قدّم الزمخشري تفسيرًا بيانيًّا مميزًا للقرآن، متأثرًا بأسلوب عبد القاهر الجرجاني في الإعجاز اللغوي، ورغم اهتمامه بالمنطق والفلسفة، إلا أن تفسيره كشف عن قدرته الكبيرة في تحليل المعاني البيانية الدقيقة.
قدّم الزمخشري تفسيرًا بيانيًّا مميزًا للقرآن، متأثرًا بأسلوب عبد القاهر الجرجاني في الإعجاز اللغوي، ورغم اهتمامه بالمنطق والفلسفة، إلا أن تفسيره كشف عن قدرته الكبيرة في تحليل المعاني البيانية الدقيقة.
إذا كان عبد القاهر قد اختار من آيات الكتاب المبين ما يكشف عن منحاه البياني، ويخدم قضية الإعجاز التي سمّى كتابه بها، فإن الزمخشري قد فسر القرآن كله آيةً آيةً ليسير في ضوء عبد القاهر وإن لم يعترف بذلك، فلم يذكر اسمه صريحًا بين أسماء من حشرهم في مقدمة الكتاب، وقد اكتفي بإشارة بعيدة إلى بيت شعر قاله، والعجب أن يشير إليه شاعرًا دون أن يشير إليه فاتحًا أهم ميادين البيان! وهذ يتطلب التعليل.
نعرف أن الزمخشري كان معتزليًّا، وقد بذل جهده في تعضيد مذهبه، حين تعرض لتفسير الآيات المتصلة بعلم الكلام، وقد مثلتُ لذلك فيما كتبته عنه في كتابي: (خطوات التفسير البياني)، وأرى من ضيق المقام أن أتجاوز ذلك إلى نقول تدل على حسن ذوقه، وقوة استشفافه البياني؛ مع ما تدل عليه من منهجه الأسلوبي؛ إذ جعل التقرير البياني في هيئة سؤال وجواب كأن يقول: فإن قلتَ: ... قلتُ: ... ، وهي طريقة لا ينفسح معها مجال الإشباع الأدبي، كما اتسع أمام عبد القاهر.
ومما نختاره من دلائل نفاذه في التفسير البياني، ما ذكره في تأويل قول الله عز وجل: {َإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا} [سورة الإسراء: ١٦] حيث قال:" الأمر مجاز؛ لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون، فيبقى أن يكون مجازًا، ووجه المجاز: أنه صب عليهم النعمة صبًّا، فجعلوها ذريعة للمعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إبلاء النعمة فيه، وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير، ويتمكنوا من الإحسان والبر، كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشر، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية؛ فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول، وهو كلمة العذاب فدمرهم" [تفسير الكشاف - الطبعة الأولى، طبعة مصطفى محمد سنة ١٣٥٤هـ، في سورة الإسراء].
ثم يكر الزمخشري على رأي ذائع فينقضه بقوله: "هلا زعمت أن معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا" قلت: إن حذف ما لا دليل عليه غير جائز، فكيف بحذف ما الدليل قائم على نقيضه، وذلك أن المأمور به إنما حذف لأن "فسقوا" يدل عليه، وهو كلام مستفيض، يقال: أمرته فقام وأمرته فقرأ، فلا يفهم منه إلا أن المراد به قيام وقراءة، ولو ذهبت تقدر غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب" [الكشاف الموضع السابق].
ثم يفيض المفسر الكبير فيما يؤيد رأيه ذاكرًا من الأمثلة ما يدل على مهارة واقتدار، وإن كان طابع المنطق يطغى على عبارته، ولو تجاوز هذا الطابع الجدلي الصارم لكان كلامه نمطًا من التفسير البياني، يقارب نمط الشريف وعبد القاهر، فيخرج من هذه الحدود إلى فضاء فسيح.
وإذا كان الزمخشري لم ينس نصيب النحو فيما تصدى له من تفسير آيات الكتاب المبين؛ فإن نصيب البيان قد تجلي بوضوح سافر في أكثر ما كتب؛ مما يكشف بعض الدقائق الخافية في أسرار التأويل، وأمثل لذلك بما ذكره في تفسير قول الله عز وجل: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ}[ سورة الزمر : ٢٣].
قال: اقشعر الجلد إذ تقبض تقبضًا شديدًا، وتركيبه من حروف القشع، وهو الأديم اليابس مضمومًا إليه حرف رابع وهو الراء ليكون رباعيًّا ودالًّا على معنى زائد؛ يقال: اقشعر جلده من الخوف، وقَفَّ شَعْرُه، وهو مثل في شدة التخويف، فيجوز أن يريد به الله تعالى التمثيل تصويرًا لإفراط خشيتهم، وأن يريد به التحقيق" [تفسير الكشاف- الزمر]، ولم أجد من خص كلمة قشع بهد التحليل قبل الزمخشري، وهو مما يدل على شدة إحساسه بمعاني الحروف قبل إحساسه بمعاني الكلمات.
