يُعدّ التوسل بجاه النبي ﷺ وآله والصالحين بابًا واسعًا من أبواب القبول التي درج عليها سلف الأمة وأئمتها، استنادًا إلى نصوص شرعية صحيحة وتطبيق عملي متصل للمذاهب الأربعة، بعيدًا عن تضييق المنكرين أو جفاء المتأخرين.
يُعدّ التوسل بجاه النبي ﷺ وآله والصالحين بابًا واسعًا من أبواب القبول التي درج عليها سلف الأمة وأئمتها، استنادًا إلى نصوص شرعية صحيحة وتطبيق عملي متصل للمذاهب الأربعة، بعيدًا عن تضييق المنكرين أو جفاء المتأخرين.
مما أجمعت الأمة عليه أن التوسل ليس بواجب، وأنك إذا دعوت فقلت: يا رب أو: اللهم اقض لي كذا، أو: حقق لي كذا أن دعاءك عنده مقبول بفضله وكرمه سبحانه.
ولكن قال أهل العلم: هناك أشياء تجعل الدعاء أقرب إلى القبول، وذكروا في ذلك أشياء منها: التوسل بأسماء الله تعالى الحسنى، والتوسل بالعمل الصالح، وهذا مما اتفقوا عليه أيضًا.
واتفقت المذاهب الأربعة على جواز أو استحباب التوسل بالجناب النبوي الشريف وآل البيت والصالحين، وإن اختلفوا في صيغة التوسل: هل نقول: بحق، أو بجاه، أو بفلان مباشرة؟
والحنفية وإن أجازوا التوسل كما نص ابن عابدين وغيره، لكنهم كرهوا كلمة "بحق فلان" أدبًا؛ حتى لا تفهم العقول القاصرة أن الله يجب عليه شيء ولم يحرموا ولم يُبدِّعوا، فتنبَّه.
قال الإمام السندي عن إيهام لفظ: "بحق": "لكن لإيهامه الوجوب بالنظر إلى الأفهام القاصرة يحترز عنه علماؤنا الحنفية، ويرون أن إطلاقه لا يخلو عن كراهة"، فتأمل قوله: "بالنظر إلى الأفهام القاصرة يحترز عنه علماؤنا الحنفية".
والجمهور قالوا: لا يعتقد بحق أي: واجب إلا سفيه قطعًا؛ لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء باتفاق أهل السنة، وإنما هو مثل ما جاء في الحديث: «تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ وليس من الواجب على المولى جل شأنه، وهذا من الكلام النبوي الذي لا يُرَدّ.
فأجاز الجمهور قول الداعي: بحق فلان، أو بجاه فلان، أو بفلان، وهو الذي عليه العمل عند كافة المسلمين ما عد ابن تيمية ومن شايعه، ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة من النصوص الشرعية وكلام العلماء ولتعلم أن أدلة ذلك لا تُحصر:
الأول: ثبت في الحديث الصحيح ما يؤكد صحة التوسل بالجناب النبوي الشريف بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى كما رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَنِي، قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ، فَهُوَ خَيْرٌ، فَقَالَ: «ادْعُهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ، فَتَقْضِي لِي، اللهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ» [رواه النسائي وأحمد وغيرهما].
وهو حديث متفق على صحته، ولم أعلم من تكلم فيه بضعف، حتى من منع التوسل كابن تيمية قد صححه، ولكنه عمد إلى مفهومه فادعى فيه التخصيص بحال الحياة، وهكذا فعل أتباعه من بعده فتجاهلوا أقوال سلف الأئمة ومحدثيها، وقالوا: ليس فيه جواز التوسل بالنبي ﷺ، وإنما هو الاستشفاع بدعائه فقط حال الحياة، مع أن النص في تمام الوضوح: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ»، وهو نص عام لا يوجد ما يخصصه قط كما زعم المنكرون، وما قالوه فخارج عن ميزان العلم.
الثاني: وأوثق دليل على عدم التخصيص أن الصحابي الجليل سيدنا عثمان بن حنيف كان يُعَلِّمُ الناس هذا الدعاء في التوسل به ﷺ بعد وفاته ﷺ، وفي خلافة سيدنا عثمان بن عفان، كما جاء عن أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ: أَنَّ رَجُلًا، كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ، فَلَقِيَ ابْنَ حُنَيْفٍ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: «ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فَتَقْضِي لِي حَاجَتِي وَتَذْكُرُ حَاجَتَكَ ... قَالَ ابْنُ حُنَيْفٍ: «فَوَاللهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَطَالَ بِنَا الْحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ» [«المعجم الكبير» للطبراني (٩/٣٠)، «مجمع الزوائد» للهيثمي (٢/٢٧٩) برقم (٣٦٦٨)، وقال الهيثمي: روى الترمذي وابن ماجه طرفًا من آخره خاليًا عن القصة، وقد قال الطبراني عقبه: والحديث صحيح بعد ذكر طرقه التي روي بها].
