Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التوسل في الشريعة الإسلامية.. رؤية علمية تأصيلية

الكاتب

هيئة التحرير

التوسل في الشريعة الإسلامية.. رؤية علمية تأصيلية

ما هو التوسل إلى الله تعالى مفهومه وأنواعه؟ وهل يجوز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم- في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى؟ وهل يجوز التوسل بآل البيت الكرام؟ وما مدى مشروعية ذلك؟ وهل أوجب الله -سبحانه وتعالى- محبتهم ومودتهم في كتابه الكريم؟ وما عليه عمل الأمة قديمًا وحديثًا، وهل حكى العلماء إجماع الأمة في المسألة؟

تأصيل المسألة – مفهوم التوسل

التوسل في اللغة: التقرب، والوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير، وتحصل به الرغبة والقربة. قال الإمام ابن الأثير رحمه الله في :"الواسل: الراغب، والوسيلة: القربة والواسطة، وما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به" [ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر الزاوي، المكتبة العلمية، بيروت، ١٣٩٩هـ، مادة (وسل)، ٥/ ٢٠٤].

وفي الشرع: هو التقرب إلى الله تعالى بما يرضيه، من الأعمال الصالحة، والأسماء الحسنى، ودعاء الحي الصالح، والتوسل بجاه النبي وبركته وحقه بعد وفاته على ما قرره جمهور العلماء وأئمة المذاهب الأربعة.

الأنواع المشروعة من التوسل

يقسم المحققون من أهل العلم التوسل المشروع إلى أربعة أنواع رئيسية:

النوع الأول: التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى: وهذا النوع مما لا خلاف فيه بين المسلمين، وقد أمر الله به في كتابه فقال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، قال الإمام البغوي رحمه الله في تفسيره: " بَلْ يُدْعَى بِأَسْمَائِهِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا التَّوْقِيفُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ، فَيُقَالُ: يَا اللَّهُ، يَا رَحْمَنُ، يَا رَحِيمُ، يَا عَزِيزُ، يَا كَرِيمُ وَنَحْوَ ذَلِكَ" [البغوي: معالم التنزيل، تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار طيبة، بيروت، ١٤١٧هـ، ٣/ ٣٠٧].

النوع الثاني: التوسل بالأعمال الصالحة التي قام بها العبد نفسه: وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أصحاب الغار الثلاثة الذين توسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة: الأول ببره بوالديه، والثاني بعفته عن الفاحشة، والثالث بأدائه الأمانة، ففرج الله عنهم [أخرجه البخاري (٢٢٧٢) ومسلم (٢٧٤٣)].

النوع الثالث: التوسل بدعاء الحي الصالح الحاضر القادر: وهو ما كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ، حيث كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته. وقد ثبت عن سيدنا عمر- رضي الله عنه -:"....  فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ. فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ. وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ...."[صحيح مسلم:١٤٧٩].

النوع الرابع: التوسل بجاه النبي ﷺ وحقه ومنزلته بعد وفاته: ذهب جمهور العلماء إلى جوازه، واستدلوا بأدلة قوية من الكتاب والسنة وفعل الصحابة وعمل الأمة.

قال العلامة ابن عابدين رحمه الله :"والحاصل أن التوسل بالأنبياء والأولياء جائز عند الجمهور، ولا فرق بين الحياة والموت، فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون" [رد المحتار على الدر المختار، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ، ٣/ ٢١٢].

التوسل بالنبي ﷺ – عرض مذاهب العلماء وتحقيق المسألة

المذهب الأول: الإباحة المطلقة – وهو مذهب جمهور العلماء من المذاهب الأربعة

ذهب جمهور علماء المذاهب الأربعة إلى جواز التوسل بالنبي ﷺ في حياته وبعد مماته، وهو ما نُقل عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل في رواية عنهم [انظر: ابن عابدين: رد المحتار، ٣/ ٢١٢؛ النفراوي: الفواكه الدواني، ٢/ ١٦؛ الشربيني: مغني المحتاج، ٢/ ١٩٥].

١. مذهب الحنفية:

قال العلامة ابن عابدين رحمه الله: "وقد صح عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: لا بأس أن يتوسل الرجل بالنبي ﷺ في دعائه" [ابن عابدين: رد المحتار، ٣/ ٢١٢]. وهذا نص صريح في جواز التوسل عند إمام الحنفية.

