Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

سنن الخلق

سنن الخلق

سنن الله في الخلق مظهر من مظاهر القدرة الربانية، تجلت في آيات قرآنية محكمة تدعو للتدبر والتأمل، وما بين السماء والأرض دلائل لا تحصى على الإبداع الإلهي، تحمل رسائل للهداية والإيمان.

الإبداع والخلق

الله سبحانه وتعالى هو الخالق البارئ المصور إنه خالق كل شيء، {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ * ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ} [الأنعام: ١٠٢،١٠١]. 

لقد أكرمنا الله سبحانه ونحن نستعرض في القرآن الكريم الآيات التي تحمل سنن الخلق وهي كثيرة وخصيبة وهادية ومرشدة وكافية وشافية ومقنعة ومعجزة، ووقفنا أمامها كما ينبغي للعبد أن يقف أمام كلمات خالقه، خالق الكون بكل ما فيه، وتحيرنا بأي الآيات نبدأ هذه الشريحة من آيات سنن الخلق، فإذا بنا ونحن نقرأ سورة الأنعام وما حفلت به من سنن الخلق تقع أعيننا على الآيتين سالفتي الذكر وفيهما تتكرر عبارة {خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ} ففي الآية الأولى يقول جل وعز: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ}، وفي الآية الثانية يقول عز وجل: {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ} فاستخرنا الله وجعلنا الآيتين استهلالًا للحديث عن سنن الخلق.

وإنه بسبب وفرة آيات سنن الخلق وثرائها في نطاق القداسة الربانية رأينا أن نتناول ما يتيسر تناوله منها في نطاقين: نطاق الآيات التي يمكن أن نطلق عليها الآيات الكونية، والجانب الآخر هو نطاق الإنسان وما يتصل به باعتبار أن الله سبحانه كرمه بين خلقه واستخلفه في أرضه، وسخر له كل شيء.

سنن الله في الآيات الكونية:

إن كل الآيات الكونية متضمنة (خلق السماوات والأرض) إذ منهما يتشكل الكون الذي عرف الإنسان منه النذر اليسير، وغاب عنه الكثير الوفير، وبمضي الأزمنة يكتشف الإنسان ما يتيسر له اكتشافه بالعقل الذي وهبه الله إياه والعلم الذي فرض الله عليه طلبه.

والذي يلاحظه قارئ آيات الكتاب العزيز: أن الآيات الكونية بعد أن يذكر فيها خلق السماوات والأرض، يجدها مليئة بعد ذلك بالعديد المتباين من سنن الله خلقًا وإبداعًا.

يقول الله جل شأنه: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ * وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ} [إبراهيم٣٢: ٣٤].

بعد استهلال الآية بذكر الله للسماوات والأرض، نجد فيضًا من نعم الله التي أنعم بها على خلقه من نزول الغيث وإخراج الثمرات وتسخير الفلك للإنسان تجري به في البحار، بل وسخر لهم الشمس والقمر دائبين، وسخر الليل والنهار فلكل منهما شأن ثم أجابهم الله إلى كل ما سألوه من نعمه التي يعجزون عن إحصائها.

وعلى النسق نفسه من ذكر سنن الله في خلقه، وإسباغ نعمه عليهم يقول الله عز وجل: {إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} [البقرة: ١٦٤].