الثالث : ويشهد له أيضًا ما جاء في الحديث: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، آمَنْتُ بِاللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، اللَّهُمَّ إني أسْألُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَخْرِجِي هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْهُ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، خَرَجْتُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، وَاتِّقَاءَ سَخَطِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي مِنَ النَّارِ، وَتُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ»،[ رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد وابن الجعد وضعفه جماعة لأجل علي بن زيد، وقد وثقه جماعة، فحسنوا الحديث كالإمام ابن خزيمة، والحافظ العراقي في تخريج "الإحياء"، والحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" بعد أن ذكر طرقه قال: "هذا حديث حسن"].
قال العلامة السندي: "قوله: (بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ) أي: متوسلًا إليك في قضاء الحاجة، وإمضاء المسألة بما للسائلين عندك من الفضل الذي يستحقونه عليك بمتقضى فضلك ووعدك وجودك وإحسانك". [مسند الإمام أحمد بحاشية السندي ١٠/ ٤٣٥].
الرابع: جرى عمل كبار علماء الإسلام في ذكر ذلك دون إنكار، حكاية أو حالًا، فذكر ابن جرير وابن أبي حاتم والآجري وغيرهم توسل اليهود في الجاهلية بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في قتالهم العرب فقالوا: "كانت العرب تهزم اليهود، فقالت اليهود بعضهم لبعض: تعالوا حتى نستفتح قتالنا للعرب بمحمد، الذي نجده مكتوبًا عندنا أنه يخرج نبيًّا من العرب، وكانوا إذا التقوا قالوا: "اللهم بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أنك تخرجه إلا نصرتنا عليهم، فأجابهم الله عز وجل فنصر اليهود على العرب، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به حسدًا منهم له على علم منهم أنه نبي حق". [الشريعة ٣/ ١٤٥٢].
وليس احتجاجنا بفعل اليهود، بل باستدلال كبار الحفاظ والأئمة دون نكير، وذكر ذلك جمع كبير غيرهم كالإمام الحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "دلائل النبوة"، وأبي محمد مكي بن أبي طالب في "الهداية"، وابن الجوزي في "زاد المسير"، وابن كثير في "السيرة النبوية"، وغيرهم خلائق لا يُحصون دون أن يشير أحدهم بأدنى مخالفة فكأنه إقرار منهم بسؤال الله تعالى بحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
الخامس: وكان الإمام الحافظ الفقيه أبو محمد عبد الله بن إسحاق المعروف بابن التبّان المالكي المتوفى ٣٧١هـ مجاب الدعوة، وكان من دعائه: " اللهم بحق الحافِّين بعرشك، وبحق الذين إذا نظرت إليهم سكن غضبك ...". [ترتيب المدارك وتقريب المسالك ٦/ ٢٥١]. وهو توسل بحق المخلوقين من الملائكة والصالحين.
السادس: وكان الإمام الأمير مرشد بن علي بن المقلد المعروف بأبي سلامة الكناني المتوفى ٥٣١هـ والذي نسخ بخطه سبعين ختمة من القرآن الكريم مجاب الدعوة، قال الحافظ ابن عساكر: "حكى لي أبو المغيث منقذ بن مرشد الكناني: كنت عند والدي رحمه الله تعالى وهو ينسخ مصحفًا ونحن نتذاكر خروج الروم فرفع المصحف وقال: اللهم بحق من أنزلته عليه (أي: بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم)، إن قضيت بخروج الروم فخذ روحي ولا أراهم، فمات يوم الاثنين الثامن من شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة بشيزر [قريبة من حماه] ودفن في داره وخرجت الروم ونزلوا على شيزر في نصف شعبان سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة" [تاريخ دمشق لابن عساكر ٥٧/ ٢١٩، تاريخ الإسلام ١١/ ٥٥٦].
