أما طرق الاستدلال ومناهجه فقد وضع الكندي (ت:٢٥٢هـ) التحديد
العام لها، فأشار إلى أن لكل (نظر تمييزي) أى نظر عقلي، يقصد منه معرفة مميزات موضوعه؛
وجودًا خاصًّا، أى طريقة خاصة في المعرفة بموضوعه، واعتبر الكندي، أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، أحد أبرز علماء القرن الثالث الهجري، ورائد الفلسفة العربية الإسلامية، برع في علوم متعددة كالفلسفة، الطب، الرياضيات، والفلك أن مخالفة هذه
القاعدة تؤدي إلى ضلال كثير من الباحثين [رسالة فى الفلسفة الأولى: ص٤٤].
ومنذ ذلك التحديد الفلسفى المبكر لضرورة مناهج الاستدلال
لكل علم بحسبه، اهتم فلاسفة الإسلام الذين شُغلوا بإكساب براهينهم اليقين التام،
بطرق الاستدلال اهتمامًا كبيرًا. يقول ابن سينا معبرًا عن أهمية هذه الطرق
الاستدلالية: كما أنه ليس عن أي مادة اتفقت يصلح أن يتخذ بيت أو كرسى، ولا بأي
صورة اتفقت يمكن أن يتم من مادة البيت بيت، ومن مادة الكرسي كرسي، بل لكل شىء مادة
تخصه بعينها، كذلك لكل معلوم يعلم بالروية مادة تخصه وصورة تخصه منهما يصار إلى
تحققه.
وقد أشار الفارابي بوضوح؛ إلى أن كثيرًا مما يقع
فيه الباحثون من اضطراب فى نتائج أبحاثهم الفلسفية، إنما يعود إلى عدم إتقانهم
للطرق التى يجب أن يسلكوها فى الاستدلال. يقول أبو نصر الفارابي (ت: ٣٣٩هـ): "وعلى هذا نجد
الأمر في أكثر أحوالنا وفي جل من نشاهد من النظار والفاحصين، فيتبين من ذلك أنا
مضطرون قبل أن نشرع في الفحص عن المطلوبات إلى أن نعرف أن هذه الطرق كلها صناعية، وإلى
علم نميز به بين هذه الطرق المختلفة بفصول وعلامات تخص واحدة واحدة من تلك الطرق" [تحصيل السعادة، ص٥٠].
ولأن الاستدلال
عملية منتجة للمعرفة الجديدة، فقد نظر الفلاسفة المسلمون إلى تلك العملية على أنها
ديناميكية، شبه ابن رشد طرقها تشبيهًا
معبرًا حيث قال: إنها "تنزل من النظر منزلة الآلات من العمل" [فصل المقال فيما
بين الحكمة والشريعة من الاتصال: ص ٢٤]، وقد جعل ابن رشد الوقوف على طرق
الاستدلال مقدمة ضرورية للخوض في النظر في الأدلة، يقول ابن رشد: "من الأفضل
أو الأمر الضروري لمن أراد أن يعلم الله تبارك وتعالى وسائر الموجودات بالبراهين،
أن يتقدم أولاً فيعلم أنواع البراهين وشروطها، وبماذا يخالف القياس البرهاني
الجدلي، ويعرف قبل ذلك أجزاء القياس التى منها تركبت؛ أعني المقدمات وأنواعها".
ولقد كان حرص
الفلاسفة المسلمين على الوصول لليقين عند الاستدلال على إحدى القضايا شديدًا
وواضحًا، ولذلك فقد اهتموا بالبحث في العوامل المؤثرة في إفادة الاستدلال لليقين، فنجد
أبا نصر الفارابى يحصر هذه العوامل في طرق
الاستدلال التى يسلكها المستدل. يقول الفارابي: "الملتمس في كل مطلوب هو أن
يحصل به الحق اليقينى، غير أن كثيرًا مما لا يحصل لنا به يقين، بل ربما حصل لنا
ببعضه اليقين، وحصل لنا في بعضه ما نلتمسه منه ظن وإقناع، وربما حصل لنا فيه تخيل...