إن هذه الآية من سورة البقرة تحمل من الألفاظ والمسميات كثيرًا مما تحمله الآيات السابقة من سورة إبراهيم، ومن ثم يذهب الظن بل اليقين عند بعض من لا يعرفون العربية وبخاصة من المستشرقين، أن في القرآن الكريم ما يطلقون عليه ظاهرة التكرار، وقد وقع في الخطأ نفسه بعض أبناء المسلمين ممن درسوا على تلك الطائفة من المستشرقين، وغاب عنهم أن اللفظ الذي تكرر في آيات سورة إبراهيم وآية البقرة، يؤدي وظيفة تختلف من حيث الهدف والمنهج عن تلك الوظيفة التي أدتها هناك، فالماء في الآيات الأولى نزل على أرض خصبة فأخرج من الثمرات رزقًا، والماء في الآية الأخرى نزل على أرض ميتة فأحياها لتكون صالحة للغرس والإثمار، والفلك في الآية الأولى مسخرة بأمر الله لنفع الناس والفلك في الآية الثانية تجري أيضًا بما ينفع الناس. ولكن الهدف من ذكرها هنا كونها آية لبرهان على قدرة الله عند القوم الذين يعقلون، وكذلك الشأن فيما يتعلق بذكر الليل والنهار، فإن ذكرهما في الآيات من سورة إبراهيم نعمة سخرها الله للناس على النحو الذى بيناه هناك، وأما ذكرهما في آية البقرة فإنما جاء على سبيل الإقناع إذ الهدف من ذكرهما هو أن كلًّا من الليل والنهار يخلف أحدهما الآخر بصورة دائمة لا تتبدل ولا تتوقف، ومثل ذلك كثير في آيات الكتاب العزيز التي لا يفقهها إلا من توفرت لديه أدوات فهم اللغة العربية، فضلًا عن أن ثمة شروطًا كثيرة حددها علماء الأمة ينبغي توفرها عند من يعرض لتفسير القرآن الكريم.

نعود مرة أخرى إلى المنهج الذي سرنا عليه في ارتباط ذكر خلق السماوات والأرض في آيات كتاب الله الكونية لتتمثل بقول الله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [الأعراف: ٥٤].

التدبر في الآيات الكونية

وإن وقفة التدبر هنا موقعها معجزة خلق الكون ممثلًا في السماوات والأرض في ستة أيام، ثم الاستواء على العرش، وفي تتابع الليل والنهار بصورة أكثر تفصيلًا، وهي كون الليل والنهار يغشي أحدهما الآخر حثيثًا؛ أي أن الليل يغطي على النهار فيذهب بضوئه ويطلبه سريعًا حتى يدركه. [صفوة التفاسير المجلد الأول صفحة ٤٥٠ الطبعة الرابعة].

وإذا كان الكون كله من إبداع الخالق الأعظم، فمن المقطوع به أن الشمس والقمر والنجوم مسخرة جميعًا بأمر الله، والآية جميعها موقوفة على الجزء السماوي من سنن الله الكونية؛ إعجازًا وإدراكًا لجميع البشر، ومن ثم كان ختامها متسقًا مع مدلولاتها وذلك بقول الله تعالى: {أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ}. [الأعراف: ٥٤]

ومعجزة الخلق في ستة أيام يراها القرطبي أنها مثيلة لأيام الدنيا ويقول: "لو أراد لخلقها في لحظة، ولكنه سبحانه أراد أن يعلم العباد التثبت في الأمور" [تفسير القرطبي المجلد السابع صفحة ٢١٧].

وفي آية أخرى يقول جل وعز لتأكيد فترة الخلق في ستة أيام: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} [هود: ٧].

وموقع التدبر هنا أن عرش الله كان على الماء، ويرى الزمخشري أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السماوات والأرض [الكشاف المجلد الثاني صفحة ٣٨٠]، فإذا عدنا إلى الماء موضع التدبر وجدنا في الآية توبيخًا لكفار مكة لأنهم ينكرون البعث والنشور.

ومن الآيات الكونية المترعة بالسنن الإلهية - بدون ذكر خلق السماوات والأرض - قول الله عز وجل: {وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ * وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ * وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ * لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ} [يس: ٣٧-٤٠].

تضم هذه الآية أربعة عناصر تمثل سننًا إلهية، وهي موضوع اهتمام الخلق جميعًا، إنها الليل والنهار والشمس والقمر، وليس عجبًا أن كل اثنين من هذه المعالم الأربعة مرتبط بقرين له، فالليل والقمر مرتبط أحدهما بالآخر، وكذلك النهار والشمس مرتبط كلاهما بالآخر، وهي جميعًا تمثل سننًا إلهية ذكرت كل واحدة منها في القرآن الكريم عشرات المرات.

