وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الذي قرره جمهور علماء الأمة أن محل النهي في أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد: هو اتخاذ القبر نفسه، وجعله مكانًا للسجود؛ تعظيمًا وعبادةً لصاحب القبر، أو جعل القبر قبلة دون القبلة المشروعة، كما يفعل أهل الكتاب؛ حيث يتوجهون بالصلاة إلى قبور أحبارهم ورهبانهم.
وقرروا أيضًا أن بناء المسجد على القبر غير اتخاذه مسجدًا، وغير دفن الميت في مسجد مبني، أما اتصال المسجد بضريح نبي أو صالح، فخارج عن هذا النزاع، وغيرُ داخل في هذا النهي أصلًا.
وإليك نصوصَ شراحِ الصحيحين وكتب السنة، الدالة على ذلك:
١- قال الإمام البخاري: باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، وأورد تحته حديث عائشة - رضي الله عنها- : «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». قَالَتْ: "وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرَزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أَنَّي أَخْشى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا".
فانظر بداية كيف أن البخاري نفسه الذي أخرج الحديث في صحيحه فهم أن اتخاذ المسجد على القبر (مكروه).
٢ - وقال شيخ الإسلام الإمام النووي (ت ٦٧٦هـ)، في (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) (٥/١٣): " قال العلماء: إنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا؛ خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة - رضي الله عنها - مدفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله؛ لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحدٌ من استقبال القبر، ولهذا قال في الحديث: "وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا"، والله تعالى أعلم بالصواب.
وهذا نص واضح في أن معنى اتخاذ القبر مسجدًا هو السجود له.
٣- وقال الإمام التُّورِبِشْتي (ت ٦٦١ هـ)، في (الميسر في شرح مصابيح السنة) (١/٢٠٤): "معنى إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - على اليهود والنصارى صنيعهم هذا مخرج على وجهين:
أحدهما: أنهم كانوا يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيمًا لهم.
والثاني: أنهم كانوا يتحرون الصلاة في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة؛ نظرًا منهم بأن ذلك الصنيع أعظم موقعًا عند الله؛ لاشتماله على الأمرين: عبادة الله سبحانه، والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذهابًا إلى أن تلك البقاع أحق البقاع بإقامة الصلاة، والتوسل بالعبادة فيها إلى الله؛ لاختصاصها بقبور الأنبياء.
وكلا الطريقين غير مرضية؛ أما الأولى: فلأنها من الشرك الجلي.
وأما الثانية: فلأنها متضمنة معنى الإشراك في عبادة الله؛ حيث أتى بها على صيغة الاشتراك والتبعية للمخلوق.
والدليل على تقرير الوجهين قوله - صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ؛ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، والوجه الأول أشبه به".
٤ـ وقال الإمام البيضاوي (ت٦٨٥هـ) في (تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة) (١/٢٥٧): "لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيمًا لشأنهم ويجعلونها قبلة, ويتوجهون في الصلاة نحوها, فاتخذوها أوثانًا .. لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك، ونهاهم عنه, أما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح, أو صلى في مقبرته, وقصد به الاستظهار بروحه, أو وصول أثر من آثار عبادته إليه, لا التعظيم له والتوجه نحوه فلا حرج عليه, ألا ترى أن مرقد إسماعيل - عليه السلام - في المسجد الحرام عند الحطيم, ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلي لصلاته؟!".
٥- وقال الإمام الكرماني (ت ٧٨٦ هـ) في (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) (٤/٨٧): "فإن قلتَ: ما وجه تعليله بهذا الحديث؟ قلت: حيث خصص اللعنة باتخاذ قبور الأنبياء مساجد عُلم جوازُ اتخاذ قبور غير الأنبياء ومن في حكمهم كالصالحين من أممهم".
٦- وقال الإمام الأُبَّي (ت ٨٢٧ هـ) في كتابه (إكمال إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم) (٢ / ٢٣٤): "قال بعض الشافعية: كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء، ويجعلونها قبلة يتوجهون إليها في السجود، فاتخذوها أوثانًا، فمنع المسلمون منه بالنهي عنه، فأما من اتخذ مسجدًا قرب رجل صالح أو صلى في مقبرته؛ قصدًا للتبرك بآثاره، وإجابة دعائه هناك، فلا حرج في ذلك، واحتج لذلك بأن قبر إسماعيل - عليه السلام - في المسجد الحرام عند الحطيم، ثم إن ذلك الموضع أفضلُ مكان للصلاة فيه".
