لقد أسهمت الحضارة الإسلامية إسهامًا عظيمًا في تطوير العلوم الطبية والصيدلية، بأسس علمية وإيمانية متكاملة، وقد جمع علماء المسلمين بين التجربة والملاحظة والتوثيق، مما مهّد لولادة علوم حديثة باتت تُدرّس عالميًّا.
لقد أسهمت الحضارة الإسلامية إسهامًا عظيمًا في تطوير العلوم الطبية والصيدلية، بأسس علمية وإيمانية متكاملة، وقد جمع علماء المسلمين بين التجربة والملاحظة والتوثيق، مما مهّد لولادة علوم حديثة باتت تُدرّس عالميًّا.
حققت الحضارة الإسلامية انتشارًا ودوامًا متلازمين، لم تحققهما أي حضارة أخرى عبر التاريخ، وكانت مصدر الإشعاع الوحيد الذي غمر بنوره كل أنحاء الدنيا في العصور الوسطى، ولا تزال آثارها ومؤلفات علمائها خير شاهد على دورهم الريادي في مسيرة التقدم العلمي والتقني، وفي مجال الطب والصيدلة كان لهؤلاء العلماء القدح المعلى، سواء في فن الترجمة والتأليف، أو في اتباع المنهج العلمي السليم، أو في السبق إلى العديد من الاكتشافات التي قامت عليها العلوم الطبية والصيدلية الحديثة، ولايزال العالم ينعم بثمارها وفوائدها حتى اليوم، والمداخل التالية تلقي الضوء على بعض ما يتضمنه التراث الطبي والصيدلي لعلماء الحضارة الإسلامية من نظريات وأفكار ومفاهيم ذات قيمة معرفية ومنهجية تشكل الأساس لكثير من المباحث العلمية الدقيقة التي تعامل اليوم كعلوم تخصصية فرعية شبه مستقلة، نظرًا لاتساع دائرة البحث في موضوعاتها، مثل: علوم التشريح، والجراحة، والطب السريري، وطب الفم والأسنان، وطب النساء والتوليد، وطب الأطفال، والطب النفساني، والطب الوقائي، والطب البيئي، والطب الاجتماعي، والصحة العامة، وطب الأعشاب والعقاقير والأقربازين، والطب البديل وغيرها.
وعلوم الصيدلة تقتضي تحضير الأدوية وتركيبها والتعرف على صفاتها وخصائصها، وكيفية الحصول عليها، ومعرفة شوائبها وغشها، وطرق الحفاظ عليها دون أن يتطرق إليها الفساد، وكذلك طرق تعاطيها وتجهيزها في أشكال وعلى هيئات تسهل تناولها وتؤكد مفعولها والاحتفاظ بخصائصها، وكذلك ما تصير إليه في الجسم، وتأثيرها فيه، سليمًا كان أو عليلًا، بالإضافة إلى تحضير الأدوية المركبة ودراسة توافقها أو عدم توافقها، وتقوية بعضها بعضًا، ولكي يتسنى استخدام الأدوية في أغراض العلاج بحكمة وأمان لابد من تفهم القواعد الأساسية التي تُبنى عليها طريقة فعلها.
وقد كانت نظرية الأخلاط الأربعة أحد المبادئ العامة المشتركة في فلسفة العلاج عند الإغريق وأطباء وصيادلة المسلمين، لكن مسلمات هذه النظرية عند الإغريق كانت تستند إلى مبدأ طبيعي يحاكي الطبيعة في المعالجة على أساس ما أسموه "القوة الطبيعية الشافية" Naturae Vis Medicatrix، ولذا فإنهم حذروا الطبيب من التسرع في التدخل في سير المرض خوفًا من أن يحول دون عمل الطبيعة، وهذه الفلسفة المادية يقابلها عند المسلمين مبدأ عقلاني إيماني يستمد أصوله من الإسلام، فيعزي القوة الشافية إلى الخالق الواحد القائل في محكم التنزيل: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: ٨٠].
وانطلاقًا من هذه المسلمة الإيمانية اتخذ أطباء الحضارة الإسلامية منهجًا علميًا واضحًا يعتمد في العلاج بصفة عامة على أثر التغذية في الأسقام والإبراء، فهذا أبو بكر الرازي يقول: "مهما قدرت أن تعالج بالتغذية فلا تعالج بالأدوية، ومهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد، فلا تعالج بدواء مركب".
بل إنه كثيرًا ما يفضل أن تكون الأدوية من جنس الأغذية، اعتقادًا بأن الأمة، أو الطائفة، التي غالب أغذيتها من الأطعمة البسيطة المفردة تكون أمراضها قليلة، ويعتمد طبها على المفردات، فأهل المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركبة يحتاجون إلى الأدوية المركبة؛ لأن أمراضهم في الغالب مركبة، بينما تكفي الأدوية المفردة لعلاج أهل الصحاري والبوادي؛ لأن أمراضهم مفردة، ويضيف داود الأنطاكي إلى طرق العلاج أمرين مهمين هما: الزمان الذي يقطع فيه العشب، والبيئة التي ينمو بها، وذلك استنادًا إلى قول أبقراط: "عالجوا كل مريض بعقاقير أرضه فإنه أجلب لصحته".