ولكن ينبغي التنبيه إلى أن المتقدمين من الحنفية كأبي حنيفة نفسه وأبي يوسف ومحمد بن الحسن قد كرهوا صيغة "بحق الأنبياء" لأنهم رأوا أنه لا حق للمخلوق على الخالق [انظر: بدائع الصنائع، ٥/ ١٢٦]. لكنهم مع ذلك أجازوا التوسل بصيغة "أسألك بنبيك" كما صرح به ابن عابدين عن أبي حنيفة نفسه.

وقد صرح متأخرو الحنفية بجواز التوسل صراحة، قال الامام الكمال بن الهمام- رحمه الله -  ": ثم يقول في موقفه: السلام عليك يا رسول الله... ويسأل الله تعالى حاجته متوسلا إلى الله بحضرة نبيه عليه الصلاة والسلام" [ابن الهمام: فتح القدير، ١٠/ ٦٤].

٢. مذهب المالكية:

قال العلامة النفراوي رحمه الله :"ويستحب التوسل بالأنبياء والأولياء في الدعاء، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، ولفعل الصحابة [الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ، ٢/ ١٦].

وقد ورد عن الإمام مالك- رضي الله عنه - نفسه قصة مشهورة مع أبي جعفر المنصور العباسي:" فَاسْتَكَانَ لَهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ وَلم تَصْرفْ وَجْهَكَ عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ عيه السَّلَامُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَلِ اسْتَقْبِلْهُ واسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعهُ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظلموا أنفسهم) الآيَةَ" [ الشفاء بتعريف حقوق المصطفى:٢/٤١].

٣. مذهب الشافعية:

قال الإمام الشربيني رحمه الله :" ويسن التوسل بالأنبياء والأولياء في الدعاء، لقول النبي ﷺ للأعمى: 'اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد" [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ، ٢/ ١٩٥].

وقال الإمام النووي رحمه الله : "ومن أدعية الاستسقاء: اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، وأرسل السماء علينا مدرارًا. ويتوسلون بالصالحين فيدعون على أيديهم، وهذا هو المشهور"[الأذكار، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ، ص ١٨٤].

٤. مذهب الحنابلة:

قال ابن قدامة رحمه الله :"ولا بأس بالتوسل بالصالحين في الدعاء، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: لا بأس أن يتوسل الرجل بالنبي ﷺ في دعائه" [المغني، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥هـ، ٣/ ٢٧٦].

وقال ابن مفلح رحمه الله :"ويجوز التوسل بالأنبياء والأولياء بعد موتهم، وهو مذهب أكثر العلماء"[الفروع، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٢٤هـ، ٣/ ٢٤٥].

أدلة جمهور العلماء:

الدليل الأول: فعل الصحابة في الاستسقاء بعم النبي ﷺ :

فقد ثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما استسقى في عام الرمادة، قال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" [أخرجه البخاري:١٠١٠]

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرحه: "وفي هذا الحديث دليل على جواز التوسل بالصالحين" [ابن حجر: فتح الباري، ٢/ ٤٩٧].

وهذا دليل قاطع على أن الصحابة كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ.

الدليل الثاني: فعل الصحابي عثمان بن حنيف بعد وفاة النبي ﷺ :

روى الحاكم في المستدرك وصححه، والطبراني في الكبير، عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه فقضى حاجته، فذكر ذلك لابن حنيف فقال: ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قل: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي" [رواه الحاكم (١/ ٣١٣) وصححه ووافقه الذهبي].

وهذا فعل صحابي جليل بعد وفاة النبي ﷺ، وهو عثمان بن حنيف نفسه راوي حديث الأعمى، فلو كان هذا التوسل بدعة لكان أولى الناس بإنكاره هو راوي الحديث، ولكنه فعله وأمر به غيره.

الدليل الثالث: حديث الأعمى المشهور :

روى الترمذي عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريرًا أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك» فقال: فادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في" [رواه الترمذي (٣٥٧٨) وقال: حديث حسن صحيح].

فيه دليل صريح على مشروعية التوسل بالنبي ﷺ بذاته وجاهه، إذ قال: "أتوجه إليك بنبيك" ولم يقل: بدعاء نبيك، وهذا نص في الجواز.

الدليل الرابع: توسل آدم بنبينا محمد ﷺ قبل خلقه :

روى البيهقي في "دلائل النبوة" والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي. فقال الله تعالى: يا آدم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب إنك لما خلقتني رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» [رواه الحاكم (٢/ ٦٧٢) وصححه].