وهذا واضح أنه يعني الإمام البيضاوي رحمه الله تعالى.
٧- ونقل شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في (فتح الباري) (١ / ٥٢٥) كلام الإمام البيضاوي السابق واعتمده.
٨- ونقل أيضًا الإمام البدر العيني (ت ٨٥٥ هـ) في كتابه (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) (٤ / ١٧٤): كلام البيضاوي السابق، واعتمده.
٩- وقال الإمام الكوراني (ت ٨٩٣ هـ)، في (الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري) (٣/٣٩٣): "قال في مرضه الذي لم يقم منه :" لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ"، فإن قلت: قد أبرز أعظم ما يكون؟ قلتُ: ليس إبرازه على وجه يمكن أن يكون مسجدًا؛ بل بني على وجه لا يصلي إليه أحد".
وقال (٦/٣٢٥): "وقد أشرنا في أبواب الجنائز أن مشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وإن كان في المسجد، إلا أنه أفرد بالبناء؛ بحيث انفصل، ولم يدخله أحدٌ للعبادة".
١٠- ونقل الإمامُ السنوسي (ت ٨٩٥ هـ)، في كتابه (مكمل إكمال الإكمال) (٢٣٥/٢): كلامَ الإمامِ الأُبَّي السابقِ، واعتمده شارحًا به الحديث.
١١- وقال الإمام القسطلاني (ت ٩٢٣هـ) في كتابه (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري) (١ / ٤٣٠): "لأن اتخاذها مساجدَ أخصُّ من مجرد الصلاة فيها، والنهي عن الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم"، ونقل أيضًا (٦ / ٤٦٧): كلامَ البيضاوي السابق، وأقرّه.
١٢- وقال الإمام المُلّا علي القاري (ت ١٠١٤هـ) في كتابه (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) (٢/٦٠١): "أما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، أو صلى في مقبرة وقصد الاستظهار بروحه، أو وصول أثر ما من أثر عبادته إليه، لا للتعظيم له والتوجه نحوه، فلا حرج عليه، ألا ترى أن مرقد إسماعيل - عليه السلام - في المسجد الحرام عند الحطيم، ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلي لصلاته".
وقال (٢/٦١٩): «وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ» ... وقيد (عليها) يفيد أن اتخاذ المساجد بجنبها لا بأس به".
١٣- ونقل الإمام المحدث عبد الرؤوف المناوي (ت ١٠٣١هـ) في كتابه (فيض القدير شرح الجامع الصغير) (٥/٢١٥): كلامَ البيضاوي السابق، واعتمده شرحًا للحديث.
١٤- ونقله أيضًا الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني (ت ١١٢٢هـ) في شرحه على الموطأ واعتمده، وقال (٤/٣٦٧): "«اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»؛ أي: اتخذوها جهة قبلتهم مع اعتقادهم الباطل، وأن اتخاذها مساجد لازم لاتخاذ المساجد عليها كعكسه".
١٥- وقال العلامة المحدث محمد عابد السِّنْدي (ت ١٢٥٧هـ)، في (حاشيته على النسائي) (٢ / ٤١): "ومراده بذلك أن يحذر أمته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذهم تلك القبور مساجد؛ إما بالسجود إليها؛ تعظيمًا لها، أو بجعلها قبلةً يتوجهون في الصلاة نحوها. قيل: ومجرد اتخاذ مسجد في جوار صالح تبركًا غير ممنوع".
١٦- وقال العلامة الشَّبيهي الزَّرهوني (ت ١٣١٨هـ) في كتابه (الفجر الساطع على الصحيح الجامع) (٢/١٦٦): "وجه الاستدلال به، أنه حيث خصص اللعنة باتخاذ قبور الأنبياء مساجد عُلم جوازُ اتخاذ قبور غير الأنبياء ومن في حكمهم كالصالحين من أممهم مساجد".
١٧- ونقل العلامة شَبّير العثماني (ت ١٣٦٩هـ) في كتابه (فتح الملهم شرح صحيح مسلم) (٤/٢٦) كلامَ البيضاوي السابق، واعتمده شرحًا للحديث.
١٨- وألف الحافظ أحمد بن الصديق الغماري (ت ١٣٨٢هـ) (إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد والقباب على القبور)؛ وهو واضح من اسمه.
