والتذييل كثير الورود في القرآن الكريم
في فواصل الآيات، التي هي معاقد المعاني فيها.
وكان البلاغيون قد قسموا التذييل
قسمين: أحدهما ما يجرى مجرى المثل، والثاني ما لا يجرى مجرى المثل، وكلاهما ورد في
القرآن الكريم.
فمن القسم الأول قوله تعالى: {وَقُلۡ جَآءَ
ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا}
[الإسراء: ٨١].
فالجملة الأخيرة {إِنَّ
ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا}
هي التذييل،
فيها تقرير وتوكيد لمعنى الكلام الذي قبلها، وهي جارية مجرى المثل. ومعنى جريانها
مجرى المثل، أنه يصح ذكرها في المقام الذي يستدعيها، دون افتقارها إلى الاعتماد
على ذكر ما قبلها.
ومنه قوله تعالى: {ذَٰلِكَ
جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ
إِلَّا ٱلۡكَفُورَ}[ سبأ: ١٧]. فجملة" {وَهَلۡ
نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ} تذييل مؤكد ومقرر للمعنى ما قبلها {ذَٰلِكَ
جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ}، وهو جارٍ مجرى المثل السائر، فيقال: {وَهَلۡ
نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ} دون أن يفتقر إلى ما قبله.
وقد يأتي التذييل في القرآن الكريم في
غير الفواصل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ
ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ
وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ
فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ
ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [التوبة: ۱۱۱]. في هذه الآية تذييلان: الأول: وقع في
درج الكلام لا في الفاصلة، وهو{وَمَنۡ أَوۡفَىٰ
بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ}. والثاني: وقع في الفاصلة {وَذَٰلِكَ
هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ }.
وفي كلا التذييلين تقرير للمعنى ما تقدم عليه، وتوكيد له.
ومن التذييل في القرآن الكريم قوله
تعالى: {وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن
قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ *
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ
فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ}. [الأنبياء: ٣٤ ، ٣٥] لأن في الآية الأولى {وَمَا
جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَ} حكمًا عامًا شاملًا لزوال كل البشر،
فجاءت الآية الثانية: {كُلُّ نَفۡسٖ
ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ} مؤكدة لذلك المعنى، ومقررة له، وهي ليست فاصلة؛ بل هي آية قائمة
بذاتها. فمجيء التذييل في الفواصل أغلب لا مطرد، وهو تذييل جارٍ مجرى المثل، لصحة
ترديده دون الافتقار إلى ما قبله.
ومن التذييل غير الجاري مجرى المثل
قوله تعالى: {وَلُوطًا
ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت
تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ} [الأنبياء:٧٤]. فقوله: {إِنَّهُمۡ
كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ} تذييل غير جارٍ مجرى المثل، مؤكد
لمعنى{ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ
ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ}
ومقرر له، وهو كثير في فواصل الآيات.