والسبب في ذلك اختلاف الطرق التى نسلكها عند مصيرنا إلى المطلوب" [تحصيل السعادة: ص٥٠].
والاستدلال عند
ابن رشد بحاجة دائمة إلى معرفة أصول الاستنباط والقياس؛ لأن الخلل في شيء من ذلك
يؤدي إلى إبطال عملية الاستدلال برمتها، وضبط هذه الأصول يؤذن باستقامة الاستدلال
وصحة الدليل، يقول ابن رشد في ذلك: "يجب على المؤمن
بالشرع، الممتثل أمره بالنظر فى الموجودات، أن يتقدم قبل النظر، فيعرف هذه الأشياء
التي تتنزل من النظر منزلة الآلات من العمل، فإنه كما أن الفقيه يستنبط من الأمر
بالتفقه في الأحكام، وجوب معرفة المقاييس الفقهية... كذلك يجب على العَارف أن
يستنبط من الأمر بالنظر في الموجودات، وجوب معرفة القياس العقلى وأنواعه" [فصل المقال: ص٤، ٥].
وهناك جانب آخر
في الاستدلال أولاه فلاسفة المسلمين عناية خاصة، وهو مضمون الدليل ومحتواه العلمى،
فإنهم لم يكتفوا بتنظيم الاستدلال من الناحية الشكلية فقط، وإنما عنوا إلى جانب
ذلك بالمضامين التى تحملها أجزاؤه. وهم في ذلك يفترقون عن المناطقة الذين لم
يشغلهم أمر المضمون ولا مطابقته للحق أو الواقع، فالبحث المنطقي – كما يقول ابن
رشد: "هو البحث الذى يتبع فيه صاحبه الإقناع من غير أن يطلب مطابقة الموجود بأقاويله" [شرح مقالة اللام
لأرسطو: ص١٤-١٨].
وقد جر إغفال
المناطقة لمضامين الأدلة على المنطق مآخذ كثيرة، تدور كلها حول صوريته وشكليته،
وعدم إفادته لليقين ولا لعلم جديد، ويعلل ابن رشد ذلك بقوله: "والعلة في ذلك أن
طلب الإنسان الكلام المقنع من غير أن يعتبر، هل هو مطابق للموجود أو غير مطابق؟ يفضي
به إلى اعتقادات كاذبة ومخترعة"، فالذي أدّى إلى الصورية في المنطق، أنه درس
طرق الاستدلال كقوالب، وأغفل مادتها العلمية، وقد تسرب هذا المسلك إلى المنطقيين
المسلمين الذين تأثروا بنظرة أرسطو للعلم، فالعلم عنده لا يدرس الخاص، بل يدرس
العام، أي ماهية الأشياء وصورتها، وقد أراد تطبيق وجهة نظره هذه على دراسة التفكير
نفسه [المنطق الحديث ومناهج البحث: ص ١٨]، ولذلك لا نعجب
عندما نجد فخر الدين الرازي، فى مباحثه
المنطقية يقول متحدثًا عن القياس كواحد من مناهج الاستدلال: "وليس من شرط كون
القياس قياسًا، أن يكون مسلم القضايا، بل يكون بحيث يلزم من تسليمها تسليم المطلوب،
سواء كانت في نفسها مسلمة أو لم تكن مسلمة في نفسها" [لباب الإشارات
والتنبيهات: ص٦١].
ولذلك يتميز موقف فلاسفة المسلمين، عن موقف المناطقة، من عملية عقلية محضة
يثبت من خلالها المستدل حكمة قضية أو بطلان أخرى بأمر مهم، وهو اهتمام الفلاسفة
بشكل الدليل ومضمونه معًا، حتى إذا تم ضبط الجانبين وتصحيحهما يحصل المستدل على
اليقين العلمى، الذي هو الغاية من عملية الاستدلال برمتها.