وفيما يتعلق بذكر الليل والنهار، فإن ثمة نوعًا من التكافؤ حادثًا بينهما إذ لا غنى للعيش بدونهما، وإذا كانت آية الأعراف تضمنت قوله تعالى: {يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا} [الأعراف: ٥٤] حسبما مر بنا قبل قليل، فإن الأمر يختلف هنا، إذ يقول المولى عز وجل: {وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ}، وليس ذلك من قبيل التضاد وإنما هو من قبيل الموازنة والمساواة بين قيمة كل من الليل والنهار.

وأما ذكر الشمس والقمر مقترنين أحدهما بالآخر، فتلك من سنن الله الخالدة الباقية إلى أن تقوم الساعة، ويتجلى ذلك في قوله عز وجل: {وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ * وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ}.

وإذا كان بعض المفسرين لم يصل اجتهاده إلى المعنى القرآني، فإن المفسرين المحدثين قد وفقوا إلى المراد من الآية؛ وهو أن الشمس تدور حول نفسها، وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها ولكن عرف أخيرًا أنها ليست مستقرة في مكانه، وإنما هي تجري في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل، ولا بأس بهذا التفسير، وإنما نحن نوضح أنها في سيرها محكومة بالمجرة التي تضم ملايين الشموس الأخرى، ولعل شمسنا التي أطلعنا الله عليها، والتي جعلها مصدرًا من مصادر حياتنا هي - على ضخامتها الهائلة - من أصغر شموس المجرة التي تحتويها وتعرف بمجرة سكة اللبان، وهذه المجرة التي لا تعرف بدايتها من نهايتها، هي واحدة من ملايين المجرات التي يضمها الكون الذي خلقه الله جلت قدرته بغير حدود.

هذا وإن الشمس في جريانها تتحرك بقدرة السميع العليم. ولا يفوتنا في هذا المقام الذي جرى فيه توصيف الشمس، أنها مسخرة هي والقمر لعوامل أرادها لهما الخلاق العظيم وذلك في قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ} [الرعد: ٢].

ولعل من خير ما جاء به المفسرون من قدامى ومحدثين في هذ المقام، هو ما قال به الشيخ محمد علي الصابوني برغم إيجازه الشديد: "أن الله سبحانه وتعالى ذلل الشمس لمصالح العباد، كل يسير بقدرته تعالى إلى زمن معين هو زمن فناء الأرض". [صفوة التفاسير المجلد الثاني صفحة ٧٣].

على أن أحدث ما كتب في شأن سنة الله في تسخير الشمس والقمر، وأقربه إلى المراد القرآني: أن من معاني تسخير كل من الشمس والقمر ضبط حركة كل منهما لما فيه صلاح الكون واستقامة الحياة على وجه الأرض، ومن معاني أن كلًّا منهما يجري إلى أجل مسمى أن الكون ليس بأزلي ولا بأبدي بل كانت له في الأصل بداية تحاول العلوم المكتسبة تحديدها، وكل ما له بداية لا بد وأن تكون له في يوم من الأيام نهاية، لها من الشواهد الحسية في كل من الشمس والقمر ما يؤكد على حتميتها، والحقائق القاطعة بتسخير الشمس عديدة جدًّا منها:

(١) الاتزان الشديد بين تجاذب مكونات الشمس وتمددها... وقد بقيت الشمس مستمرة في الوجود تحت هذا التوازن العجيب على مدى عشرة بلايين من السنين على أقل تقدير وإلى أن يرث الله تعالى الكون ومن فيه، ولولا هذا التوازن الدقيق لانفجرت الشمس كقنبلة نووية عملاقة أو لانهارت على ذاتها تحت ضغط جاذبيتها خاصة وأنها مجرد كرة ضخمة من الغازات.

