وأنواع الاستقراء الثلاثة التى قال بها هى:
١-الاستقراء التام أو الإحصائى: تناوله بالدراسة فى كتاب التحليلات الأولى، ويسمى الاستقراء تاما حيث يحصى
كل الأمثلة الجزئية فى مقدمات تنتهي بنا إلى نتيجة عامة تندرج تحتها كل تلك الأمثلة،
والمثال الذي ضربه أرسطو على هذا النوع هو "الإنسان، والحصان، والثور طويلة
العمر، لكن الإنسان، والحصان، والثور هى كل الحيوانات قليلة المرارة، إذن كل
الحيوانات قليلة المرارة طويلة العمر".
وأهم خصائص الاستقراء التام
أنه استدلال مقدماته كلية ونتيجته كلية، ومن ثم فالنتيجة لازمة عن المقدمات لأنه ليس
بالنتيجة غير ما قررته المقدمات من قبل (الفلسفة اليونانية
أصولها وتطوراتها ص ١٤٦).
وأهم ملاحظة عن الاستقراء
التام هى أن كلية مقدماته تتضمن صعوبات مستحيلة الحل،إذ كيف عرف أرسطو أن كل إنسان،
وكل حصان وكل ثور طويل العمر؟ وكيف عرف أن الإنسان، والحصان، والثور هى كل
الحيوانات قليلة المرارة؟ لأرسطو جواب على هذا كله. فهو يرى أن الحيوانات، والنباتات
منقسمة إلى أنواع يتميز بعضها عن بعض وأن عدد الأنواع فى الطبيعة محدود لا يزيد
ولا ينقص، نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر، ولكن الزمن كفيل بإمدادنا بما نجهله، وأن
النوع دال على كل أفراده، فإذا عرفنا طبيعة النوع، استطعنا أن نصدر حكمًا كليًا
بأن تلك الطبيعة موجودة فى الأفراد موضوع ملاحظتنا وموجودة كذلك فيما لم يقع بعد
تحت ملاحظتنا.
٢-الاستقراء الناقص: هو ما سماه "جونسون" بالاستقراء الحدسى (الاستقراء والمنهج العلمى ص ٢٨-٣١)،
وقد درسه أرسطو فى
كتاب التحليلات الثانية أو البرهان، وقد عرف أرسطو مايسمى بالاستقراء الحدسى: بأنه
العملية التى بواسطتها ندرك أن مثلا جزئيًا دليل على صدق تعميم ما، أو أنه تلك
العملية التى بواسطتها ندرك أن مثلاً جزئيًا دليل على صدق تعميم ما، أو أنه تلك
العملية التى عن طريقها نصل إلى إدراك ما يسميه بالمقدمات الأولى أو الحقائق
الضرورية بواسطة بعض الأمثلة الجزئية التى تكشف عنها.
ونلاحظ أنه لا يكفينا فى هذه
الحالات إلا مثال واحد لإصدار القضية الكلية وكثرة الأمثلة لا تزيد القضية الحدسية
صدقًا، ونعلم أن كل قضايا الحساب والهندسة من ذلك النوع، تقوم على الاستقراء
الحدسى.
٣-الاستقراء الجدلى: درسه أرسطو فى كتاب الطوبيقا؛ لقد حاول أرسطو أن يبحث عن وسيلة يعوض بها
عن النقص الموجود فى الاستقراء التام حتى يمكن أن يكون يقينيا أو أقرب إلى اليقين،
فاستخدم المنهج الجدلي،
وقال: إن البرهان الجدلي وهو الذي يقوم على المسلمات والمشهورات هو الذي يستطيع أن
يكمل النقص الموجود فى الاستقراء، وأرسطو يستعين في هذا الجدل، وينتهي إلى المنهج الذي
يمكن أن يسمى باسم الشكوك (أبوريا) أو ما يمكن تسميته بالاستقراء الجدلي. والذي
يقوم على أساس استقراء جميع الآراء التي قيلت حول المسألة التي هي موضوع البحث، ثم
استنتاج كل النتائج التي يؤدى إليها كل رأي من هذه الآراء، ثم مقارنة هذه النتائج
بعضها ببعض، ومقارنة هذه النتائج بحقائق يقينية مسلم بها، وعن طريق البحث فى
الآراء المتعارضة واستخدام ما هو مسلم به لدى الناس جميعا وما هو مشهور بينهم، من أجل
تحديد ماهيات الأشياء يستطيع الإنسان أن يكمل النقص الذي وجده من قبل في الاستقراء.