١٩- وألف العلامة المحدث المتفنن السيد عبد الله بن الصديق الغماري (ت ١٤١٣هـ) (إعلام الراكع الساجد بمعنى اتخاذ القبور مساجد)؛ قرر فيه بالدلائل والنقول من المعقول والمنقول: أن اتخاذ القبور مساجد معناه: السجود لها على وجه تعظيمها وعبادتها، كما يسجد المشركون للأصنام والأوثان، وهو شرك صريح، وهذا المعنى منطوق اللفظ وحقيقته، وثبتت أحاديث مبينة له ومؤيدة، وأن الصلاة في مسجد ملحق به قبر أو ضريح خارج عن محل النزاع مطلقًا؛ لأن بناء المسجد على القبر غير اتخاذه مسجدًا، وغير دفن الميت في مسجد مبني.
٢٠- ويضاف إلى كل هذا إجماع المسلمين سلفًا وخلفًا (ولا عبرة بمن شذ) على صحة الصلاة في مسجد سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رغم وجود قبره الشريف، وكذلك وجود قبري أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ولا دليل على التخصيص، كما يجنح إليه من ليس من أهل النظر والتمحيص.
فبعد أن قرر الصحابة دفن النبي - صلى الله عليه وسلم- في حجرة السيدة عائشة، كانت هذه الحجرة متصلةً بالمسجد الذي يصلي فيه المسلمون، فكان المسلمون يصلون في المسجد الذي ألحق به حجرة، تشتمل على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم ، ولما دفن فيها أبو بكر، أصبح المسجد ملحقًا به حجرة، تشتمل على قبرين، ولما دفن عمر بن الخطاب أصبحت الحجرة الملحقة بالمسجد بها ثلاثة قبور، وظل المسلمون يصلون على هذه الحالة، ولم ينكر أحد منهم، فكان ذلك إجماعًا عمليًا منهم على جواز الصلاة في مسجد يتصل به حجرة فيها قبور للنبي - صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ولا يوجد دليلٌ على تخصيص ذلك بالنبي - صلى الله عليه وسلم ، وهبْ أنه خاص به فهل الخصوصية انسحبت أيضًا إلى أبي بكر وعمر؟!
٢١- ومن هنا يُعلم أن ما قرره المحدثون في فهمهم لهذا الحديث مخالف تمامًا لتلك التصورات المغلوطة، التي روّج لها من يزعمون الانتساب إلى أهل الحديث.
فحكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر: إذا كان القبر في مكان منعزل عن المسجد، أي لا يصلى فيه، فالصلاة في المسجد الذي يجاوره صحيحة، ولا حرمة ولا كراهة فيها؛ أما إذا كان القبر في داخل المسجد، فإن الصلاة باطلة ومحرمة على مذهب أحمد بن حنبل، جائزة وصحيحة عند الأئمة الثلاثة، غاية الأمر أنهم قالوا: يكره أن يكون القبر أمام المصلي، لما فيه من التشبه بالصلاة إليه.
إنّ الاتخاذ المنهي عنه في الأحاديث هي قصد القبر بالسجود؛ تعظيمًا، أو اتخاذه قبلةً مضاهاةً لله عز وجل، أما المجاورة في البناء، أو التبرك فجائزٌ، وهو أمرٌ جرى عليه عمل الأمة سلفًا وخلفًا، وإقحام (فوبيا القبور) في صحة صلاة المسلمين هو خروج عن منهج الراسخين في العلم، الذين فرقوا بين التعظيم التعبدي، والتوقير المشروع.
إحداث أمر ليس له أصل في الدين، و قد تكون حسنة كما ورد في حديث عمر عن صلاة التراويح، أو سيئة تخالف نصًا شرعيًّا .
تُمثل الشريعة الإسلامية منهجًا متكاملًا يوازن بين نص الوحي وواقع البشر.
التوسل في جوهره ليس إلا بابًا من أبواب القرب من الله بمحبوباتِه، وسعيًا لنيل فضله بمنزلة من اصطفاهم من خلقه.
التبرك بالصالحين مِشكاةُ مَحبةٍ اقتبسها أهلُ الودِّ من أنوار النبوة، فغفل عنها أهلُ الجفاء وعرف فضلَها أهلُ الإحسان.
ما هو التوسل إلى الله تعالى مفهومه وأنواعه؟ وهل يجوز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم- في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى؟