(٢) تسخير طاقة الشمس من أجل ضبط حركة الحياة على الأرض، ذلك أن الشمس تطلق من مختلف صور الطاقة ما يقدر بحوالي خمسمائة ألف مليون مليون مليون (ثلاث مرات) حصان في كل ثانية من ثواني عمرها ويصل إلى الأرض من هذ الكم الهائل من الطاقة حوالي الواحد في الألف، وبدون هذه الطاقة الشمسية تستحيل الحياة على كوكبنا؛ لأن كلًّا من النبات والحيوان والإنسان يعتمد في وجوده بعد إرادة الله الخالق سبحانه وتعالى على قدر الطاقة الذي يصله من أشعة الشمس، كذلك وإن كل الظواهر الفطرية التي تحدث على الأرض وما حولها تعتمد على الطاقة القادمة إلينا من الشمس، فتصريف الرياح وإرسال السحاب وإنزال المطر وبقية دورة الماء حول الأرض، وما يصاحب ذلك من تسوية وتمهيد لسطح الأرض، وشق الفجاج والسبل فيها وتفجير للأنهار والجداول من حجارتها، وخزن الماء تحت سطح الأرض، وتكوين التربة والصخور الرسوبية، وحركات الأمواج في البحار والمحيطات، وعمليات المد والجزر، وغير ذلك من عمليات وظواهر، تحركها طاقة الشمس بإرادة الله.

(٣) تكوين نطق الحماية المختلفة للأرض بفعل طاقة الشمس، ذلك أن إرادة الله شاءت أن يحمي الحياة على سطح الأرض بعدد من نطق الحماية التي لعبت أشعة الشمس - ولا تزال - الدور الأول في تكوينها بعد إرادة الله، منها النطاق المغناطيسي للأرض وأحزمة الإشعاع ونطاق الأوزون، وهذه النطق تتعاون في حماية الأرض من كل من الأشعة فوق البنفسجية والكونية، ومن الجسيمات الكونية الدقيقة والكبيرة التي منها النيازك والشهب، ولو لم تكن هذه النطق موجودة لاستحالت الحياة على الأرض، وإن وجود هذه النطق صورة من صور التسخير التي لم تكن معروفة في زمن الوحي بالقرآن الكريم، ولا بعد قرون متطاولة من تنزيله حتى نهايات القرن العشرين الميلادي.

(٤) تحديد الزمن، إذ إنه يتحدد كل من الليل والنهار ويوم الأرض وشهورها وفصولها وسنيها بدورة الأرض حول محورها، وبسبحها في مدارها حول الشمس، وبذلك يستطيع الإنسان إدراك الزمن وتحديد الأوقات والتاريخ للأحداث، فبدورة الأرض حول محورها أمام الشمس يتبادل الليل والنهار ويتحدد يوم الأرض.

وبسبح الأرض في مدارها حول الشمس بمحور مائل على الأفق تتحدد الفصول المناخية من الربيع والصيف والخريف والشتاء، كما تتحدد سنة الأرض التي يتقاسمها اثنا عشر شهرًا شمسيًّا تحددها بروج السماء الاثنا عشر المتتابعة. [بحث عنوانه "وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى" جريدة الأهرام اليومية المصرية صفحة ٢ ١ بتاريخ ٠ ٣ سبتمبر ٢٠٠٢].

هذا بيان بتفسير سنة الله في تسخير الشمس، ثم نعود إلى سورة يس مرة أخرى وننعم النظر في قوله تعالى: {وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ} [يس: ٣٩].

يقول ابن كثير في تفسير هذه الظاهرة الكونية الإلهية: {وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ}؛ أي جعلناه يسير سيرًا آخر - غير سير الشمس - يستدل به على معنى الشهور كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار كما قال عز وجل: {يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ} [البقرة: ١٨٩] وقال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ} [يونس: ٥]. ويمضي المفسر في حديثه عن كل من الشمس والقمر إلى أن يقول: أما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلًا قليل النور ثم يزداد نورًا في الليلة الثانية ويرتفع منزله، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء، وإن كان مقتبسًا من الشمس حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير «كالعرجون القديم». قال ابن عباس: هو أصل العذق، وقال مجاهد: العرجون القديم أي: العذق اليابس. يعنى أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى. [انظر تفسير ابن كثير المجلد ٣ صفحة ٥٤٩، ٥٥٠].