الدليل الخامس: عمل المسلمين قرونًا متطاولة :

فقد جرى عمل المسلمين سلفًا وخلفًا على التوسل بالنبي في صلواتهم وأذكارهم ودعواتهم، ولم ينكره منكر إلا في الأزمنة المتأخرة. قال الإمام الشعراني رحمه الله: “اعلم أن التوسل بالأنبياء والأولياء بعد موتهم جائز عند جميع المسلمين، إلا من شذ من أهل البدع" [ المنن الكبرى، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ، ٢/ ٧٢].

المذهب الثاني: ذهب البعض إلى المنع من التوسل مطلقا :

فقد ذهب البعض إلى منع التوسل بذات النبي ﷺ وجاهه بعد وفاته مطلقا، حيث قالوا : "التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه - لا في حياته ولا بعد مماته - ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم"، وكرهوا قول الداعي: أسألك بحق فلان.

كشف خطأ من أنكر التوسل – نقد أدلة المانعين

لقد أخطأ من أنكر التوسل مطلقًا، أو من ادعى أنه بدعة وضلالة، وذلك من وجوه:

الوجه الأول: مخالفته لإجماع الأمة:

إنكار التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته مخالف لإجماع الأمة، فقد نقل غير واحد من العلماء الإجماع على جوازه، قال السبكي رحمه الله: "ولم ينكر ذلك أحد من السلف ولا الخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم وابتدع ما لم يقله عالم قبله" [السبكي: شفاء السقام، ص ١٢٤]. وقال الإمام الشعراني: "جائز عند جميع المسلمين إلا من شذ" [الشعراني: المنن الكبرى، ٢/ ٧٢].

الوجه الثاني: تحريفه لدلالة حديث الأعمى:

المانعون يتأولون حديث الأعمى بأن التوسل كان بدعاء النبي لا بذاته. وهذا تحريف للفظ الحديث، فإن الدعاء الذي علمه النبي ﷺ للأعمى نص على: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد"، فلو كان المقصود بدعائه لقال: أسألك بدعاء نبيك، ولكنه قال: بنبيك، فدل على أن التوسل بالذات هو المشروع.

الوجه الثالث: إسقاطه لحديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه:

الحديث الذي رواه الطبراني والحاكم عن عثمان بن حنيف أن الرجل توسل بعد وفاة النبي بهذه الصيغة، هو حديث صحيح كما صححه الحاكم والذهبي. والمانعون يحاولون تضعيفه أو تأويله، ولا سبيل إلى ذلك بعد تصحيح الحافظين.

الوجه الرابع: تناقضه مع فعل الصحابة في الاستسقاء:

في قصة سيدنا عمر مع سيدنا العباس- رضي الله عنهما -، قال سيدنا عمر- رضي الله عنه -: "كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا" . فلو كان التوسل بالذات ممنوعًا لكان منع عمر الصحابة من ذلك، ولكنه أقرهم عليه، بل فعله بنفسه مع العباس. فدل على أن التوسل بالذات جائز في حياته، وأن التوسل بالصالحين بعد وفاته جائز أيضًا.

الوجه الخامس: تسميته بدعة مع أن العمل به متصل بعصر الصحابة:

والبدعة في أقصر دلالاتها أنها محمودة أو مذمومة فما وافق الدين فهو محمود وما خالفه فهو مذموم بمعنى ألا يكون لها أصل في الشرع فطالما وجد لها أصل معمول به فهي بدعة حسنة.

التوسل بآل البيت عليهم السلام – مقام المحبة والمودة

إذا كان التوسل بالنبي ﷺ جائزًا، فالتوسل بآل بيته الكرام جائز أيضًا فهم بضعة منه رفع الله سبحانه وتعالى قدرهم وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، وجعل مودتهم أجرًا على رسالته صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

  • منزلة آل البيت في الكتاب والسنة:

أولاً: في القرآن الكريم:

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا یُرِیدُ ٱللَّهُ لِیُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَیۡتِ وَیُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِیرࣰا﴾ [الأحزاب: ٣٣] 

قال الإمام الطبري - رحمه الله - في تفسيره: " عن أَبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: «نزلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ وَفِي عَلِيٍّ -رَضِيَ الله عَنْهُ - وَحَسَنٍ - رَضِيَ الله عَنْهُ - وَحُسَيْنٍ - رَضِيَ الله عَنْهُ - وَفَاطِمَةَ - رَضِيَ الله عَنِهَا-»" [جامع البيان في تأويل القرآن:مؤسسة الرسالة،ط١ ٢٠٠٠ م، ٢٠/٢٦٣]

وقال الله تعالى: ﴿قُل لَّاۤ أَسۡءَلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِی ٱلۡقُرۡبَىٰۗ﴾ [الشورى: ٢٣] ، قال الإمام الطبري - رحمه الله -:"لا أسألكم أيها القوم على دعايتكم إلى ما أدعوكم إليه من الحق الذي جئتكم به، والنصيحة التي أنصحكم ثوابًا وجزاءً، وعوضًا من أموالكم تعطوننيه (إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)" [جامع البيان، ٢١/ ٥٢٦].