ونظير ذلك ما ذكره من الفرق بين مرضع ومرضعة، عند تفسيره لقول الله عز وجل: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} [سورة الحج: ٢]، حيث قال: "فإن قلت: لم قيل مرضعة دون مرضع، قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه، وقد ألقمت الرضيع ثديه نزعته عن فيه؛ لما يلحقها من الدهشة" [تفسير الكشاف سورة الحج].
ومن دقائق ما التفت إليه الزمخشري ما ذكره عند تفسير قول الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [سورة الحشر: ٢]، حيث قال: "فإن قلت: أي فرق بين (وظنوا أن حصونهم تمنعهم) وبين النظم الذي جاء عليه؟ قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها، ومنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسمًا، وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يُبالى معها بأحد يتعرض إليهم، أو يطمع في منازلتهم، وليس ذلك في قوله:(وظنوا أن حصونهم تمنعهم).
هذه لفتات أدبية رائعة تصور إحساس الزمخشري بالإعجاز الإلهامي في كل منحى من مناحيه، كلمة أو جملة أو تقديمًا أو تأخيرًا، وقد ظهرت مؤلفات خاصة بتفسير الكشاف وضحت هذه المعاني بما لا مزيد عنه، ولو امتد هذ الإحساس الأدبي لدى الذين نقلوا عنه من المفسرين، لواصلوا السير على نمطه، ولكن كُلٌّ ميسرٌ لما خلق له، وحسبه أنه أعطى فأجزل العطاء.
تَرَاجُع: كان انتهاء القرن الخامس الهجري مؤذنًا بتراجع ملموس في النشاط الابتكاري بالدراسات العلمية والإبداع الأدبي معًا، وقد شمل ذلك دراسات الإعجاز الإلهامي حيث لم تعد مدًّا متواصلًا يحفل بالجديد؛ بل وقفت إلى ما انتهى إليه السابقون، وزادت عليه أن غمرتها الخصائص المنطقية.
وكان الفخر الرازي أول من انتقل بها من مجالها البياني إلى تقسيمات المناطقة، حين ألف كتابه: (نهاية الإعجاز في دراية الإيجاز)، فاستعان بالمنطق في تشعيب المسائل وتفريعها، والإحاطة بالأصول والفروع، غير ملتفت إلى جمال النص وروعة الأسلوب، بل أصبحت القواعد الجافة مجال تأملاته، وموضع اهتمامه، وكأنه يكتب عن فلسفة ومنطق ونحو وصرف، لا عن بيان وذوق وفن.
وهذا أيضًا نهجه في التفسير الشهير الذي حاز الصيت البعيد، إذ حفل بثمار الثقافة الإسلامية في عصره؛ منطقًا وأصولًا وفلسفةً وتوحيدًا وجدلًا؛ لتكون هذه الثمار أدوات لتوجيه الاعتراض ودفعه، فتحول التفسير إلى دائرة معارف علمية.
ثم جاء البيضاوي فاقتبس منه طريقته، مع إيجاز بالغ، دعا كثيرًا من المؤلفين إلى كتابة الحواشي على تفسيره؛ ليذكروا أكثر ما قرره الرازي!
وهكذا لم يجد الإعجاز من أصحاب الذوق البياني في هذ الخضم المتسع من يأخذ بناصره؛ لأن السكاكي قد تصدر للتأليف في علوم اللسان، ومنها علم البلاغة، فقعد القواعد، واهتم بالفروع، وقد قرأ كتاب عبد القاهر وانتفع به، ولكنه لم يمض في منحاه الأسلوبي، بل جعل ما بسطه الجرجاني مقننًا في تعريفات وأقسام، جنت على النص الأدبي.
وقد ظهر في هذا العصر من استطاع أن يتجافى طريقة الرازي في الشرح البياني، وهو ابن أبي الإصبع ت٦٥٤هجرية، حيث قصر كتابه الكبير: (بديع القرآن) على ما استحسنه من مظاهر الألوان البلاغية، من استعارة وتشبيه ومجاز، وطباق وتجنيس، وتورية وكناية وتعريض، واختراع أسماء أخرى لم تكن من قبل؛ حتى عد من ألوان البديع مائة وتسعة، كان من الممكن أن تتداخل فلا تتسع إلى هذا الأمد، وقد كان ابن أبي الإصبع أديبًا شاعرًا، ولكنه نشأ في عصر التقليد فلم ينج من أوهاقه، وكانت ضروب البديع مهوى الشعراء والباحثين في النقد الأدبي، فاختصها باحتفاله، وجعل من آيات الذكر الحكيم مجالًا لتطبيقها على هذا النحو الفسيح، حتى عد هذه المحسنات، مع ما يتصل بها من فنون المجاز والكناية والتشبيه والاستعارة من دلائل الإعجاز الإلهامي، ومن أبرز سماته.
