Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإعجاز البياني للقرآن الكريم: (الرُّمَّانِيّ)

الكاتب

أ.د. محمد رجب البيومي

الإعجاز البياني للقرآن الكريم: (الرُّمَّانِيّ)

ظهرت في العصر العباسي حركة فكرية تهتم بدراسة إعجاز القرآن الكريم، حيث تصدّى العلماء لمواجهة الآراء المخالفة التي ظهرت بسبب الحرية الفكرية، ومن أبرز هؤلاء العلماء الجاحظ والرُّمَّانِيّ الذين ساهموا بتطوير مفهوم الإعجاز البلاغي في القرآن.

الحرية الفكرية في العصر العباسي

دعت الحرية الفكرية في العصر العباسي نفرًا من الناس أن يقولوا في كتاب الله ما يشاؤون، ووجد الملاحدة منهم في كتاب الله ما يشفون به صدورهم من الإرجاف الكاذب فهب المخلصون من حماة الإسلام يدافعون عن إعجازه بما يملكون من إقناع، فكتب الجاحظ عن نظم القرآن ما جعله موضوعًا لقضية الإعجاز، واقتفاه أبو بكر داود السجستاني ت ٣١٦ هـ، وأبو زيد البلخي ت ٣٢٢هـ، وأبو بكر بن الإخشيد ت ٣٢٦هـ فتحدثوا عن الإعجاز في كتب تحمل عنوان (نظم القرآن) ثم جاء محمد بن يزيد الواسطي فتحدث عن إعجاز القرآن في كتاب جمله بعنوان (الإعجاز)، فكان أول من خالف عنوان النظم إلى عنوان الإعجاز ولاقى عنوانه قبولًا لدى الدارسين، فكان موضع اختيار من كتبوا في الإعجاز من بعده وفي طليعتهم الرُّمَّانِيّ ٣٨٦هـ والخطَّابي ٣٨٨هـ والباقلاني ٤٠٣هـ، وغيرهم كثير، وإذا كان ما كتبه السابقون من قبل هؤلاء الثلاثة قد فقد ولم تظهر مخطوطاتهم بعد، فإننا سنخصهم بالحديث.

الرُّمَّانِيّ ودوره في تطور دراسات إعجاز القرآن

كان الخَطَّابي والرُّمَّانِيّ متعاصرين كما يعلم من تاريخ وفاتهما، ولا تعلم أيهما سبق صاحبه في الحديث عن إعجاز القرآن ولكن قراءة الكتابين تدل على أن أحدهما لم يحبذ الآخر، بل لم يقرأ ما كتب، فإن التأثر مفقود تمامًا، لاختلاف المنحى، وإذا كان الرُّمَّانِيّ قد سبق صاحبه إلى لقاء ربه بعامين أو بأربعة على اختلاف الروايات فسأبدأ به.

لقد عَمّر علي بن عيسى الرُّمَّانِيّ دهرًا طويلًا قطعه في الدراسات العميقة حتى صار علمًا من أعلام النحو في عصره، وقورن بأبي علي الفارسي، وكاد يرجحه عند قوم، وتأليفه في النحو على وجه التفريع والتقسيم والإكثار من المصطلحات كان واضحًا في حديثه عن الإعجاز، إذ بدأ بتقسيم البلاغة إلى طبقات ثلاث، ثم ثنى بتقسيم مسائلها إلى عشرة اقسام هي الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والتواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان، وأوضح كل قسم بما توسع فيه من الاستشهاد المتعدد، ويطول بنا القول لو تتبعناه في كل ما كتب، ولكننا نشير إلى ما ينبئ عن اتجاهه فحسب فقد بدأ بالحديث عن الإيجاز فقسمه إلى إيجاز حذف وإيجاز قصر، فتابعه البلاغيون على اصطلاحه، واستشهد بمثل قول الله عز وجل: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ} [سورة الزمر : ۷۲] فقال:

"كأنه قيل حصلوا على النعيم المقيم الذي لا يشوبه التنغيص، وإنما صار الحذف في مثل هذا - يريد حذف جواب الشرط - لأن النفس تذهب فيه كل مذهب ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان فحذف الجواب في قولك "لو رأيت عليًا بين الصفين"، أبلغ من الذكر لما بيناه. [ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص ۷۰ طا دار المعارف بتحقيق الأستاذين محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلام]

ثم تعرّض للموازنة بين قول الله تعالى: {وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ} [ سورة البقرة : ۱۷۹] وقول من قال: (القتل أنفى للقتل) فأفاض على غير عادته ليردّ على من لغا لغوًا سفيهًا في هذا المجال؛ فكان أول من كتب في هذه الموازنة، وقد تبعه من جاء بعده وهم كثيرون، حتى جاء الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في هذا العصر فلم يدع مجالًا لقائل، أما ما كتبه في الاستعارة فقد كان أوضح نسبيًا مما كتبه عن الإيجاز إذ تخلى عن الكزازة الضيقة في التعبير هناك، وتمثل لذلك بما ذكره عن قول الله عز وجل: {إِذَآ أُلۡقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقٗا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ } [سورة الملك ٨،٧] حيث قال: شهيقًا، حقيقته صوتًا فظيعًا كشهيق الباكي، والاستعارة أبلغ و أوجز، والمعنى الجامع بينهما قبح الصوت" تميز من الغيظ" حقيقته من شدة الغليان بالاتقاد،