وجاء في تفسير الثعلبي:" معناه إلّا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب، ثمّ اختلفوا في قرابة رسول الله - صلّى الله عليه وسلم -، الّذين أمر الله تعالى بمودتهم.، .... عن ابن عباس، قال: لما نزلت قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟، قال: «علي وفاطمة وأبناءهما» [مجمع الزوائد: ٧/١٠٣]" [الكشف والبيان عن تفسير القرآن: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط١ ٢٠٠٢،٨/٣١٠]

ثانيًا: في السنة النبوية:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»[مسند الامام أحمد:١١١٠٤]

عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ عزوجل. هُوَ حَبْلُ اللَّهِ. مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى. وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ». وَفِيهِ: فَقُلْنَا: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا. وَايْمُ اللَّهِ! إِنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ الْعَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ. ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَرْجِعُ إِلَى أَبِيهَا وَقَوْمِهَا. أَهْلُ بَيْتِهِ أصله، وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده". [صحيح مسلم : ٢٤٠٨]

عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ؛ كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا» [ رواه الترمذي (٣٧٨٨) وقال: حديث حسن غريب].

ثانياً: التوسل بآل البيت في ضوء المذاهب الفقهية:

ذهب جمهور العلماء إلى جواز التوسل بآل البيت عليهم السلام، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.

قال العلامة ابن عابدين رحمه الله: "والتوسل بآل البيت جائز، بل هو من أفضل أنواع التوسل، لمكانتهم عند الله" [رد المحتار، ٣/ ٢١٣].

وقال العلامة النفراوي رحمه الله:"ويستحب التوسل بآل بيت رسول الله ﷺ، فإنهم من أعظم الوسائل إلى الله" [النفراوي: الفواكه الدواني، ٢/ ١٧].

وهذه المسألة – أعني التوسل به ﷺ بعد وفاته – وإن وقع فيها خلاف بين العلماء قديمًا وحديثًا، فإن الراجح عند المحققين من أهل السنة والجماعة، وعليه عمل الأمة سلفًا وخلفًا، وعليه إفتاء دور الإفتاء في العالم الإسلامي، هو جواز التوسل بالنبي ﷺ وآل بيته والأولياء الصالحين. وهذا الذي استقر عليه عمل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها منذ أربعة عشر قرنًا.

قال فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمد سيد طنطاوي رحمه الله: "التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم جائز شرعًا، ولا حرمة فيه، وهو من الأمور التي دلت عليها النصوص الشرعية، وأجمع عليها سلف الأمة وأئمتها" [الفتاوى الشرعية، ٢/ ٣٤٥].

وقال فضيلة الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية: "إن علماء الأمة من المذاهب الأربعة وغيرها، قد أجمعوا على جواز واستحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعد انتقاله صلى الله عليه وآله وسلم للرفيق الأعلى، واتفقوا على أن ذلك مشروع قطعًا ولا حرمة فيه، وما ندين الله به أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مستحب، وأحد صيغ الدعاء إلى الله عز وجل المندوب إليها، ولا عبرة بمن شذَّ عن إجماع العلماء" [ فتاوى دار الإفتاء المصرية، ٣٤٢].

وقد قال شيخ مشايخنا العلامة عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله في رسالته النفيسة: "إن محبة آل البيت ليست بدعة ولا ضلالة، بل هي من أصول الإيمان، ومن فروض المودة التي أوجبها الله في كتابه على لسان نبيه ﷺ، فمن أنكر محبتهم فقد خالف نص القرآن، ومن منع التوسل بهم فقد حرم على الناس خيرًا عظيمًا" [انظر: الغماري، عبد الله بن الصديق: إتحاف الأكياس بتحقيق العقائد وإيضاح ما وقع فيها من الوساوس، مخطوط، خزانة الغماريين بتطوان].

حقيقة التوسل عند المحققين هو توسل بأفعال الله

يقول المحققون من أهل العلم: إن التوسل بالصالحين إنما هو توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة، التي من الله عليهم بها من اصطفاء وولاية وعلم. فإن الفاضل لا يكون فاضلاً إلا بأعماله التي وفقه الله لها، والمتوسل بالعالم مثلًا لم يعبده، بل علم أنه له مزية عند الله بحمله العلم، فتوسل به لذلك.