ويجيء تفسير الجلالين - بالرغم من منهجه إيجازًا - فيزيد الظاهرة تفصيلًا فيقول: قدرناه من حيث سيره منازل ثمانية وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يومًا، وليلة إن كان تسعة وعشرين يومًا، حتى عاد في آخر منزله «كالعرجون القديم»، تعود الشماريخ جمع شمراخ وهو عيدان عنقود النخيل الذي عليه الرطب إذا عتق فإنه يرق ويتقوس ويصغر [تفسير الجلالين المجلد الثاني] ويقول مثل ذلك صاحب صفوة التفاسير [المجلد الثالث صفحة ١٥].

الإعجاز العلمي

ثم يعرض الأستاذ الدكتور زغلول النجار لتفسير هذه الآية في ضوء التقدم الكبير في علم الفلك في السنوات الأخيرة، فيتحدث عن منازل القمر في علم الفلك حديثًا مسهبًا ويزيد الأمر وضوحًا في إيضاح الإعجاز العلمي في الآية الكريمة فيقول: نظرًا للارتباط الشديد بين مراحل أشكال القمر المتتالية من الهلال الوليد إلى التربيع الأول إلى الأحدب الأول إلى البدر، ثم إلى الأحدب الثاني ثم الهلال الثاني ثم المحاق إلى الهلال الجديد في الشهر القمري الجديد وبين منازل القمر الثمانية والعشرين وهي مواقعه اليومية المتتالية في السماء بالنسبة إلى نجوم تبدو مواقعه قريبة ظاهريًّا، فإن التعبير بمنازل القمر يمكن إطلاقه على مراحل القمر المتتالية وعلى منازله المتواقعة مع تلك المراحل - أي مواقعه المتتالية في السماء - باعتبار المنازل - جمع منزل - وهو المنهل والدار.

وإن تقدير هذه المنازل القمرية فيه من الدلالة على طلاقة القدرة الإلهية ما فيه لأهميته في معرفة الزمن وتقديره وحسابه باليوم والأسبوع والشهر والسنة، وفي التأريخ للعبادات والأحداث والمعاملات والحقوق، ولما فيه من تأكيد على ضبط سرعة القمر ضبطًا دقيقًا؛ من أجل الحيلولة دون ارتطامه بالأرض فيفنيها وتفنيه، أو انفلاته من عقال جاذبيتها فينتهي إلى نهاية لا يعلمها إلا الله وفي الوقت نفسه الارتباط الدقيق بين سرعة دوران كل منهما حول محوره، فإذا زادت إحداهما قلت الأخرى بنفس المعدل. ويمضي الدكتور زغلول النجار قائلًا: "ولما كانت سرعة دوران الأرض في تناقص مستمر بمعدل جزء من الثانية في كل قرن من الزمن، فإن سرعة دوران القمر في تزايد مستمر بنفس المعدل تقريبًا، مما يؤدي إلى تباعد القمر عن الأرض بمقدار ثلاثة سنتيمترات في كل سنة، وهذا التباعد سوف يخرج القمر في يوم من الأيام من إسار جاذبية الأرض ليدخله في نطاق جاذبية الشمس فتبتلعه تحقيقًا للنبوءة القرآنية التي يقول فيها الحق تبارك وتعالى: {فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلۡقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ} [القيامة: ٧-٩] ومن هنا كانت هذه الإشارة القرآنية المعجزة إلى وصف مراحل القمر المتتالية في كل شهر، والتي يقول فيها ربنا سبحانه وتعالى: {وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ} [يس: ٣٩] ويمضي الأستاذ الدكتور زغلول قائلًا: ويضاف إلى هذه المعجزات القرآنية التي لا تنتهي أبدًا، وصف المرحلة الأخيرة من مراحل الدورة الشهرية للقمر؛ بالعرجون القديم: وهو العنقود من الرطب (العذق) إذا يبس وانحنى واصفر لونه، وهو عند يبوسه على النخلة ينحني تجاهها، فكذلك الهلال الثاني ينحني بطرفيه تجاه الأرض، بينما الهلال الوليد ينحني بهما بعيدًا عنها فما أروع هذا التشبيه القرآني".

