Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإعجاز البياني للقرآن: (الباقلاني)

الكاتب

أ.د محمد رجب البيومي

الإعجاز البياني للقرآن: (الباقلاني)

كتاب (إعجاز القرآن) للباقلاني يُعد من أولى الدراسات المستقلة التي تناولت موضوع الإعجاز القرآني، حيث ركز فيه على جوانب البلاغة والفن اللغوي في القرآن الكريم، وقدم تحليلًا علميًّا عميقًا للرد على المخالفين والملاحدة الذين شككوا في إعجاز القرآن.

الباقلاني صاحب أول كتاب مستقل بالإعجاز

أول كتاب مستقل بالإعجاز وصل إلينا هو كتاب (إعجاز القرآن) للباقِلَّاني المتوفى سنة  ٤٠٣ هـ ، وهو عالم متكلم نظَّار، له مجالس مناظرة وجدل، تدل على موهبة قوية في الحوار، وكتابه عن الإعجاز يقدم صورًا من جدله العلمي، بدأه بذكر الملاحدة وما خاضوا فيه من جدل حول كتاب الله تعالى، اضطره للرد عليهم.

ونقد الجاحظ بأنه لم يأت بشيء جديد في كتابه (نظم القرآن)؛ حيث ردد أقوال المتكلمين من قبله، ثم أنحى باللوم على من قالوا: إن الإعجاز بالصرفة. فاهمًا من الصرفة ما فهمه الكثرة من العلماء دون ما أشرنا إليه من قبل، ويرجع بالإعجاز إلى أشياء منها إخباره بالغيب، وما وقع من قصص الأنبياء السابقين مما روته الكتب السابقة، مع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب.

وقد فاته أن بعض القصص النبوية لم تأت بها الكتب السابقة، مثل قصص صالح وهود ومائدة عيسى، فمن أين جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تكن من عند الله؟!

ثم ركّز على الركن الأكبر من الإعجاز وهو بلاغته الساطعة؛ إذ جاء القرآن ببديع النظم، متناهيًا في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عن الإتيان بمثله، وقد ذكر الدكتور شوقي ضيف: "أن الباقلاني متأثر بالجاحظ فيما ذهب إليه؛ من أن مرجع الإعجاز إلى نظم القرآن المخالف لأساليب العرب نثرًا وشعرًا، كما أنه متأثر بالرَّمَانِيّ فيما ذهب إليه من أن القرآن يرتفع إلى أعلى طبقات البلاغة" [البلاغة تطور وتاريخ  للدكتور شوقي ضيف ص ١٠٩ دار المعارف سنة ١٩٦٥م] .

 كما أن المؤلف تحدث عن اطّراد البلاغة في القرآن دون تفاوت ولا تباين؛ بخلاف كلام الفصحاء الذي يوجد فيه التفاوت والأحرف، وقد فرق بين الفاصلة والسجع بما كان موضع نقاش للدارسين من بعده، وألمَّ بفنون البديع من المطابقة والتكافؤ والجناس والاعتراض والتذييل.

وانتهى إلى أن الوقوف على الإعجاز لا يتأتى إلا لمن عرف وجوه البلاغة العربية، وتكونت لديه ملكة يقيس بها الجودة والرداءة في الكلام، فيستطيع أن يفرق بين الشعراء والأدباء فرقًا دقيقًا بما وهبه الله من هذه الملكة، وفي حديثه عن التفاوت يعرض قصائد لامرئ القيس والبحتري عرض مسهبًا ليظهر تفوق القرآن عليها.

ويُخيل إليَّ أنه لم ينته إلى الصواب في ذلك؛ لأن المقارنة لا تقوم على وجهها الأصيل إلا إذا اتحد الموضوع في غرضه، ولا يوجد اتحاد بين الكتاب المبين وما تعرض له الشعراء من الأغراض، ولست أنكر تفوق الأسلوب القرآني على هذه القصائد وغيرها، وإنما أنكر أن تكون هذه الموازنة دقيقة في اتجاهها النقدي.

 وأكبر ما اهتدى إليه الباقلاني هو نقده لمن قال: إن فنون البديع تدل على وجوه الإعجاز؛ إذ لا قيمة لهذه الفنون وحدها دون مَلَكَةٍ قويةٍ تكون هي الحكم في الترجيح.

التحليل الأدبي عند الباقلاني

وللباقلاني في كتابه الكبير مواقف ممتازة في التحليل الأدبي، ومواقف أخرى تعجله السرعة عن الإتيان بما يشفي حاجة القارئ، وسنمثل لكل من الاتجاهين.

فهو قد وفق حين مثل بقول الله عز وجل: {كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ} [سورة غافر: ٦،٥] ؛ حيث قال: "وجه الوقوف على شرف هذا الكلام أن تتأمل موقع قوله: {وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ}، فهل تقع في الحسن موقع قوله: (ليأخذوه) كلمة؟، وهل تقوم مقامه في الجزالة لفظة؟، لو وضع موضع ذلك: "ليقتلوه أو ليرجموه أو لينفوه أو ليطردوه أو ليهلكوه أو ليذلوه" ونحو هذا .. ما كان ذلك بديعًا ولا بارعًا... فإن كنت   تقدر أن شيئًا من هذه الكلمات التي عددناها عليك أو غيرها لا تقف بك على غرضنا من هذا الكتاب، فلا سبيل إلى الوقوف على تصاريف الخطاب، فافزع إلى التقليد، وإن فطنت فانظر إلى ما قال من رد عجز الخطاب إلى صدره بقوله: {فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: ٥] ، ثم ذكر عقبها العذاب في الآخرة، وأتلاها تلو العذاب في الدنيا على الأحكام الذي رأيت" [إعجاز القرآن للباقلاني ص ٢٢٤ تحقيق الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي ط (۱) صبيح].