وهذا المعنى اللطيف هو الذي يزيل الإشكال عن قلوب كثير من الناس. فإن المتوسل بالنبي ﷺ إنما يتوسل بما اختصه الله به من النبوة والكرامة والمنزلة الرفيعة، وهذه أمور هي من صنع الله -جل جلاله وتقدست أسماؤه-، فكأنه يتوسل إلى الله بسر اصطفائه لحضرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلّم- والاصطفاء إنما هو محض فضل من الله -العلي العظيم- فيكون التوسل لله -سبحانه- بما مَنَّ به على عباده فهو عائد بذلك له سبحانه وتعالى.

من أقوال العلماء في المسألة – نصوص مختارة

الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:

قال ابنه عبد الله: سألت أبي عن الرجل يتوسل بالنبي ﷺ في دعائه؟ قال: لا بأس.

الإمام النووي رحمه الله:

قال :"ويتوسلون بالصالحين فيدعون على أيديهم، وهذا هو المشهور" [الأذكار، ص ١٨٤]

الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله:

قال "التوسل بالأنبياء والأولياء جائز بل مستحب، ولا فرق بين الحياة والموت، فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون" [الفتاوى الحديثية، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ، ص ٢٧٦].

الإمام السيوطي رحمه الله:

قال "التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته جائز، وكذلك التوسل بالصالحين، وهو من مذاهب الأئمة الأربعة" [الحاوي للفتاوى، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ، ٢/ ١٧٥].

العلامة الشوكاني رحمه الله:

قال "وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله ﷺ إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى" [ تحفة الذاكرين، ص ٥٦]

العلامة محمد بن علوي المالكي رحمه الله:

قال "إن التوسل بالنبي ﷺ جائز شرعًا، بل هو مستحب، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ومن ادعى أن التوسل بالنبي ﷺ شرك، فقد خالف إجماع الأمة وأساء الأدب مع النبي ﷺ" [مفاهيم يجب أن تصحح، دار جوامع الكلم، القاهرة، ١٤٢٥هـ، ص ٧٨].

فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف:

قال في حديثه عن التوسل: "إن التوسل بالنبي ﷺ وآل بيته من الأمور التي لا خلاف فيها بين أئمة المذاهب الأربعة، وهو من الوسيلة التي أمر الله بها في كتابه"[حديث لمجلة الأزهر الشريف، ٢٠١٨م]

فضيلة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية الأسبق:

قال في فتاويه: "التوسل بالنبي ﷺ من الأمور الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من مذاهب الأئمة الأربعة، ومن أنكره فقد شذ عن إجماع الأمة" [الفتاوى، ٣/ ٤٥٦].

الخلاصة

التوسل بالنبي ﷺ وآل بيته الكرام من المسائل التي قرر جمهور علماء المذاهب الأربعة جوازها واستحبابها، وهو ما جرى عليه عمل المسلمين سلفًا وخلفًا قرنًا بعد قرن، وقد وردت الأدلة من الكتاب والسنة وفعل الصحابة وعمل الأمة على مشروعية ذلك، وهو ما أفتت به دار الإفتاء المصرية والأزهر الشريف والمجامع الفقهية في العالم الإسلامي. 

والتوسل المشروع هو التوسل بجاه النبي ﷺ وحقه ومنزلته، أو بمحبة آل البيت ومودتهم التي أوجبها الله، أو بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة، مع اعتقاد أن الله هو النافع الضار وحده لا شريك له، وأن التوسل بهم إنما هو وسيلة إلى الله، ومن أنكر التوسل مطلقًا فقد خالف إجماع الأمة، وشذ عن مذاهب الأئمة الأربعة، وأساء الأدب مع مقام النبوة، ومحبة آل البيت من صميم الإيمان، والتوسل بحبهم من أعظم القربات. والله أعلم.

موضوعات ذات صلة

يتباين أهل العلم في تحديد مفهوم "آل البيت"

التطرف يشمل كل انحراف عن التوازن، سواء بالغلو والتشدد، أو بالتفريط والتسيب.

الحسنُ بنُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ بنِ عبدِ المطَّلبِ بنِ هاشمٍ بنِ عبدِ منافٍ، القُرَشيُّ الهاشميُّ،

التوسل والاستغاثة برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لقضاء الحوائج من المسائل التي تناولها العلماء والفقهاء بالتحقيق والتأصيل

هي بَضْعَة سيدنا رسول الله ﷺ وسيدة نساء العالمين، والجهة المصطفوية الطاهرة