والباحث في كتب التراث الإسلامي المعنية بالطب والصيدلة يجد هذه المنهجية الإيمانية التجريبية واضحة في فكر أطباء وصيادلة الحضارة الإسلامية الذين حرصوا على تدوين ما يصفون للمريض من أدوية، وكتبوا عن "الأقربازين" الذي كان يعنى في بادئ الأمر تركيب الأدوية المفردة وقوانينها، وأصبح يعنى في العصر الحديث علم طبائع الأدوية وخواصها، واحترفوا جمع الأدوية على أفضل صورها واختيار الأجود من أنواعها، مفردة أو مركبة، وأجروا الدراسات على تأثيرها الطبي وحدود جرعتها وفترة صلاحيتها وطريقة استعمالها وحفظها، وجمعوا ذلك في "دستور الأدوية" الذي يمثل خلاصة ما يصل إليه البحث في العلوم الصيدلية والطبية بصورة عامة، وفي علمي العقاقير والأقربازين بصورة خاصة، وقد انعكست هذه المنهجية الإسلامية في كل ما كتب عن علم العقاقير والعلاج بالأدوية، الأمر الذي جعل هذه المؤلفات تحظى باهتمام علماء الشرق والغرب وتؤثر فيهم تأثيرًا عظيمًا، ويكفي أن نذكر من مآثر علماء الحضارة الإسلامية أنهم اكتشفوا العديد من العقاقير التي لاتزال تحتفظ بأسمائها العربية في اللغات الأجنبية، مثل: الحناء والحنظل، والكافور، والكركم، والكمون وغيرها.
وفي العصر الحاضر شهدت العلوم الطبية قفزة هائلة نتيجة للتطور السريع في التقنيات المستخدمة وأساليب علاج الأمراض، خاصة بعد أن دخلت البشرية عصر التقنية الحيوية والهندسة الوراثية لعلاج الأمراض، وقد أدى هذا إلى رصد العديد من السلبيات على الطب الحديث أهمها ما يحدث من أضرار جانبية للأدوية، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف العلاج بالنسبة للأغلبية العظمى من البشر، وأصبحت الحاجة ملحة إلى البحث عن الفنون القديمة، للتداوي وإعادة صقلها باستخدام المعارف والتقنيات الحديثة، بهدف الوصول إلى علاج المريض بأعلى درجة من الكفاءة، وأقل قدر من الأضرار والتكاليف.
ويعرف هذا الاتجاه الجديد باسم "الطب البديل" وهو لا يعني استبدال الطب الحديث بفنون العلاج التقليدية، ولكنه يدعو إلى إعادة الاختيار لما هو أنسب لكل مريض حسب حالته، ومن ثم أصبح مطلح "الطب التكميلي" أكثر توفيقًا: Complementary/ Alternative Medicine ، ومن مظاهر الاهتمام بهذا الاتجاه الجديد العودة إلى قراءة مخطوطات الطب الإسلامي بعد أن اختفت لفترة أمام التطور العلمي والتقني، فقد شرع علماء أوربا وأمريكا في إعادة فحص هذه المؤلفات وإجراء التجارب على الوصفات الشعبية التي وردت فيها في محاولة للكشف عن أدوية جديدة للأمراض، وفي السنوات الأخيرة زاد اهتمام شركات الأدوية في ألمانيا والدانمارك وهولندا وإيطاليا وأمريكا بهذا الموضوع، وطلبوا من بعض دول المشرق شراء بعض النباتات الطبية.
من ناحية أخرى قامت بعض كليات الطب ومراكز البحوث في بعض الدول النامية بتقييم ودراسة فروع الطب التكميلي وإتاحة العديد من المواد الطبيعية التي تتوافر فيها الكفاءة وقلة الكلفة والأضرار الجانبية، ووفرت بعض الأعشاب التي تزيد من مناعة الجسم، واهتمت بعض شركات الدواء بتقديم العديد من الأعشاب المدروسة كبدائل لتجنب الآثار الجانبية للدواء، لكن الحاجة أصبحت ماسة لترشيد البحث في مجال الطب التكميلي ووضع ضوابط صارمة لممارسته وتطبيقه بحيث يحقق الفوائد المرجوة منه في المداواة والعلاج والحفاظ على صحة الإنسان أينما كان.
حققت الحضارة الإسلامية انتشارًا ودوامًا متلازمين، لم تحققهما أي حضارة أخرى عبر التاريخ، وكانت مصدر الإشعاع الوحيد الذي غمر بنوره كل أنحاء الدنيا في العصور الوسطى، ولا تزال آثارها ومؤلفات علمائها خير شاهد على دورهم الريادي في مسيرة التقدم العلمي والتقني، كما أن علوم الصيدلة تقتضي تحضير الأدوية وتركيبها والتعرف على صفاتها وخصائصها، وكيفية الحصول عليها، ومعرفة شوائبها وغشها، وطرق الحفاظ عليها دون أن يتطرق إليها الفساد، وكذلك طرق تعاطيها وفي العصر الحاضر شهدت العلوم الطبية قفزة هائلة نتيجة للتطور السريع في التقنيات المستخدمة وأساليب علاج الأمراض.
الطب السريري يركز على تشخيص الأمراض وعلاجها من خلال التواصل المباشر مع المرضى.
الصيدلة هي: علم الأدوية بأنواعها النباتية والحيوانية والمعدنية.
يُعنى الطب الوقائي، أو "حفظ الصحة"، بالحفاظ على الصحة الموجودة بدلًا من استردادها.