إن للقرآن الكريم جرسًا صوتيًّا خاصًّا يأسر كل من يسمعه؛ لما له من خصائص لا توجد في غيره على الإطلاق، هذا الجرس القرآني له تأثيره في النفوس والأسماع.
إن للقرآن الكريم جرسًا صوتيًّا خاصًّا يأسر كل من يسمعه؛ لما له من خصائص لا توجد في غيره على الإطلاق، هذا الجرس القرآني له تأثيره في النفوس والأسماع.
إن طريقة النظم التي اتسقت بها ألفاظ القرآن، وتألَّفت لها حروف الألفاظ، إنما هي طريقة يُتوخى بها إلى أنواع من المنطق، وصفات من اللهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب، ولكنها ظهرت فيه أول شيء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلت المسامع لا تنبو عن شيء من القرآن، ولا تلوي من دونه حجاب القلب، حتى لم يكن لمن يسمعه بُدٌّ من الاسترسال إليه والتوفر على الإصغاء، لا يستمهلهم أمر من دونه وإن كان أمر العادة، ولا يستنسئه الشيطان وإن كانت طاعته عندهم عبادة، فإنه إنما يسمع ضربًا خالصًا من الموسيقى اللغوية في انسجامه واطِّراز نسقه واتزانه على أجزاء النفس مَقْطَعًا مَقْطَعًا ونبرة نبرة كأنها توقعه توقيعًا لا تتلوه تلاوة. [إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص١٨١، لمصطفى صادق الرافعي، طبعة مكتبة الإيمان للنشر والتوزيع بالمنصورة، الأولى، ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م].
ويُوضح هذا المعنى الدكتور محمد عبد الله دراز فيقول: دع القارئ المجوِّد يقرأ القرآن، يرتله حق ترتيله، نازلًا بنفسه على هوى القرآن، وليس نازلًا بالقرآن على هوى نفسه ثم انتبذ منه مكانًا قصيًّا لا تسمع فيه جَرْسَ حروفه، ولكن تسمع حركاتها وسكناتها، ومداتها وغناتها، واتصالاتها وسكتاتها ثم ألقِ سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية وقد جردت تجريدًا، وأرسلت ساذجة في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب لا تجده في كلام آخر لو جُرد هذا التجريد، وجُوِّد هذا التجويد.
ستجد اتساقًا وائتلافًا يسترعي مِن سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر على أنه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر، وستجد شيئًا آخر لا تجده في الموسيقى ولا في الشعر، ذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتحد الأوزان فيها بيتًا بيتًا، وشطرًا شطرًا، وتسمع القطعة من الموسيقى فإذا هي تتشابه أهواؤها، وتذهب مذهبًا متقاربًا، فلا يلبث سمعك أن يمُجُّها، وطبعك أن يملها، إذا أعيدت وكررت عليك بتوقيع واحد.
بينما أنت من القرآن أبدًا في لحن متنوع متجدد، تنتقل فيه بين أسباب وأوتاد، وفواصل على أوضاع مختلفة، يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم، بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.
هذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القرآن، حتى الذين لا يعرفون لغة العرب، فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟
ثم يقول – أيضًا: "فإذا ما اقتربت بأذنك قليلًا قليلًا، فطرقت سمعك جواهر حروفه خارجة من مخارجها الصحيحة، فاجأتك منه لذة أخرى في نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها: هذا ينقر، وذاك يصفر، وثالث يهمس، ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النَّفَس، وآخر يحتبس عنده النفس، وهلمَّ جرًّا.
فترى المجال اللغوي ماثلًا أمامك في مجموعة مختلفة مؤتلفة، لا كركرة ولا ثرثرة، ولا رخاوة ولا معاظلة، ولا تناكر ولا تنافر.
وهكذا ترى كلامًا ليس بالحضري الفاتر، ولا بالبدوي الخشن، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية وفخامتها، بِرِقَة الحاضرة وسلاستها، وقُدر فيه الأمران تقديرًا لا يبغي بعضهما على بعض، فإذا مزيج منهما كأنما هو عصارة اللغتين وسلاستهما أو كأنما هو نقطة الاتصال بين القبائل عندها تلتقي أذواقهم، وعليها تأتلف قلوبهم [النبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن، ص١٠١-١٠٢، بتصرف، طبعة دار المنار، الرابعة ١٣٩٧هـ - ١٩٧٧م].
يتميز القرآن الكريم بنظم فريد وموسيقى لغوية، فيما يسمى بالجرس القرآني، هذا الجرس لا يشبه أوزان الشعر ولا أنغام الموسيقى، بل هو لحن متفرد مؤثر يستجيب له القلب، يجذب المستمعين ويجعلهم يستمعون وينجذبون إليه دون ملل، يجمع بين جزالة البادية ورقة الحاضرة، فهذا الجمال التوقيعي يجعل القرآن يأسر القلوب، وتأثيره العميق في النفوس يظهر في استجابة الناس له، حتى من لا يعرفون لغة العرب.
الاحتباك هو شد الإزار وإحكام الشيء وتحسينه، وبلاغيًا: هو نوع من أنواع الإيجاز بالحذف
إيجاز القصر أسلوب بلاغي في القرآن الكريم يُظهر كثافة المعاني رغم قلة الألفاظ دون حذف ظاهر
لم يكن إعجاز القرآن الكريم في عجز البشر على الإتيان بمثله لما تحداهم الله بذلك بل تخطى حد الإعجاز