه الذي كان يستطيع صائدو الأسماك أن يشربوا مياهًا عذبة داخل البحر الأبيض المتوسط لعديد من الكيلو مترات داخل البحر المالح الذي يغزوه الماء العذب، ويشكل برزخًا وحجرًا محجورًا.

بل إن هذا الأمر، أمر الماء العذب الفرات والملح الأجاج، لا يقتصر عليهما مرج البحرين - العذب والمالح - وإنما يحدث ذلك بين البحار الملحة، ويتضح ذلك في قول الله تعالى في سورة الرحمن: {مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ * بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ * فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: ١٩-٢١] وهذه الحقيقة تتضح في لقاء البحر الأحمر ببحر العرب الذي هو جزء من المحيط الهندي، ذلك أن مياه البحر الأحمر أشد ملوحة، وأكثر حرارة من تلك التي في بحر العرب، فلا يمتزج ماؤهما عند اللقاء، وإنما يجلف ماء البحر الأحمر - لطبيعته السالف ذكرها - إلى أسفل مياه بحر العرب، كما قرر العلماء المختصون بعلوم البحار.

والظاهرة نفسها تتكرر عند لقاء مياه البحر الأبيض المتوسط عند خليج جبل طارق بمياه المحيط الأطلنطي الكبير.

على أن هذه الحقيقة الكبرى تتمثل بشكل ظاهر للعيان عند رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا حيث تلتقي مياه المحيط الأطلنطي بمياه المحيط الهندي فتشكل حاجزًا مائيًّا ضخمًا ممتدًّا جنوبًا إلى مرمى البصر، ولقد قام بمحاولة مشاهدة هذه الظاهرة الفذة كاتب هذه السطور، حينما زار مدينة الكاب ممثلًا لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، في احتفال المسلمين هناك بمضي مائة عام على بناء أول مسجد في جنوب أفريقيا، وكان تفسير العلماء هناك لهذه الظاهرة أن ماء المحيط الأطلنطي بارد بمقدار ثلاث درجات عن مثيلاتها من مياه المحيط الهندي فيتخلق هذا البرزخ المائي العظيم بسبب هذا الفرق الواضح بين درجتي حرارة المحيطين العظيمين.

إن منن الله العظمى في المياه التي تكسو وجه الأرض لا يمكن أن تحصى أو تستقصى.

ومن خير ما نختتم به منة الله في كتابه العزيز بالمياه عامة، وبالعذبة منها خاصة، تلك المنة العظمى من الخالق الأعظم الذي يجعل المياه العذبة تتفجر من الحجارة الصلدة عذبة زلالًا سائغةً للشاربين تروي الظمأ، وتحيي الأرض الميتة، وذلك في قوله عز وجل في وصف قسوة قلوب اليهود: {ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} [البقرة: ٧٤].

وهذه المنة الكبرى متعددة الظهور خاصة في المناطق الجبلية في جبال الشام، وجبال أوروبا وأمريكا، ولقد أنعم الله على كاتب هذه السطور بأن رأى كميات المياه العظيمة العذبة الباردة تتفجر من جبل في سهل البقاع بلبنان من أرض الشام، فتصنع نهرًا كبيرًا مشهورًا ومعروفًا، يشق سطح الأرض المنبسطة حينًا، والجبلية حينًا لمسافة مئات من الكيلومترات حتى تصل إلى الأراضي التركية في شمال بلاد الشام، فتصنع الخضرة والري والنماء في تلك البقعة المباركة من أرض المسلمين.

نهاية الحياة الدنيا وقيام الساعة

إن الله سبحانه وتعالى هو خالق الموت والحياة، ولقد قُدِّم الموت على الحياة لارتباطه بالحياة الآخرة وهي الدار الباقية، ومثابة الخلود، وفيها ينال المحسن إحسانه فيكون من أهل الجنة، ويلقى المسيء جزاءه بما قدمت يداه عدلًا من الله وحقًّا، ومن هنا كان على المرء من عباد الله أن يتدبر هذا اليوم تدبرًا موصولًا حتى يكثر من الخير، ويبتعد عن الشر، وأن يظل مؤمنًا بأن للكون خالقًا قادرًا بيده مقاليد الدنيا والآخرة، ومن ثم كان من منن الله الكبرى في كتابه العزيز أن نبه الناس إلى ذلك اليوم الذي تنتهي فيه الحياة الأولى، ويكون البعث، والنشور، والحساب، والمصير إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أو إلى جهنم التي أعدت للكافرين.

ولقد نبهنا الله سبحانه وتعالى إلى أن للآخرة علامات، وأن لنهاية الدنيا معالم، ذكرت في آيات كثيرة من كتاب الله العزيز، وفي ذلك يقول الحق جل جلاله: {فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} [البقرة: ٢٥١].

{إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: ٢٤].

