وهو يرى أن الإيمان الصادق يدفع إلى العمل، والمعرفة الصحيحة تدفع إلى الأخلاق المستقيمة، حتى اعتبر مقياس الأخلاق الفاضلة هو المعرفة، وأن ذلك الرأي منبث في كلام الحسن، ومن ذلك قوله في إجابة من سأله عن الرجل يذنب، ثم يتوب، ثم يذنب، ثم يتوب، فهو يقول: "ما أعرف هذا من أخلاق المؤمنين"، ومن ذلك قوله أيضا: "يرى ذلك في خشوعه، وزهده، وحكمه وتواضعه"، وإذا كان الإيمان يستلزم العمل حتما، فإن مرتكب الكبيرة من الذنوب، المصر عليها لا يمكن أن يكون عند الحسن مؤمنا، إلا إذا تاب توبة نصوحا، وأخلص من بعدها في العمل لله تعالى.
ومسألة مرتكب الكبيرة شغلت العصر الذي عاش فيه الحسن، فمن وقت أن خرج الخوارج على سيدنا علي بن أبي طالب، وكفروه، لأنه قبل التحكيم بينه وبين معاوية، واعتبروا ذلك كبيرة - في زعمهم - توجب الكفر، تكلمت في مرتكب الكبيرة كل الفرق الإسلامية، فالخوارج كما ترى كفروه، والمعتزلة قالوا: إنه ليس بمؤمن ولا بكافر، بل هو في منزلة بين الإيمان والكفر، ويصح أن يقال عنه: إنه مسلم، وهو مخلد في النار إن لم يتب توبة نصوحا.
والمرجئة قالوا: إنه مؤمن مقصر، ولكن كان منهم أهل البدع الذين قالوا : إنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا يضر مع الكفر طاعة، فهو إن كان مقصرا فهو غير مؤاخذ، ورحمة الله وسعت كل شيء، ومن أولئك المرجئة من لم يقعوا في بدعة، فإنهم قالوا: إن تاب توبة نصوحا فإن الله يقبل توبته، كما وعد سبحانه بذلك، وإن لم يتب فهو في أمر الله ومشيئته، إن شاء عذبه بما ارتكب، وإن شاء غفر له، وإن الله يغفر الذنوب جميعا إن شاء الله، وينسب ذلك القول إلى أبي حنيفة النعمان، بل إنه لا يوجد في المأثور من أقوال أئمة الفقه ما يعارضه.
وكان رأى الحسن غير هذه الآراء جميعا، فهو يرى أن المذنب الذي لا يتوب توبة نصوحا لا يوجد عنده أصل الإيمان، بل يعده منافقا في إعلانه الإيمان، وهو غير مؤمن، وهو يقول في ذلك: "الناسُ ثلاثةٌ: مؤمنٌ، وكافرٌ، ومنافقٌ: فَأَما المؤمنُ فقدْ ألجَمهُ الخوفُ وقومهُ ذكرُ العَرْض. وَأما الكافرُ فقد قمعهُ السيفُ، وشردَهُ الخَوفُ، وأذعَنَ بالجزْيةِ، وأسْمَح بالضريبة، وَأما المنافقُ فَفِي الحُجراتِ والطرقَات، ويُسروُّن غَيرَ مَا يُعْملُون، ويُضْمُرونَ غَيْرَ مَا يُظْهرُونَ، فاعُتبرُوا إنْكارَهُم ربهُم بأعْمَالهمْ الخَبيثَةِ".
وهناك مسألة أخرى شغلت عصر الإمام الحسن البصري أيضا؛ وهي مسألة الجبر والاختيار، فالجهم ابن صفوان ومن معه، ادعوا أن الإنسان مجبر غير مخير، ولا إرادة له فيما يفعل، بل ينسب الفعل له، وهو من الله، والمعتزلة قالوا: إن العبد يخلق أفعال نفسه، وهو محاسب بها، وذلك بقوة أودعها الله إياه، وبها كان الحساب والثواب والعقاب، والحسن قال: إن الحسنات بتوفيق الله، والمعاصي بعمل العبد، وهو يقول في ذلك: "كل شيء بقضائه وقدره إلا المعاصي " ويريد من ذلك أن المعاصي لا يريدها الله تعالى.
والحسن كان يرى أن الخلافة انتهت بالراشدين، وأن معاوية اغتصبها، وأنه ليس في بنى أمية عادل إلا عمر بن عبد العزيز، ومع ذلك كان لا يدعو إلى الخروج عليهم، ويمنع معاونة الخارجين، لأنه يرى أن وجود حكومة أولى بالاتباع من الفوضى، لأنه كان يرى أن الفتن يقع فيها من المظالم ما لا يقع من حاكم مستبد في سنين، وكان يرى في هذا أن الحكام لون من ألوان الشعب، فإن استقام استقاموا.
وكانت فيه محبة لآل البيت، فإنه عندما بلغه مقتل الحسين -رضى الله عنه- بكى وانتحب، وقال: واحسرتاه ماذا لقيت هذه الأمة؟، قتل ابن دعيها ابن نبيها، اللهم كن له بالمرصاد. ﴿وَسَیَعۡلَمُ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوۤا۟ أَیَّ مُنقَلَبࣲ یَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].