السابع: وقال الشيخ الإمام العالم الفقيه الحافظ أبو بكر أحمد بن المقرب بن الحسين بن الحسن الكرخي البغدادي المتوفى ٥٦٣هـ في كتابه: "أربعون حديثًا عن أربعين شيخًا في أربعين" (صـ ٣٧)" قال: سألني بعض من يعز عليَّ من أصحاب الحديث أن أجمع له من مسموعاتي عن شيوخي رحمهم الله أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا في أربعين معنى، فأجبته إلى ذلك كما سأل نفعنا الله وإياه بذلك، ولجميع طلبة العلم، وكافة المسلمين بحق محمد وآله الطيبين".
الثامن: وقال الإمام تقي الدين ابن الصلاح المتوفى ٦٤٣هـ في "طبقات الشافعية الكبرى" (١/ ٢٦٤) عند ترجمة الإمام الغزالي رضي الله عنه: " توفي رحمه الله بطوس صبيحة يوم الاثنين، التاسع عشر من جمادى الآخرة، سنة خمس وخمس مئة، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأواه بمحمد وآله".
التاسع: وقال الإمام عز الدين بن الأثير المتوفى ٦٣٠هـ في "الكامل في التاريخ" (١٠/ ٣٧٦): "وَيَسَّرَ لِلْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُومُ بِنَصْرِهِمْ وَحِفْظِ بِلَادِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ".
العاشر: وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي المتوفى ٦٧١هـ في "تفسيره (٨/ ٢٤٠) عند ذكر حديث: "وددت أنا لو رأينا إخواننا": "فجعلنا إخوانه، إن اتقينا الله واقتفينا آثاره حشرنا الله في زمرته ولا حاد بنا عن طريقته وملته بحق محمد وآله".
الحادي عشر: وقال شيخ الإسلام الذهبي المتوفى ٧٤٨هـ في "العبر في خبر من غير" (٤/ ٢٠٠) عن دخول شيخ الإسلام السبكي إلى دمشق: "فالله يمتع ببقائه أهل المصرين، ويجمع له ولمواليه خير الدارين بمحمد وآله".
الثاني عشر: وقال الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي المتوفى ٧٧٤هـ في "البداية والنهاية" (١٣/ ٢٢٤) عن النار التي ظهرت بالحجاز: "فالله يجعلها عبرة للمسلمين ورحمة للعالمين، بمحمدٍ وآله الطاهرين".
الثالث عشر: وقال الإمام سراج الدين ابن الملقن المتوفى ٨٠٤هـ في كتابه "البدر المنير (٢/ ٢٨٥)": "جعل الله ذَلِكَ خَالِصًا لوجهه بِمُحَمدٍ وَآله".
الرابع عشر: وقال الإمام النيسابوري المتوفى ٨٦٠هـ: في كتابه: " غرائب القرآن ورغائب الفرقان (٥/ ٣٢٥)": "اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمدٍ وآله صلى الله وسلم عليهم".
وكل هذا وغيره لا يُحصى يدلل على صحة مذهب أهل السنة في أن ذلك جائز ومشروع ومطبق عند أئمة السنة دون نزاع، ولا حجة لمتأخر ينكر بقلة معرفته على كبار الأئمة والحفاظ، والله أعلم.
إنّ ما جرى عليه عمل كبار الحفاظ والفقهاء كابن الملقن وابن كثير وابن الأثير والقرطبي وغيرهم من علماء الامة الثقات من التوسل "بحق سيدنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآله"، يقطع بصحة هذا المسلك ومشروعيته الأصيلة، ويؤكد أن إجماع المذاهب على جوازه هو الحجة البالغة التي لا ينقضها شذوذ الفهم أو قلة المعرفة بالأثر.
التوسل في جوهره ليس إلا بابًا من أبواب القرب من الله بمحبوباتِه، وسعيًا لنيل فضله بمنزلة من اصطفاهم من خلقه.
التبرك بالصالحين مِشكاةُ مَحبةٍ اقتبسها أهلُ الودِّ من أنوار النبوة، فغفل عنها أهلُ الجفاء وعرف فضلَها أهلُ الإحسان.
ما هو التوسل إلى الله تعالى مفهومه وأنواعه؟ وهل يجوز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم- في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى؟
تُمثل الشريعة الإسلامية منهجًا متكاملًا يوازن بين نص الوحي وواقع البشر.
إحداث أمر ليس له أصل في الدين، و قد تكون حسنة كما ورد في حديث عمر عن صلاة التراويح، أو سيئة تخالف نصًا شرعيًّا .