ويختم الدكتور زغلول بقوله: هذه الحقائق عن القمر لم يدركها العلم الكسبي إلا بعد مجاهدة استغرقت آلاف العلماء وعشرات القرون، وورودها في آية واحدة من كتاب الله الذي أنزل على نبي أمي وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين، ومن قبل ألف وأربعمائة سنة، مما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله وتعهد بحفظه حفظًا كاملًا. [جريدة الأهرام المصرية، مقال بعنوان: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) الصفحة الثانية عشرة بتاريخ ٢ سبتمبر ٢٠٠٢م].

وقوله تعالى: {لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ} [يس: ٤٠]، هو سنة إلهية عظمى من سنن الله في خلقه، ذلك أن الشمس والقمر إذا اجتمعا محا ضياء الشمس نور القمر، لأن القمر يستمد نوره من ضوء الشمس فتكون الأوقات كلها نهارًا لا ليل فيها، والحال نفسها تحدث إذا سبق الليل النهار، ولكن نتيجة ذلك تكون مضادة لنتيجة اجتماع الشمس والقمر، إذ الحال في سبق الليل النهار أن تكون الأوقات ليلًا وحينئذ يختل نظام الحياة على الأرض، لأن إرادة الله جعلت طبيعة الحال على كوكب الأرض ينقسم اليوم فيها إلى ليل ونهار، ولليل طبيعته ووظيفته، وللنهار طبيعته ووظيفته، وقد بين ذلك تفصيلًا في تفسير آية تسخير الشمس والقمر، والله سبحانه هو الذي سخرهما لصالح الحياة على الأرض، فالشمس لها مدار لا تتجاوزه، والقمر له مدار ومنازل لا يحيد عنها ولا يطغى أحدهما على الآخر، ولا يكون الجمع بينهما إلا يوم القيامة تبعًا لقوله عز وجل في سورة القيامة: {فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلۡقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ * يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ } [القيامة: ٧-١٢].اتساع الكون وزيادته بغير حدود.

قبل أن ننهي الحديث عن الكون والسماوات وسنن الله فيهن، ننبه إلى ما يقوله علماء الفلك والباحثون في شئون الكون المعاصرين وأحاديثهم عن المجرات التي لا يعرفون مداها، وأن كل مجرة من هذه المجرات الملايين لا يستطاع تحديد سعتها، حتى إنهم قالوا: إن المجرة التي توجد فيها شمسنا وما يسير في مدارها من كواكب تضم ملايين الشموس التي تعد شمسنا وما يتبعها من كواكب هي أصغر الشموس حجمًا ومن أقلها شأنًا، وإن هذا الكون الذي يضم ملايين المجرات دائم الاتساع بغير حدود، والجدير بالذكر أن هؤلاء العلماء ليسوا من المسلمين بل إن أكثرهم من الماديين، وما عرفوا أن القرآن الكريم قد سجل الله فيه ما توصلوا إليه بعد طول البحث والتفاني في بذل الجهد لمعرفة شيء يعلل ما قد توصلوا إليه من أن الكون يزيد اتساعًا.

يقول الله جل وعز في سورة الذاريات: {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ} [الذاريات: ٤٧-٤٨] وموضع الدهشة يكمن في الآية الأولى، فقد فهمها المفسرون القدامى على النحو الذي توصل إليه دارسو الكون من العلماء المعاصرين، ولو أنهم أو بعضهم قرأ القرآن لسارع إلى الإيمان واعتناقه، مثلما فعل عدد غير قليل من غير المسلمين الذين قرأوا القرآن ووقعت أعينهم على الكثير من السنن الإلهية التي يحفل بها الكتاب العزيز، وقد عرفنا كثيرًا من هؤلاء العلماء والمستنيرين الذين أسلموا طوعًا واقتناعًا بعد قراءتهم القرآن الكريم مترجمًا إلى لغاتهم.