ومن المدهش أنه ذكر في مقدمة كتابه : إعجاز القرآن للباقلاني، ودلائل الإعجاز لعبد القاهر، وتفسير الكشاف، وغيرها من الكتب التي خالفت نهجه في التأليف، ونقل منها في أكثر من موضع، واستراح إلى مضمونها، ولم يمنعه ذلك من الإغراق في التماس البديعيات والمحسنات التماسًا مفرطًا قد يدعو إلى الملال، وكان الأحرى به وقد درس كتب السابقين من هؤلاء الأفذاذ ألا يتنكب طريقهم المتزن، في تناول ألوان البيان، على أنه قليلًا ما كان يسمح لخاطره بالتعبير المتسع في تحليل بعض الآيات، فيأتي بما كنا نود أن يستمر عليه في التأليف، ومن ذلك ما كتبه عن قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [سورة الحج: ٧٣] حيث قال - بتصرف قليل:
"فانظر إلى غرابة هذا التمثيل الذي تضمن الإفراط في المبالغة، مع كونها جارية على الحق، خارجة مخرج الصدق، وذلك حين اقتصر -سبحانه- على ذكر أضعف المخلوقات، وأقلها سلبًا لما تسلبه، وتعجيز كل من دونه -سبحانه- كائنًا من كان عن خلق مثله مع التضافر والاجتماع، ثم نزل في التمثيل عن رتبة الخلق إلى استنقاذ النزر التَّفه الذي يسلبه هذا الخلق الضعيف على ضعفه، فتنقل في النزول في التمثيل على ما تقتضيه البلاغة على هذا الترتيب في البيان، فنزل بهم إلى استنقاذ ما يسلبه هذا المخلوق الضعيف، ليريهم عجزهم فتستيقنه نفوسهم وإن لم تقر به ألسنتهم، فجاء بما يقضى الظاهر أنه أيسر الخلق وهو في الحقيقة مثله في العسر، ولم يسمع مثل هذا التمثيل في بابه لأحد قبل نزول القرآن العزيز". [بديع القرآن لابن أبي الأصبع، ص ٣٤٠، الطبعة الأولى - بتحقيق الدكتور حفني شرف]، فهذا التحليل رصين في موضوعه، قلق في صياغته؛ إذا قورنت بصياغة الشريف الرضي، وعبد القاهر، ولكنه يسير في طريقهما فحسب، وليته واصل المسير.
ولا ننكر ما امتلأت به كتب المتأخرين مثل: الزركشي، والسيوطي، والبقاعي من أحاديث متناثرة عن الإعجاز الإلهامي؛ بل إن السيوطي ألف كتابًا مستقلًا عن الإعجاز، ولكنه ترديد لما يقال، ونسج على منوال مشتهر، ولم يضف جديدًا.
حتى ليجوز لنا أن نقول: إن العصر المملوكي، والعصر العثماني لم يأت من علمائهما من حاول اللحاق بالسابقين؛ طرافة ومنهجًا واستشفافًا، حتى جاء العصر الحديث، فنفح القراء بما يروق ويفيد، وما كتبه الأندلسيون في تفسير الكتاب، مثل ابن عطية، وابن العربي، جيد في بابه، ولكنه لا يضيف الجديد.
يُبرز الزمخشري مهارة متميزة في تحليل الآيات القرآنية واستخراج المعاني العميقة منها، معتمدًا على منهج تحليلي وبياني متقن في تفسيره المعروف بـ "الكشاف"، ويتميز تفسيره بالتِركيز على الجوانب البلاغية والبيانية، حيث يقدم شروحًا دقيقة للآيات، ويُظهر قدرة استثنائية على استنباط الدلالات اللغوية والفنية بأسلوب يعكس عمق فهمه وإبداعه، ورغم تراجع الابتكار في بعض الفترات فإن جهود الزمخشري تظل مرجعًا مهمًّا لفهم الإعجاز القرآني.
لم يكن إعجاز القرآن الكريم في عجز البشر على الإتيان بمثله لما تحداهم الله بذلك بل تخطى حد الإعجاز
يُعدّ الإعجاز البياني في القرآن الكريم من أبرز وجوه إعجازه؛ إذ بهر العرب بفصاحته وأسلوبه الفريد
كتاب (إعجاز القرآن) للباقلاني يُعد من أولى الدراسات المستقلة التي تناولت موضوع الإعجاز القرآني،