 فالباقلاني هنا يُعلل ويُحلل، ويسلك مسلك أهل مذهبه الكلامي في الأخذ والرد، وكنا نود أن يسلك هذا المسلك في كل ما يمثل به من الآيات.

ولكن نشاطه يفتر حين يمتد به القول دون راحة ذهنية - كما أُعِلِّل ذلك - ، فلا تكاد تخرج منه بطائل، وأمثل لذلك بما استشهد به من قول الله: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الانعام ٩٦] حيث قال: "انظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألف بينها، واحتج بها على ظهور قدرته، ونفاذ أمره، أليست كل كلمة منها في نفسها غرة، وبمفردها درة ؟!، وهو مع ذلك يبين أنه يصدر عن علو الأمر، ونفاذ القهر، ويتجلى في بهجة القدرة، ويتحلى بخالصة العزة، ويجمع السلامة إلى الرصانة، والسلاقة إلى المتانة، والرونق الصافي، والبهاء الصافي".

فهذا القول وشبيهه مما تركته للاختصار يمكن أن يقال تعليقًا لآيات كثيرة تماثلها دون فارق، والمفسر المحلل لا يلجأ للعبارات العامة في نص يحلله، لقد كان عليه أن يبين موقع الحسن في كل كلمة تنفرد بنفسها بدل أن يطلق القول إطلاقًا، وإذا اتسع له الأمد لتفضيل كلمة: (ليأخذوه) في النص السابق، فلماذا لم يقف وقفاته البارعة عند كلمات: (فالق) أو (سكنًا) أو (حسبانًا)؟!.

وإنصافًا للرجل، أذكر إصابته الدقيقة في تحليل بعض السور القرآنية نسبيًّا تحليلًا متكاملًا؛ كما صنع بسورتي غافر والنمل، وأجزاء طويلة من سورة فصلت، إذ أخذ يعرض آيات السورة الواحدة متنقلًا بين معانيها، ومحاولًا الربط بين أجزائها.

وهو اتجاه شامل، يتعدى الكلمة في الآية، والآية في الآيات، إلى بناء السورة جميعها، حيث يتنهض عملًا أدبيًّا مستقلًّا في ذاته.

مقارنة الباقلاني بين الأسلوب النبوي والقرآن المعجز

 وقد كان الباقلاني موفقًا حين ذكر طائفة من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخطبه ورسائله، ليثبت الفارق الواضح بين قوله -صلي الله عليه وسلم-، وما جاء في كتاب الله من الإعجاز، وهو اتجاه سديد، لأنه يدحض حجة من نسبوا القرآن إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الملاحدة مرددين قول المشركين من قبل: إنه افتراه، ولو نشاء لقلنا مثل هذا.

فلو كان القرآن مفترى من الرسول -صلى الله عليه وسلم- لَتَشَابَهَ الحديث مع الكتاب في بيانهما الأدبي، كما أنهم حين قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا، لم يكونوا صادقين؛ إذ لو استطاعوا القول المماثل لقالوه، وقد جاء الباقلاني في ذلك بما يصلح أن يكون توجيهًا سديدًا لتأليف كتاب يبين خصائص الإعجاز القرآني والإبداع المحمدي.

وقد تحدث بعض الدارسين عن موقف الباقلاني من السجع القرآني، إذ نفاه نفيًا تامًّا؛ لأنه في رأيه قد يكون زيادة اللفظ دون حاجة إليه، وهذا ما يتنزه عنه القرآن، مع أن القائلين بالسجع في القرآن يذهبون إلى أنه السجع المُحكم الذي لا يكون به زيادة ما، فالجهة منفكة كما يقول المناطقة.

الخلاصة

الباقلاني في كتابه قدم تحليلًا بلاغيًا عميقًا للإعجاز القرآني، حيث أظهر تفرد القرآن في أسلوبه وبلاغته التي لا يمكن محاكاتها، كما ناقش الرد على المفاهيم الخاطئة مثل "الإعجاز بالصرفة"، ووضّح الفرق بين القرآن وأسلوب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورغم دقة بعض تحليلاته إلا أنه كان بحاجة لمزيد من التفصيل في بعض المواقف الأدبية.

موضوعات ذات صلة

لم يكن إعجاز القرآن الكريم في عجز البشر على الإتيان بمثله لما تحداهم الله بذلك بل تخطى حد الإعجاز

قدّم الزمخشري تفسيرًا بيانيًّا مميزًا للقرآن، متأثرًا بأسلوب عبد القاهر الجرجاني في الإعجاز اللغوي

يُعدّ الإعجاز البياني في القرآن الكريم من أبرز وجوه إعجازه؛ إذ بهر العرب بفصاحته وأسلوبه الفريد

موضوعات مختارة