وتبصيرًا للعباد بذلك اليوم العصيب التي تزلزل فيه أركان الأرض إيذانًا بنهايته وانتهاء الحياة على وجهها، تحدث الزلزلة الكبرى التي يتزلزل معها الكيان الإنساني وذلك في قول الله جل وعز في سورة الزلزلة: {إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا * وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا * وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا * يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا * يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡ * فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ * وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ } [الزلزلة: ١-٨].

ويصف الله - خالق الخلق - وبارئ الأرض والسماء، وملك يوم الدين، هذا اليوم بيوم الفصل - جل جلاله - أحداث ذلك اليوم، وما يمن به على المحسنين من عباده من حسن الجزاء، وعلى العاصين أتباع الشيطان وما يقع عليهم من عقاب، فيقول جلت قدرته، وتباركت أسماؤه: {إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ كَانَ مِيقَٰتٗا * يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا * وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا * وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا} [النبأ: ١٧-٢٠] إلى نهاية الآية رقم ٣٠ من سورة النبأ.

ومن الصور القرآنية التي تناول المولى فيها - جلت قدرته - وصف فزع الكون ممن في السماوات والأرض، والجبال الراسيات وهي تمر مرّ السحاب في قوله تعالى: {وَيَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَٰخِرِينَ * وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ} [النمل: ٨٧-٨٨].

وفي موضع آخر من الكتاب العزيز يتجلى المولى على خلقه بمزيد من المنن في وصفه خطر هذا اليوم تذكيرًا للغافلين، وتنبيها للمنكرين، وتفزيعًا للكافرين فهو يوم الفزع الأكبر الذي مقداره خمسون ألف سنة فيقول جلت قدرته: {تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ * فَٱصۡبِرۡ صَبۡرٗا جَمِيلًا *إِنَّهُمۡ يَرَوۡنَهُۥ بَعِيدٗا * وَنَرَىٰهُ قَرِيبٗا * يَوۡمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلۡمُهۡلِ * وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ *وَلَا يَسۡـَٔلُ حَمِيمٌ حَمِيمٗا * يُبَصَّرُونَهُمۡۚ يَوَدُّ ٱلۡمُجۡرِمُ لَوۡ يَفۡتَدِي مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِئِذِۭ بِبَنِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِۦ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُـٔۡوِيهِ * وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّآۖ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةٗ لِّلشَّوَىٰ * تَدۡعُواْ مَنۡ أَدۡبَرَ وَتَوَلَّىٰ * وَجَمَعَ فَأَوۡعَىٰٓ} [المعارج: ٤-١٨].

وفي صورة جليلة من سور القرآن الكريم يجري إطلاق اسم (الواقعة) على هذا اليوم الرهيب الذي ترج فيه الأرض رجًا وتبس فيه الجبال بسًّا، ويصنف الخلق فيه تصنيفًا يتسق مع أعمالهم: إن شرًّا فهم من أصحاب المشأمة، وإن خيرًا فهم المقربون في جنات النعيم، وذلك في قوله عز وجل: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ * لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٞ رَّافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ ٱلۡأَرۡضُ رَجّٗا * وَبُسَّتِ ٱلۡجِبَالُ بَسّٗا * فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا * وَكُنتُمۡ أَزۡوَٰجٗا ثَلَٰثَةٗ * فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ * وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ * وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ} [الواقعة: ١-١٢].

ومن آيات الله العظمى وآياته الكبرى أن تقوم السماء والأرض بأمره، فإذا دعاهم دعوة من الأرض أسرعوا خارجين، فهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو القاهر فوق عباده فيقول تباركت أسماؤه: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ * وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ * وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [الروم: ٢٥-٢٧].

والله سبحانه وتعالى عدلًا منه وإنصافًا يصف المقصر بتقصيره، والمفسد بفساده تذكيرًا بذلك اليوم العظيم، وتنبيهًا إلى القيامة، ومجيء الآخرة ونهاية الدنيا، ثم ينبه إلى النفس المطمئنة التي عملت أعمالًا صالحة فيزيل عنها الروع، ويبعث في أعطافها الاطمئنان، كل ذلك يتضمنه قوله الكريم: {كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ * وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ * وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا * وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا * كَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا * وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا * وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ * يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي * فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ * يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ * ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ * فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي * وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: ١٧-٣٠].

الخلاصة

خلق الله الأرض بحكمة، وبثّ فيها من نعمه ما يدل على رحمته وعدله، والمعجزات الربانية تتجلى في كل شيء، من الجبال إلى البحار، ومن الماء إلى الزرع، ثم نهاية الدنيا وقيام الساعة سنّة إلهية حتمية، يَلقى فيها كلٌّ جزاءه بما كسب.

موضوعات ذات صلة

الخلق هو إيجاد الله تعالى للأشياء من العدم، وإبرازها إلى الوجود بإرادته وقدرته وعلمه وحكمته

الإرادة هي صفة إلهية أزلية تخص الله وحده، وتختلف جذريًا عن الإرادة البشرية

سنن الله في الخلق مظهر من مظاهر القدرة الربانية، تجلت في آيات قرآنية محكمة تدعو للتدبر والتأمل

موضوعات مختارة