والاستعارة أبلغ منه وأوجز؛ لأن مقدار شدة الغيظ على النفس محسوس مدرك بما يدعو إليه من شدة الانتقام في الفعل، وفي ذلك أعظم الزجر وأبلغ الوعظ وأول دليل على سعة القدرة وموقع الحكمة ومنه: {إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا} [سورة الفرقان: ۱۲]

 أي: تستقبلهم للإيقاع بهم استقبال مغتاظ يزفر غيظًا عليهم، وكذلك قال الرُّمَّانِيّ عن قوله تعالى: {فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا} [سورة الكهف : ۱۱] حقيقته منعناهم الإحساس بأذانهم، والاستعارة أبلغ لأنه كالضرب على الكتاب فلا يقرأ، كذلك المنع من الإحساس فلا يُحس، وإنما دل على عدم الإحساس بالضرب على الأذان دون الضرب على الأبصار لأنه أدل على المراد من حيث كان يضرب على الأبصار من غير عمى فلا يبطل الإدراك أصلًا وذلك بتغميض الأجفان، وليس كذلك منع الأسماع من غير صمم في الآذان، لأنه إذا ضرب عليهما من غير صممٍ دل على عدم الإحساس من كل جارحةٍ يصح بها الإدراك، ولأن الأذن لما كانت طريقًا إلى الانتباه ثم ضربوا عليها، لم يكن سبيل إليه. [ثلاث رسائل في الإعجاز ص ۸۰]

وكذلك ما أتبع به قول الله عز وجل: {بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ} [سورة الأنبياء ١٨] حيث قال: القذف والدمع هنا مستعار، وهو أبلغ، وحقيقته، بل نورد الحق على الباطل فيذهبه، وإنما كانت الاستعارة أبلغ لأن في القذف دليلًا على القهر؛ لأنك إذا قلت: قذف به إليه، فإنما معناه، القاه إليه على جهة الإكراه والقهر، فالحق يلقى على الباطل فيزيله على جهة القهر والاضطرار، لا على جهة الشك والارتياب، ويدمغه أبلغ من يذهبه، لما في يدمغه من التأثير فهو أظهر في الكناية، وأعلى في تأثير القوة [ثلاث رسائل في الإعجاز ص ۸۲].

كم يحتاج مثل هذا البيان الدقيق إلى تحليل ساطع كتحليل الإمام عبد القاهر ليفيض من ضيائه ما قبضه التركيز المكتنز، ولئن فات الرُّمَّانِيّ أن يفيض بما يشرق من النور فقد أتاح لخلفائه أن يستريحوا لقوله في مكان مطمئن لا يرهقه عسر، إذ اعتمد أبو هلال وابن سنان وعبد القاهر وابن الأثير وابن رشيق على الكثير من خطراته الدقيقة وأوسعوها تحليلًا وتفصيلًا، كل حسب منحاه وبذلك صار الرُّمَّانِيّ علمًا من أعلام البيان وإن لم يؤلف في هذا العلم رأسًا بل جاء حديثه فيه خاصًا بكتاب الله.

وقد طُبع كتاب الرُّمَّانِيّ في النحو وفيه إشارات مقتضبة عن الإعجاز حين يستشهد بآيةٍ كريمةٍ، فإذا أضيفت هذه الإشارات إلى ما كتبه في رسالته الخاصة بالإعجاز فإنها تُفْصِحُ عن نظرٍ دقيق.

الخلاصة

شهد العصر العباسي حركة فكرية نشطة تركزت حول الدفاع عن إعجاز القرآن الكريم، حيث قام عدد من العلماء مثل الجاحظ والرُّمَّانِيّ بتطوير دراسات معمقة في هذا المجال، قام الرُّمَّانِيّ، الذي جمع بين علوم النحو والبلاغة، بتقسيم البلاغة إلى طبقات عدة وقدم أمثلة توضح إعجاز القرآن في استخدام الأساليب البلاغية كالإيجاز والاستعارة.

موضوعات ذات صلة

لم يكن إعجاز القرآن الكريم في عجز البشر على الإتيان بمثله لما تحداهم الله بذلك بل تخطى حد الإعجاز

قدّم الزمخشري تفسيرًا بيانيًّا مميزًا للقرآن، متأثرًا بأسلوب عبد القاهر الجرجاني في الإعجاز اللغوي

يُعدّ الإعجاز البياني في القرآن الكريم من أبرز وجوه إعجازه؛ إذ بهر العرب بفصاحته وأسلوبه الفريد

موضوعات مختارة