يقول المفسرون في قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ} أي: شيدنا السماء وأحكمنا خلقها بقوة وقدرة. وقال ابن عباس: بأيد: يعني بقوة. ويقولون في {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} أي لموسعون في خلق الملائكة [آراء بعض المفسرين التي أوردها صاحب صفوة التفاسير المجلد الثاني صفحة ٥٦٤ - ٥٦٦] وتلك تفسيرات غريبة "أغرب منها ما قاله قتادة من زيادة الخلق الملاحة في العينين والحسن في الأنف والحلاوة في الفم". [آراء بعض المفسرين التي أوردها صاحب صفوة التفاسير المجلد الثاني صفحة ٥٦٤ - ٥٦٦].

وفى حقيقة اتساع الخلق والزيادة فيه، يستفتح المولى سبحانه وتعالى سورة فاطر بقوله عز وجل: {ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} [فاطر: ١] إن دليل الحسم على ما تعبر عنه الآية هنا هو ذلك الشطر من الآية بقوله تعالى: {يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ}؛ ومعنى الخلق هنا هو عملية الخلق.

والأمر العجيب: إن عددًا من المفسرين لم يوفق إلى مدلول الآية ومن ثم كان الخطأ الذي وقعوا فيه، فابن الجوزي على سبيل المثال يرى أن زيادة الخلق مقصود به الملائكة، والفهم نفسه يقول به القرطبي الذي يفسر {يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ} أي يزيد في خلق الملائكة كيف يشاء. وغير ذلك كثير من سوء الفهم الذي أدى إلى خطأ التفسير، وإن الذي يقرأ الآية بعمق وإمعان حتى من المحدثين - وإن كان بعض مشهوري المفسرين المحدثين وقعوا في الخطأ نفسه - ينتهي إلى الفهم الذي هو أقرب إلى الصواب، ومرة أخرى نعرض لنص الآية وهي قوله تعالى: {ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ} فقصر المفسرون الزيادة في الخلق على الملائكة دون السماوات والأرض اللذين تتلاءم زيادة الخلق فيهما أكثر من ملاءمته لزيادة الملائكة؛ ومن ثم تكون جملة {يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ} الأقرب إلى الصواب الذي يعني اتساع الكون منه إلى قصر زيادة الخلق على الملائكة، والسماوات بالذات هي ما نراه أرجح قصدًا لانسجامها مع بنية الآية، ولقول الله عز وجل في سورة النازعات: {ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا * رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا * وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا * وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ * أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا} [النازعات: ٢٧-٣١] والحق أن الحديث عن السنن الإلهية في خلق السماوات حديث طويل يحوي من نعم الله سبحانه ما لا يتسع له المقام في هذا البحث، الذي روعي فيه الإيجاز، لأسباب اقتضتها طبيعة الموضوع الكبير الذي يشكل بحثنا هذا جزءًا منه.

الخلاصة

سنن الخلق تكشف عن نظام كوني دقيق يدل على وحدانية الله وعظيم حكمته، وتبرز الآيات الكونية وجوه الإعجاز في تسخير الشمس والقمر وتتابع الليل والنهار، هذه السنن دعوة دائمة للعقل للتأمل، وللقلب للخشوع، وللإنسان للإيمان واليقين.

موضوعات ذات صلة

السنن الإلهية في خلق الأرض تجلٍّ لعظمة الخالق وقدرته المطلقة

إن فهم السنن الإلهية يُعدّ ركنًا أساسيًّا في إدراك كيفية تدبير الكون وشؤون الخلق

الخلق هو إيجاد الله تعالى للأشياء من العدم، وإبرازها إلى الوجود بإرادته وقدرته وعلمه وحكمته

موضوعات مختارة